نوستالجيا الدورات الرمضانية فى مصر
عالم مواز تحت الأضواء الكاشفة
محمد عادل حسنى
فى اللحظة التى ينطلق فيها أذان المغرب فى رمضان لا يسود الصمت كما يظن البعض، بل يبدأ وعد خفى بلقاء كروى ينتظره الجميع، فبعد الإفطار تتحرك الشوارع على إيقاع مختلف وتخرج الكراسى من البيوت وتضاء الكشافات فوق الأعمدة وتعلو الضحكات، ويبدأ عالم آخر فى التشكل؛ عالم له قوانينه الخاصة ونجومه وأساطيره وجماهيره التى تحفظ تفاصيله أكثر مما تحفظ نتائج الدورى الممتاز، فمجرد أن تخطو إلى ساحة الدورة الرمضانى حتى تعبر فجوة زمنية تنقلك من صخب الحياة اليومية إلى كون صغير تدور فيه الكرة فتدور معها القلوب والذكريات.
فالدورات الرمضانية فى مصر لم تكن مجرد بطولات كرة قدم للهواة، لكنها كانت طقسًا اجتماعيًا راسخًا واحتفالاً شعبيًا سنويًا وذاكرة تسكن وجدان أجيال كاملة، فهناك تحت ضوء كشاف بسيط وعلى أرض قد تكون ترابية فى قرية هادئة أو فى قلب مدينة مزدحمة ولدت حكايات لا تنسى وصنعت أسماء بقيت فى الأذهان حتى بعد أن غاب أصحابها عن الملاعب، فكل حى كان له موعده الكبير وكل منطقة كان لها النهئى الذى تنتظره كما لو كان مباراة قمة بين أكبر الأندية.
ومن يدخل دورة رمضانية يشعر على الفور أنه فى عالم مواز،ٍ فالوقت يمر ببطء والوجوه تتبدل والنجوم لا تلمع فى السماء فقط، بل تتحرك فوق المستطيل الصغير، فهناك اللاعب الذى يراوغ فى مساحة ضيقة وكأنه يتحدى قوانين الفيزياء، وهناك الهداف الذى يعرف طريق الشباك من أنصاف الفرص، وهناك الحارس الذى يقف أمام المرمى بثقة كأنه يلعب فى النهائيات الكبرى فتصبح الأسماء فى تلك المساحة الصغيرة أكبر من حجمها الحقيقى وتتحول إلى أساطير يرددها الصغار قبل الكبار من أهالى القرية أو المدينة، وكان الناس فى الأحياء ينتظرون أشخاصًا بعينهم كما ينتظرون حدثًا سنويًا لا يتكرر إلا مرة واحدة، فإذا قيل أن فلانا سيلعب الليلة امتلأت المقاعد قبل البداية بوقت طويل وجاء شباب من شوارع بعيدة فقط ليشاهدوا لمسة أو تمريرة أو هدفًا يحكى عنه طوال العام، فكانت المتعة فى الانتظار وفى الترقب وفى الصيحة التى تخرج دفعة واحدة بعد لقطة مهارية تخطف الأنفاس، فالجمهور لم يكن مجرد متفرج، بل كان شريكًا فى العرض يعلق ويحلل ويطلق الألقاب ويصنع الهالة حول نجومه.
وكانت لكل منطقة أسطورتها الخاصة، فهناك من اشتهر بلقب مارادونا وآخر لقبوه بالحريف، وهناك من عُرف بأنه لا يضيع ركلة جزاء، وهناك من كانت تمريرته البينية حديث الناس فكانت الألقاب تمنح من الناس وتترسخ فى الذاكرة الشعبية وتصبح جزءًا من هوية اللاعب، فإذا سار فى الشارع ناداه الأطفال بلقبه قبل اسمه الحقيقى، فكانت الشهرة هنا صادقة وبلا مقابل وبلا عقود إعلانية لكنها كانت أغلى من أى مال.
ولم تكن المكافآت فى البدايات كبيرة فقد يكون الفوز بكأس بسيط أو مبلغ رمزى أو حتى عزومة سحور جماعى كافيًا ليشعر الفريق بأنه حقق إنجازًا عظيمًا، لكن القيمة الحقيقية كانت فى الهيبة وفى الشعور بأن اسمك أصبح حديث الحى، وأن فريقك صار رقمًا صعبًا فى الدورة القادمة، فالفوز بدورة رمضانية كان يعنى أنك ستدخل الموسم الجديد وأنت بطل وأن خصومك سيحسبون لك ألف حساب.
وكانت الدورات أيضًا مساحة اجتماعية واسعة يلتقى فيها الجميع؛ فيذوب الفارق بين صاحب المحل والطالب والعامل والموظف فالجميع يشجع ويبقى اسم الفريق فقط، فإذا نشب خلاف بين الجيران فى أى وقت من السنة تأتى الدورة الرمضانية لتقرب المسافات، وإذا ابتعد شخص عن أصدقائه بسبب ظروف الحياة تجمعهم الدورة من جديد؛ فكانت ليالى رمضان تمزج روح التنافس بروح الشهر الكريم فيتحول الملعب إلى مساحة تصالح وفرح قبل أن يكون ساحة صراع.
