الأحد 22 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
الحكومة والمهمة الصعبة.. والحكيم يرد على «أيام زمان»!‏

الحكومة والمهمة الصعبة.. والحكيم يرد على «أيام زمان»!‏

1



كنا جلوسًا على مقهى نصف معروف بميدان تريامف فى مصر الجديدة، نلعب الشطرنج، ‏وفجأة هلّ علينا صديقٌ عابسٌ «مزرود» الوجه، يكاد يخرج من هدومه، كما لو كان قادمًا من «عركة» على طريقة فتوات نجيب محفوظ، هو محاسب هاجر إلى بريطانيا، وعاش فيها ثلاثين ‏عامًا دون أن يقطع علاقته بالوطن، ثم عاد نهائيًا مع زوجته بعد معاش مبكر، وترك هناك ‏ابنه الوحيد الذى يعمل مهندس كمبيوتر.

صَدَمَنا المشهد، وسألناه بلهفة، فروى ما حدث قبل نصف ساعة، هو لديه سيارة خاصة، لكن ‏لعدم «إنسانية» المرور فى القاهرة، يفضل التحرك فى تاكسى، ولا يستخدم سيارته إلا نادرًا، ‏فى أيام الجمع والإجازات الرسمية التى تتخلص فيها شوارع القاهرة من «الغوغائية» حسب ‏وصفه، لكنه فى عصر هذا اليوم أخذ سيارته إلى ميكانيكى يعرفه فى العباسية لفحصها ‏وضبطها؛ لأن زوجته أصرّت على السفر إلى الإسكندرية تزور أختها المريضة، واشترت ‏لها «هدايا وملابس» لأولادها الأربعة.

المهم أنه بعد الصيانة، وفى لحظة خروجه من الشارع ببطء وحرص، فإذا بـ«توك توك»، ‏يعترض طريقه ويخبط رفرف السيارة الأمامى، وينزل «عيل» من التوك توك، ويسب له ‏الدين ويحاول الاعتداء عليه: «هو أنت أعمى، فاكر نفسك بيه»، والناس تشد الصبى، وتقول له: «‏قد جدك»، ولا هو هنا، قال واحد من الجمهور: الرجل الكبير مش غلطان، التوك توك جاى ‏بسرعة من اليمين وعايز يلف من قدامه، فإذا بـ«العيل ذى الخمسة عشر عامًا تقريبًا»، يشهر ‏مطواه ويهجم على الشاهد المجهول يحاول الفتك به، وهو ينعل سلسفيل جدوده وربما وصل ‏فى ردحه إلى الجد مينا موحد القطرين.‏

المهم أن أولاد الحلال تدَخّلوا، وقال أحدهم له: لا تستنى أى بوليس، محاضر وعطلة والولد ‏قاصر!‏

روى حكايته بصوت تختلط به دموع محبوسة قهرًا ثم سألنى مباشرة: كيف يتركون هذا ‏الوباء حرًا بلا قواعد يفعل بنا ما يريد؟!‏

هدّأنا من خاطره وغادرنا المقهى، لكن سؤال قفز إلى عقلى: ما الذى يمكن أن تفعله الحكومة ‏بعد التجديد والتعديل فى مثل هذه القضايا؟

هذه واحدة من قضايا أشمل، وأتصور أن مهمة الحكومة صعبة، لكنها ليست مستحيلة، ولها ‏جانب عاجل وهو تخفيف معاناة الناس فى حياتهم اليومية كما ورد فى التكليف المباشر لها ‏من رئيس الجمهورية: الأمن ورغيف العيش والعلاج وتحسين المعاشات ومواجهة الأسعار ‏الملتهبة ونظافة الشوارع وضبط المرور.. إلخ، مهمة يصعب النجاح فيها بأفكار تقليدية، إنها ‏تحتاج إلى عمل جاد ودؤوب وابتكار، وليس مجرد تأدية الواجب اليومى الروتينى.. بالطبع لن ‏تحل هذه المشكلات لا فى شهرين ولا ثلاثة، لكن يجب أن تظهر للحكومة علامات وبصمات ‏على حياة الناس تمنحهم أملاً فى حلول لمشكلاتهم وليس مجرد الجرى خلفها، حتى يثقوا أن ‏الحكومة بعد التعديل الوزارى أكثر كفاءة، وإلاّ: ما فائدة التعديل؟

شىء جميل أن تبدأ الحكومة عملها بحزمة المساعدات النقدية لـ15 مليون أسرة والتى طلبها ‏الرئيس، لكن الأجمل أن تضع خطة متكاملة لتحسين مستوى معيشة الناس بطريقة محسوسة ‏خلال ثلاث أو أربع سنوات، دون أن تقول لها أرقامًا وإحصاءات اقتصادية ومالية عن ‏التضخم والإنفاق ومعدل الاستثمار.. إلخ، فالناس لا تفهم مغزى هذه الأرقام ولا تصدقها طالما ‏لا تشعر بها فى لقمة العيش وحَبّة الدواء وتعليم الأولاد وكل أوجه المعيشة.‏

والسؤال الأهم: هل يمكن للحكومة أن تكلف مجموعة من الخبراء الكبار فى الاقتصاد ‏والسياسية والقانون والتعليم والصحة والثقافة، أن يضعوا خريطة شاملة لاستكمال بناء ‏الجمهورية الجديدة على قواعد قوية من العمل والعدل وحقوق الإنسان، وتكافؤ الفرص بلا ‏امتيازات أو استثناءات فى كل أنشطة المجتمع، خطة تصنع طفرة حضارية غير مسبوقة.‏

