من النقشبندى والشيخ محمد رفعت إلى أغانى رمضان ودوى مدفع الإفطار
أصوات تمنح رمضان الهوية المصرية
منى بكر
فى مصر، ترى رمضان فى الفوانيس والزينة التى تملأ البيوت والشوارع، وتراه فى موائد الإفطار العامرة، وفى الدراما التليفزيونية التى أصبحت جزءًا من طقوس الاحتفال بالشهر الكريم، كما أنّ رمضان فى مصر لا يُرَى فقط؛ بل يُسمَع أيضًا؛ إذ تصاحبه أصوات متنوعة صَنعت عبر الزمن ذاكرة جماعية للمصريين، تحمل معها بهجة الشهر وروحانيته. فمن ابتهالات الشيخ سيد النقشبندى التى تسبق أذان المغرب وتُدخل القلوب فى حالة من الصفاء، إلى دوىّ مدفع الإفطار الذى يعلن لحظة الانطلاق نحو المائدة، مرورًا بصوت الشيخ محمد رفعت وهو يرفع أذان المغرب ليتناول الصائمون إفطارهم، وصولاً إلى الأغانى التى ارتبطت برمضان عبر الأجيال، وفى مقدمتها «رمضان جانا»، التى يكفى سماعها لاستدعاء ذكريات الماضى والاستعداد لقدوم الشهر الكريم.
تتداخل هذه الأصوات فى مشهد سمعى فريد لتتشكل فى النهاية سيمفونية مصرية خالصة؛ فكل صوت يحمل فى طياته حنينًا وملامح هوية خاصة، لتصبح هذه النغمة الرمضانية ذاكرة مشتركة عبر الأجيال. ونحاول فى السطور التالية الاقتراب من هذه الأصوات التى ارتبطت بالشهر الكريم فى وجدان المصريين، وصارت جزءًا من وجدان المصريين وطقوس الشهر الكريم.
الشيخ محمد رفعت.. صوت رمضان الخالد
ارتبط اسم الشيخ محمد رفعت فى وجدان المصريين بلحظات روحانية خالصة، وكان صوته أحد أبرز ملامح رمضان التى لا تغيب عن الذاكرة. فمع تلاوته للقرآن أو رفعه لأذان المغرب، كانت البيوت تلتزم الصمت فى خشوع، وكأن صوته يهيئ القلوب للانتقال من عبادة الصيام إلى لحظة الإفطار. لُقِّب بـ«قيثارة السماء».. وتميز أداؤه بعذوبة خاصة وقدرة نادرة على تطويع المقامات، ما جعل تلاوته تجمع بين الإتقان الفنى والصدق الإيمانى، فبدا الصوت وكأنه يحمل المعنى قبل أن ينطق به. ومع انتشار الإذاعة المصرية فى النصف الأول من القرن العشرين، دخل صوته كل بيت، ليصبح علامة زمنية ثابتة ترتبط بالشهر الكريم، وجزءًا من ذاكرة سمعية لا تنفصل عن طقوس رمضان فى مصر.
صوت النقشبندى يعلن اقتراب موعد الإفطار
يحتل صوت الشيخ سيد النقشبندى مكانة خاصة فى الذاكرة الرمضانية للمصريين؛ إذ ارتبطت ابتهالاته بلحظات السكون التى تسبق أذان المغرب، حين تتوقف الحركة فى البيوت وتتهيأ القلوب للدعاء. لم يكن صوته مجرد أداء إنشادى؛ بل حالة روحانية كاملة تمتزج فيها قوة النبرة بصدق الإحساس، فتصل الكلمات إلى القلب قبل الأذن. امتاز «النقشبندى» بقدرته على التعبير عن المعانى الصوفية بلغة بسيطة وعميقة فى الوقت نفسه، ما جعل ابتهالاته قريبة من عامة الناس رغم ثرائها المقامى واللغوى.
ومع بث ابتهالاته عبر الإذاعة والتليفزيون، تحولت إلى طقس يومى فى رمضان، ينتظره الصائمون كما ينتظرون مدفع الإفطار. فبمجرد أن يبدأ صوته فى «مولاى إنى ببابك» أو غيرها من الابتهالات، يسود الصمت ويشعر الجميع بأن لحظة روحانية قد بدأت، تمهد للانتقال من صيام الجسد إلى صفاء الروح. ولم يقتصر تأثيره على جيله؛ بل امتد عبر العقود، حتى صار صوته علامة زمنية تشير إلى اقتراب المغرب، وجزءًا أصيلاً من السيمفونية السمعية التى تميز رمضان فى مصر. هكذا لم يعد «النقشبندى» مجرد منشد دينى؛ بل أصبح رمزًا من رموز الشهر الكريم، وصوتًا يحمل الحنين والسكينة معًا فى وجدان المصرى.
مدفع الإفطار «اضرب».. لحظة الإفطار بين الصمت والانفجار
ومن الطقوس الرمضانية التى ارتبطت بالذاكرة الشعبية فى مصر مدفع الإفطار؛ حيث أصبح صوته علامة يومية ينتظرها الصائمون بلهفة مع اقتراب غروب الشمس. فقبل ظهور وسائل الإعلام الحديثة والساعات الدقيقة، كان المدفع وسيلة عملية لإعلان موعد الإفطار، لكنه مع مرور الزمن تجاوز وظيفته الأساسية ليصبح رمزًا احتفاليًا يحمل فى دويه فرحة جماعية تشعر بها المدينة بأكملها فى اللحظة نفسها.
