100 عام من خطابات المصريين إلى أضرحة أولياء الله
رسائل إلى السماء
رشدى الدقن
فى قلب القاهرة؛ حيث تتجاور مزارات آل البيت مع أصوات الباعة وخطوات الزائرين، لا تزال هناك ظاهرة صامتة تتكرّر يوميًا منذ أكثر من قرن.. رسائل مكتوبة بخط اليد، تُلقَى فى أضرحة أولياء االله الصالحين. رسائل شكوى، واستغاثة، وطلبات شفاء، وحنين، وفضفضة طويلة لا يجد أصحابُها مَن يصغى إليها فى عالم الأحياء.
من ضريح الإمام الشافعى إلى مقامات السيدة زينب والسيدة نفيسة وسيدنا الحسين، تتواصل هذه العادة جيلاً بَعد جيل، رغم التحولات الاجتماعية، وتبدُّل الخطاب الدينى، وصعود الدولة الحديثة بمؤسّساتها القضائية والطبية والاجتماعية.
علاقة المصريين بمساجد الأولياء دائمًا ما كانت ذات خصوصية سواء فى الحرص على زيارتهم فى الأفراح والأحزان أو الوفاء بالنذور وإطعام المحتاجين فى رحاب الضريح، أو من حيث الاحتفاء بهم والاحتفال لمناسبات مولدهم فى ما يطلق عليه المصريون «المولد»، وهو تظاهرة ضخمة تشهد توافد آلاف البَشر من محبى صاحب الضريح من جميع أنحاء البلاد للاحتفال به فى مشهد دينى شعبى اجتماعى بطابع مَحلى ونكهة مصرية لا توجد فى أى مكان آخر.
على سبيل المثال فى باحة مسجد الإمام الشافعى، تتكدس أوراق مطوية بعناية. بعضها فى أظرف بريدية تحمل طوابع حديثة، وبعضها أوراق مَدرسية ممزقة الأطراف. يضعها الزائرون فى شقوق المقام، أو يتركونها فى صندوق خشبى قريب، أو يسلمونها لخادم المسجد.
بحسب روايات خدم سابقين للمقام ومهتمين بتاريخ المنطقة، كان يصل إلى الضريح فى فترات سابقة ما يقارب مئة رسالة يوميًا. بعضها يُجمع ويُحفظ لفترة، وبعضها كان يُحرق بعد تكدسه، فى دورة صامتة من البوح والاختفاء.
الرسائل تتنوع ما بين زوج يشكو خلافًا زوجيًا ويطلب «الوساطة».. عامل يطالب برد حق ضائع.. أمّ ترجُو شفاء طفلها.. طالب ينتظر نتيجة امتحان.. شاب يبحث عن وظيفة.. شابة تبحث عن عريس.
اللغة تتباين أيضًا. فهناك مَن يكتب بصيغة قانونية رسمية: تبدأ بـ«حضرة صاحب الفضيلة الإمام.. أرفع لسيادتكم دعواى ضد...»، وهناك من يكتب ببساطة شديدة.. «يا مولانا، أنا تعبت، ومفيش حد سامعنى».
اللافت أن الرسالة لا تُكتب بوصفها عملاً رمزيًا فقط؛ بل كأنها عريضة حقيقية تُرفع إلى قاضٍ أعلى من قضاة الأرض.
لم تبقَ الظاهرة حبيسة مقام واحد.. ففى حى السيدة زينب، داخل مسجد السيدة زينب، يترك البعض أوراقًا مطوية بين أركان المقام.. ورغم عملية التطوير فإن كثيرين يتحايلون لإسقاط شكواهم ما بين الحديد المحيط بالضريح والضريح نفسه.. وفى مسجد السيدة نفيسة، تحكى زائرات عن «رسائل النذر» التى تُكتب وتُترَك طلبًا للشفاء أو تفريج الكرب.. أمّا فى مسجد الإمام الحسين؛ فتأخذ الممارسة طابعًا وجدانيًا خاصًا، مرتبطًا بمكانة «الحسين» فى الخيال الشعبى المصرى.
هذه المقامات ليست مجرد مَعالم معمارية؛ بل محطات روحية متجذرة فى الوجدان العام. زيارة الضريح هنا ليست فعلاً سياحيًا؛ بل طقسًا شعوريًا يتداخل فيه التاريخ بالدين، والموروث بالاحتياج الشخصى.