وفى القرى الصغيرة كانت الدورة حدث العام كله؛ فكان الأهالى يساهمون فى تجهيز الملعب ويعلقون الزينات ويحددون مواعيد المباريات بعد التراويح حتى يتمكن الجميع من الحضور فتصبح الساحة ملتقى للعائلات ويجلس الكبار فى صفوف أمامية ويلتف الصغار خلف المرمى لالتقاط الكرات فتنمو الأحلام فى تلك المساحة البسيطة ويكبر معها الانتماء للقرية وللفريق وللشهر الكريم. ومع مرور السنوات بدأت الدورات الرمضانية تتطور وتخرج من إطارها العفوى البسيط إلى إطار أكثر تنظيمًا واحترافية، فدخلت مراكز الشباب بقوة وظهرت لجان منظمة تضع لوائح واضحة وتحدد أعمار المشاركين وتعلن جدول مباريات دقيقًا، فارتدت الفرق قمصانًا موحدة تحمل أرقامًا وأسماء وأصبح هناك جوائز مالية كبيرة وكئوس لامعة وميداليات توزع فى احتفالات ختامية تليق بالأبطال، فظهرت رعاية الشركات وعلقت اللافتات حول الملاعب وصار لكل دورة صفحة على مواقع التواصل تنقل الأخبار وتنشر الملخصات وتبث المباريات مباشرة فامتد جمهورها إلى خارج حدود الحى وأصبحت بعض النهائيات حدثًا ينتظره آلاف المتابعين عبر الشاشات.
وهذا التطور لم يلغ روح الماضى، بل أضاف إليها بعدًا جديدًا، فالشاب الذى كان يحلم فقط بلقب أسطورة القرية صار يحلم أيضًا بأن يراه كشافو الأندية وأن تكون الدورة بوابته نحو تحقيق حلم حقيقى، فأصبحت تلك البطولة جسرًا بين الشغف الشعبى والطموح الاحترافى.
وفى ليالى الأدوار الإقصائية كانت الأجواء تبلغ ذروتها فتمتلئ المدرجات البسيطة عن آخرها وترتفع الأصوات بالهتافات والأغانى الشعبية ويتحول الملعب إلى مسرح مفتوح، فإذا سُجل هدف فى الدقيقة الأخيرة انفجر المكان فرحًا وإذا احتكم الفريقان إلى ركلات الترجيح توقفت القلوب لثوان طويلة وارتفعت الأيادى بالدعاء فكانت لحظات تختصر معنى الكرة الشعبية ومعنى الانتماء لفريق ومنطقة واسم، فتنتهى المباراة ويبقى صداها يتردد فى المجالس حتى السحور.
وكانت هناك طقوس لا تتغير مهما تغير الزمن، فبعد كل مباراة يجلس اللاعبون يتبادلون الحديث ويتذكرون اللقطات ويتجادلون حول قرار تحكيمى ويضحكون على فرصة ضائعة والابتسامات حاضرة والصور بالكأس لحظة لا بد منها فتبقى تلك الصور شاهدًا على ليلة من ليالى رمضان لا تنسى، فإذا جاء العام التالى عادت الحكايات نفسها وتكررت المقارنات بين جيل وجيل وبين هدف وهدف وبين حارس قديم وآخر جديد.
فكلما جاء رمضان عادت الأنوار وارتسمت الخطوط من جديد وولد أبطال جدد واستعادت الذاكرة أسماء قديمة فتبقى الدورات الرمضانية أكثر من مجرد بطولة موسمية وتظل فجوة زمنية جميلة نهرب إليها كل عام لنعيش فيها حلمًا بسيطًا اسمه كرة القدم، فهناك نتذكر أن اللعبة كانت دائمًا أقرب إلى الناس وأن الشغف كان دائمًا أقوى من الإمكانيات وأن المجد يمكن أن يصنع تحت ضوء كشاف بسيط وفى ساحة صغيرة بين بيوت متجاورة.
وهكذا يبقى رمضان موعدًا مع كرة لها طعم مختلف ومع ليالى لا تشبه غيرها، فحين تنطلق صافرة البداية يختفى صخب الدنيا وتبقى فقط كرة تتحرك بين أقدام لاعبين يحلمون وجمهور ينتظر لحظة فرح فتنتهى المباراة وتغلق الأنوار، لكن الحكاية لا تنتهى، بل تظل معلقة فى الذاكرة حتى يعود الشهر من جديد فتعود معه الدورة ويعود معها العالم الموازى الذى تعلمنا فيه أن الأساطير قد تولد فى الحوارى وأن البطولات الحقيقية قد تبدأ من ملعب صغير، لكن أثرها يبقى كبيرًا فى القلب لا يزول.