أتصور أن المصريين فى حاجة إلى نظام عام جديد، على غرار ما صنعته اليابان وكوريا ‏الجنوبية وسنغافورة والصين، لا يعنى أن ننسخ نظامًا منهم، لكن نستلهم بعض الأفكار ‏والمبادئ من دول كانت فقيرة، أن نستوعب فلسفة التقدم والنهضة فى وضع نظامنا الخاص.‏

‏والنظام العام هو أداة لإدارة الموارد والبشر، مجموعة القوانين والقواعد والإجراءات ‏والأساليب والتقاليد التى يعمل بها الناس فى كل مناحى الحياة، من أول كنس الشارع إلى شغل ‏وظيفة مرموقة، نظام عام قادر على إبراز أفضل الإمكانات من كل مصرى قادر على العمل؛ ‏ليؤدى دوره بكفاءة وإتقان وجدية وانضباط، نظام يدير مواردهم العامة بحِرفية تحقق أكبرَ ‏عائد ممكن منها، ويتيح لهم إحداث تنمية شاملة مستدامة تتراكم فيها القدرات، وترتفع جودة ‏الحياة، وبالتالى ترتقى سلوكياتهم وتصرفاتهم العامة والخاصة.‏

‏هذا ممكن، وشروطه صعبة لكنها عملية ضرورية، لو أنجزت تشق لمصر طريقًا إلى قلب ‏عصرها؛ لتصطف بين دول العالم الأول.‏

 

2

كل فترة يتحفنا هواة أيام الزمن القديم بالبكاء على الأطلال، كما لو كانت مصر قبل ثورة ‏‏1952 جنة ومَجدًا وحرية ورخاءً وعدالة، ولم يكن ينقص أهلها إلاّ أن يصعدوا إلى القمر ‏هربًا من الزّهق وفرط الترف!‏

الرّد سهل بالأدلة الدامغة والوثائق التى كتبها أهل زمان.. وسوف أختار منهم الرائع توفيق ‏الحكيم، وقد روى الكثير من وقائع شاهدها فى ثلاثينيات القرن العشرين، حين شغل منصب ‏وكيل النائب العام فى محافظات الدلتا قبل أن يتفرغ للفن والأدب.

كتب الحكيم فى كتابه «عدالة وفن»: ضغطت على زر الجرس، فظهر الحاجب، وسألته: هل ‏وصلت قضايا التلبس؟، ذهب ثم عاد يخبرنى أنها وصلت للتو، فطلبت المتهم المقبوض عليه ‏فى قضية تبديد، فدخل وهو يرتدى الخيش ومُقيد بالحديد، وهو متهم بتبديد خمسة آلاف جنيه ‏تسلمها من «.....» باشا، بصفته وكيل دائرته لينفقها فى أعمال الزراعة وأجور الأنفار، ‏والتفت إلى المتهم أسأله، فبادرنى شاكيًا: المركز أهاننى إهانات بالغة يا سعادة البيه الوكيل..‏

ـ ضربوك؟

ـ ضربونى..‏

قالها الرجل وهو يمسح دموعه.. ‏

انبرَى له ثلاثة محامين فطاحل ممثلين عن الباشا قائلين: كذاب.. فيه إصابات؟

-لا.. ضرب إهانة.. لأجل خاطر الباشا.. وأنا عمرى ما حد أهاننى، ولا وقفت فى مركز.‏

لم أرَ من المُجدى أو النافع فتح باب التحقيق فى الإهانة أو الضرب؛ لأن هذا فى العادة لا ‏يؤدى إلى نتيجة، ما دام الضربُ لم يثبت بإصابات ظاهرة، والبوليس خير من يعرف ذلك، وله ‏طريقة فيما يسمى الضرب «الكتيمى»، وأصبح من المتعارف عليه أن هذا يحدث، وأصبح ‏من حقوق البوليس، ما دام يتم فى الحدود التى تكفل السرية التامة، ولقد قلت ذات مرّة لمأمور ‏بوليس وأنا أمزح: سيأتى يوم يحدث فيه تحقيق بواسطة آلات تسجيل الصوت، وعندئذ ‏تستطيع النيابة أن تعرف ما الذى قيل وحدث بالضبط وقت التحقيق، فقال المأمور الظريف ‏على الفور وبكل صراحة: يا خبر.. ونضرب المتهمين إزاى؟!‏

على فكرة؛ لم يكن المتهم وكيلاً للدائرة عند الباشا؛ بل كان مُرابيًا له، وسقطت منه النقود وهو ‏يتوضأ على حَرف ترعة، ولم يثبت المركز أقواله فى المحضر الرسمى، وهدّد المأمور ‏شهودَ العيان الذين كانوا يقترضون المال سنويًا، بأن ينكروا علاقتهم به.‏

بالطبع دخل الرجل السجن وبيعت أرضه وداره لمصلحة الباشا. المرابى الكبير..

هذا بعض ما كتبه الحكيم فى أوائل الثلاثينيات من القرن الماضى، بعد ثورة 1919 بعشر ‏سنوات، ودستور 1923 بسبع سنوات.