وعلى الرغم من تطور وسائل الاتصال وبث الأذان عبر الإذاعة والتليفزيون؛ ظل مدفع الإفطار محتفظًا بمكانته؛ إذ لم يعد مجرد أداة للإعلام بالوقت؛ بل طقسٌ يُعلن انتهاء يوم الصيام وبداية لحظة الاجتماع حول المائدة. فبمجرد سماع صوته، تتحرك الأيدى إلى التمر والماء، وتتعالى الدعوات، ويشعر الجميع بوحدة زمنية وروحية تجمعهم فى توقيت واحد.
كما يحمل المدفع بُعدًا تراثيًا يعكس ارتباط رمضان فى مصر بالمظاهر الاحتفالية ذات الطابع الشعبى؛ حيث ينتظر الأطفال صوته بفرح. فجملة «مدفع الإفطار اضرب» ليست مجرد أمر عسكرى بل كلمة السِّر التى تعلن اقتراب موعد الإفطار. وهكذا تحول مدفع الإفطار من وسيلة تقليدية لضبط الوقت إلى رمز من رموز الهوية الرمضانية، وصوت يحمل فى طياته الحنين إلى زمن بسيط كانت فيه إشارة واحدة تكفى لتجمع مدينة كاملة على لحظة إفطار واحدة.
المسحراتى.. بين التقليد الشعبى وصوت سيد مكاوى
«المسحراتى» فى الشوارع المصرية هو أحد أبرز رموز رمضان الشعبى، فهو الشخصية المحبوبة التى تنتقل من حى إلى آخر حاملاً طبلة وينادى بصوته المميز لإيقاظ الصائمين قبل الفجر لتناول السحور. لم يكن عمل «المسحراتى» مجرد مهمة يومية؛ بل طقسٌ شعبىٌ يضفى على الليل الرمضانى حيوية ودفئًا خاصًا، ويجمع الأطفال والكبار فى انتظار صوته وعباراته المألوفة مثل: «اصحى يا نايم»، وأحيانًا ينادى الأطفال بأسمائهم لتشجيعهم على الاستيقاظ. هذا المشهد يختزل روح الجماعة، ولا نزال نراه ونسمعه فى رمضان رغم انتشار مواقع التواصل وأجهزة المحمول والتكنولوجيا الحديثة. ويُعتبر صوت «المسحراتى»، إلى جانب طبله، جزءًا من السيمفونية الرمضانية التى تملأ الشوارع والأحياء المصرية بالبهجة والحنين.
وعلى النقيض من حضور المسحراتى الشعبى، كان صوت الفنان سيد مكاوى يتردد على شاشات التليفزيون؛ حيث قدّم أغانى السحور والابتهالات الرمضانية بأسلوبه الفريد وصوته القريب من الناس، حتى أُطلق عليه لقب «مسحراتى مصر». فقد شكل مع الشاعر الكبير فؤاد حداد ثنائيًا فنيًا عظيمًا قدّما من خلاله أشعارًا غناها سيد مكاوى بمصاحبة الطبلة فقط، ما أضفى بساطة تتسق مع روح الشهر الكريم. واعتاد المصريون سماع سيد مكاوى ليلاً يغنى: «اصحى يا نايم وحِّد الدايم.. وقول نويت بكرة إن حييت.. الشهر صايم والفجر قايم.. رمضان كريم»، كلمات تحمل فرحة رمضان وتستحضر حنين لياليه بين الماضى والحاضر.
أغانى رمضان.. بين الحنين والبهجة
تُعَد أغانى رمضان فى مصر جزءًا لا يتجزأ من أجواء الشهر الكريم، فهى لا تقتصر على التسلية؛ بل تحمل فى طياتها حنينًا للماضى وذكريات الطفولة والدفء العائلى. فبمجرد سماع أغنية «رمضان جانا» بصوت محمد عبدالمطلب، يتردد صدى البهجة فى القلوب، ويستحضر المستمعون أجواءَ الإفطار والتجمعات العائلية، وهى من كلمات حسين طنطاوى وألحان محمود الشريف.
كما تُعَد أغنية «مرحب شهر الصوم» بصوت عبدالعزيز محمود من أيقونات رمضان؛ حيث نستهل بها الشهر الكريم، وقد صاغ كلماتها الشاعر محمد على أحمد ولحنها عبدالعزيز محمود، ورغم تسجيلها فى الستينيات؛ فإنها لا تزال تحتفظ بمكانتها فى وجدان المصريين.
ولا يمكن إغفال أغنية الأطفال الشهيرة «هاتوا الفوانيس يا ولاد» بصوت محمد فوزى، من كلمات عبدالعزيز سلام، التى أحبها الصغار والكبار على حد سواء، لتصبح جزءًا من طقوس رمضان عبر السنين. أمّا أغنية «وحوى يا وحوى»؛ فهى أيضًا أيقونة رمضانية، كتب كلماتها محمد حلمى المانسترلى ولحنها أحمد شريف، لتكمل المشهد الغنائى الذى يصنع بهجة الشهر ودفء الذكريات.
وهكذا؛ تتجاوز مظاهر رمضان فى مصر مجرد الزينة والفوانيس والمائدة؛ لتصبح تجربة حسّية متكاملة تتداخل فيها الرؤية مع السّمع والذاكرة.