الوثائق الصحفية المصرية فى بدايات القرن العشرين تشير إلى أن ظاهرة الرسائل إلى الأضرحة كانت قائمة بالفعل؛ خصوصًا فى مقام الإمام الشافعى.. بعض الكُتّاب آنذاك تناولوا الأمر بنبرة نقدية، معتبرين أن الناس يرسلون شكاواهم إلى «قاضٍ غائب» بعدما عجزت مؤسّسات الدولة عن إنصافهم.. وكثير من الباحثين أصدروا كتبًا قيمة عن الظاهرة، منها كتاب للباحث سيد عويس وفيه يرصد 160 رسالة للإمام الشافعى تطلب الشفاعة فى قضاء الحوائج ورفع الظلم.
استمرار الظاهرة عبر مئة عام يكشف أنها ليست حادثة عابرة؛ بل ممارسة راسخة.. فحتى مع تطور المحاكم، وازدياد عدد المستشفيات، وانتشار التعليم؛ لم تختفِ الرسائل؛ بل تغيرت موضوعاتها أحيانًا: من نزاعات الأراضى فى الريف إلى مشكلات العمل والهجرة والديون فى المدينة.. هذا الامتداد الزمنى يشير إلى أن المسألة ليست جهلاً بقدر ما هى احتياج نفسى وثقافى متكرّر.
ويرى متخصّصون فى علم النفس الاجتماعى أن كتابة الرسالة فى حد ذاتها فعل علاجى.. عندما يدوّن الإنسان شكواه؛ فإنه يُفرّغ شحنة القلق داخله.. وعندما يوجّهها إلى رمز روحى يحظى بالاحترام؛ فإنه يشعر بأن شكواه لم تعد حبيسة صدره.
هذا ما يفسر لماذا لا يهتم بعض المرسلين بما يحدث للرسالة بعد ذلك.. يكفى أنها كُتبت، ووضعت فى مكان «مقدّس»؛ لتمنح صاحبها شعورًا بالطمأنينة.
فى هذا السياق؛ لا تكون الرسالة طلبًا ماديًا بقدر ما تكون محاولة لإعادة ترتيب الفوضى الداخلية لمن يمر بأزمة.. وعلينا أن ننتبه؛ ففى الخيال الشعبى، يُنظر إلى بعض الأولياء بوصفهم «أعدل القضاة». الإمام الشافعى تحديدًا يَحضر فى الوعى الجمعى باعتباره فقيهًا عادلاً لا يخدعه الظالمون.
وعندما يشعر الإنسان أن قضيته لم تُنصَف فى المحكمة، أو أن ظروفه تتجاوز قدرته على المواجهة؛ فإنه يلجأ إلى سُلطة معنوية أعلى.. الرسالة هنا تصبح تعويضًا عن عجز مؤسّسات العدالة أو بطئها أو كلفتها.
والحقيقة أن بعض الرسائل التى اطّلع عليها باحثون فى فترات سابقة كانت تُكتب بصيغة دعوَى حقيقية، مرفقة بتفاصيل الأسماء والعناوين، وكأن صاحبها ينتظر حكمًا يصدر فى الغيب.
الظاهرة لا تخلو من جدل. فعدد من علماء الدين فى الأزهر وغيرهم يؤكدون أن الدعاء يكون لله وحده، وأن زيارة القبور مشروعة للتذكر والدعاء للميت؛ لا لطلب الحاجات منه.. فى المقابل؛ يرى المدافعون عن الممارسة أنها تعبير عن محبة أهل البيت والصالحين، وأن الرسائل ليست عبادة للقبور؛ بل وسيلة رمزية للرجاء.. الجدل مستمر، لكن الواقع يكشف أن الممارسة قائمة، وإن اختلفت دوافعها وحدودها.
يبقى أن نشير إلى أن كل ظاهرة شعبية، ظهر معها عبر العقود مَن استغلوا حاجة الناس.. ففى فترات سابقة، تحدّثت شهادات عن أشخاص ينتظرون الزائرات عند أبواب بعض المقامات، يعرضون كتابة الرسائل «بالصيغة الشرعية»، مقابل مبالغ مالية متكررة.
