الأحد 22 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
السهرات القرآنية حضور إعلامى نحتاجه

السهرات القرآنية حضور إعلامى نحتاجه

يقينًا لا يزال شهر رمضان فى مصر له بهجة وأجواء وطقوس وروح لا تُضاهى بمثيلاتها فى أى دولة أخرى.



ويقينًا فالسّر يكمن فى عمق الثقافة المصرية بتجذرها وتنوعها عبر العصور، وبطبيعة تكوين شخصية هذا الشعب التى لا تزال حية فى أجيال ما قبل الألفية، والتى تمتزج فيها السهولة بالامتناع، وعبقرية الإبداع بالاطمئنان للأصول، والإقبال على الفرح بشجن حاضر.. وحس عندما يكون سليمًا يأخذ من الدين أيسرَه وأجمَله.

وربما لأننى أنتمى إلى جيل لحِقَ بالإذاعة المصرية فى نهايات وهجها وتأثيرها وانتشارها، ولأننى أيضًا أنتمى إلى عالم الصحافة والإعلام، ولأن مسارى المهنى أتاح لى الاقتراب من (والحياة فى) قلب تلك الصناعة ومعايشة التطورات والتغيرات التى حدثت بها؛ فإننى كلما حل شهر رمضان أستدعى زادًا وجدانيًا افتقدناه إعلاميًا بأثره الثقافى والروحى والاجتماعى تحت وطأة تغيُّر الزمن وتبدُّل أدواته وظواهره، والآليات والظروف التى أصبحت تحكم الصناعة وتقيدها وتحصرها اقتصاديًا فى تقديم أنواع محتوى معينة دون غيرها، رغم أن ما افتقدناه غالٍ كقيمة وكمعنى ورغم أن الاحتياج إليه يظل قائمًا.

وهكذا تظل تلك الاستدعاءات أحلامًا أو مشروعات مؤجلة تعيد طرح نفسها عامًا بعد عام فى انتظار لحظة ترى فيها النور إذا وجدت من يتحمس لها أو يَقدر على تحقيقها وفى انتظار ظروف مواتية تسمح بإعادة إحيائها.

وربما ما شجعنى على الحديث عن ذلك الآن هو إننى وجدت طيفًا من ذلك يتحقق بالإقبال اللافت والقبول الحسن الذى قوبل به برنامج تليفزيونى جميل هو «دولة التلاوة».

أولًا: لأن تلك الفكرة وجدت الآن من استطاع أن يأخذ قرارَ تحويلها إلى واقع فى الإعلام المصرى وبصورة لائقة وحديثة وأنيقة خارج سياق نوعيات المحتوى «الجماهيرى» السائد الذى تُوجَّه إليه عادةً بنود الإنتاج عالى التكلفة نسبيًا.

وثانيًا: لأن نجاح ذلك المشروع طمأننى إلى أن حضور القرآن الكريم إعلاميًا على نطاق واسع ومنظم (وهو أهم ما أرَى أننا افتقدناه) احتياج حقيقى سيكون له أثر وجدانى رائع وقدرة عظيمة على بعث روح مصرية دينية وثقافية سمحة وأصيلة بالذات فى شهر رمضان، فالمصريون يحبون القرآن ويستعذبونه ويجيدون تذوق حلاوته بأصوات المَدرسة المصرية الفريدة.

ما أريد الوصول إليه هو ضرورة إعادة الإحياء الإعلامى لتلك الحالة البديعة العريقة التى كانت موجودة بمصر منذ العهد المَلكى حين كانت ليالى السهرات القرآنية تُقام بشكل يومى ويرتادها الآلاف، من السرادقات الرمضانية إلى مساجد آل البيت والأزهر الشريف وحتى ساحة قصر عابدين.. ولأن الإذاعة كانت فى عز سطوتها وانفرادها كوسيلة إعلام كان البث المباشر لتلك السهرات يصل إلى كل مكان يغطيه الإرسال الإذاعى فى مصر ويتوحد الملايين فى رحاب الإحساس به والأثر الوجدانى له بما يسبغ على ليالى الشهر الفضيل روحًا تليق به يمتد زادها من العام إلى العام ويتراكم عامًا بعد عام فيصبح أصلاً ثابتًا فى الشخصية الشعبية.. وقد ظل هذا التقليد قائمًا ومؤثرًا إلى أن تراجعت سطوة الإذاعة بظهور التليفزيون وتراجَع الأثر أكثر مع ظهور الفضائيات ثم انفجار وسائل الإعلام الحديثة ولم تعد تلك «التسجيلات الخارجية» الرائعة تتصدّر المشهدَ فى ليالى رمضان ما بين السحور وأذان الفَجر.

ما نحتاجه هنا هو بث يومى مباشر مشترك بين الإذاعة والتليفزيون المصرى وقنوات تليفزيونية واسعة الانتشار ونقل «لايف» مفتوح على وسائل التواصل الاجتماعى، لسهرات قرآنية على مدار ليالى رمضان من بعض (أو أحد) مساجدنا العريقة التى يرتبط بها الوجدان الشعبى يتم تنظيمها باهتمام بحيث يتناوب عليها أفضل المقرئين (ولدينا أصوات جميلة من أبناء المَدرسة المصرية فى التجويد) ويعقبهم أفضل المبتهلين وصولاً إلى الأذان ونقل صلاة الفَجر على الهواء.. والأجمل أن تسبق كل ذلك جولات يومية تنقل الأجواء والمظاهر الرمضانية البسيطة والأصيلة من المناطق الشعبية الشهيرة فى العاصمة وبعض المحافظات.

المؤكد أن تنفيذ ذلك بتقنيات وفنيات عالية المستوى يتطلب تكلفة مرتفعة، ولكن ربما يكون هذا هو الوقت الذى يمكن تحقيقه فيه بعد القبول اللافت الذى حققه «دولة التلاوة» وهو ما ينبغى البناء عليه.