كانت المرأة البسيطة قد تدفع ما يفوق رسوم دعوى حقيقية، ظنًا أن الرسالة المكتوبة بطريقة خاصة ستصل «قبل غيرها» إلى الضريح.. هذا الجانب المظلم يكشف هشاشة بعض الفئات، ويطرح سؤالاً عن مسئولية الجهات المعنية فى التوعية ومنع الاستغلال، دون مصادرة الشعور الدينى نفسه.
إذا كان هذا قديمًا فماذا عن الآن؟.. فى زمن وسائل التواصل الاجتماعى؛ لم تختفِ الرسائل، لكنها ربما تغيرت شكلاً.. بعض الزائرين يلتقط صورة للضريح ويرفقها بدعاء منشور على صفحته الشخصية. آخرون يكتبون رسائل إلكترونية يطبعونها لاحقًا ويضعونها فى المقام.
التكنولوجيا لم تُلغِ الحاجة؛ بل أعادت تشكيلها. فالإنسان لا يزال يبحث عن مخاطَب يسمعه، سواء كان ضريحًا حجريًا أو شاشة مضيئة.
ويبقى السؤال.. لماذا تستمر الظاهرة.. بعد مئة عام من التغيرات السياسية والاجتماعية، ما الذى يبقى هذه العادة حيّة؟
والإجابة وفقًا لباحثين متخصّصين: لا تخرج عن.. رسوخ المقامات فى الوجدان المصرى، فهى جزء من الهوية الثقافية.. وأن الاحتياج النفسى للبوح: الرسالة فعل تفريغ.. والإحساس بالوساطة الرمزية: مخاطبة رمز عادل تمنح شعورًا بالإنصاف.. استمرار الأزمات الفردية: الفقر، المرض، النزاعات.. كلها وقود دائم للرجاء.
اللافت أن الظاهرة لا تقتصر على فئة اجتماعية بعينها.. صحيح أن البسطاء يشكلون النسبة الأكبر، لكنّ ثمة متعلمين أيضًا يكتبون رسائلهم بصياغات أدبية رقيقة، تجمع بين التوقير والشكوى.
فى ضريح الإمام الشافعى، كانت هناك- وفق روايات قديمة- سفينة خشبية على قمة القبة، يُوضَع فيها القمح لإطعام الطيور طوال العام. كانت الطيور تحوم حول الضريح، فتملأ المكان حركة وصوتًا.. عندما توقفت العادة، ساد الصمت، وبقيت السفينة كأنها حطام.. هذا المشهد يصلح استعارة للظاهرة كلها.. الرسائل لا تزال تصل، لكن العالم حولها تغيّر.. الطيور غابت، والمدينة تبدلت، غير أن الحاجة إلى الأمل لم تختفِ.
هل تُقرأ هذه الرسائل فعلاً؟.. سؤال يتردد كثيرًا. لكن ربما الأهم ليس الإجابة؛ بل ما يحدث للمرسل بعد أن يكتبها.. فى اللحظة التى يطوى فيها الورقة ويضعها فى المقام، يشعر أن ثقلاً انزاح عن صدره.. أنه لم يعد وحيدًا تمامًا... أن شكواه صارت «مرفوعة».. وهنا يكمن جوهر الظاهرة.. ليست الرسالة فعلاً موجّهًا إلى ميت؛ بل فعل موجّه إلى الذات، يعيد إليها بعض التوازن.
الخلاصة: على مدى مئة عام وأكثر، ظل المصريون يكتبون رسائل إلى أولياء الله الصالحين. تبدلت الأزمنة، وتغيّرت الأنظمة، وتطورت وسائل التقاضى والعلاج، لكن الورقة الصغيرة لا تزال تجد طريقها إلى الضريح.. قد يراها البعض وهْمًا، وقد يراها آخرون تعبيرًا عن محبة واعتقاد، لكنها فى كل الأحوال شهادة حية على علاقة خاصة بين المصريين وآل البيت.. علاقة تمتزج فيها العدالة المتخيلة بالأمل، والتاريخ بالوجدان، واليأس برجاء لا ينطفئ.
فى النهاية؛ ليست المسألة فى ما إذا كانت الرسائل تصل إلى السماء؛ بل فى أن أصحابها يجدون، ولو للحظة، شعورًا بأن السماء أقرب.







