رهانات جديدة بعد رحيل إكسون موبيل
الغاز المصرى
سمر العربى
يشهد قطاع الطاقة فى مصر حالة من الحراك الاستراتيجى المكثف؛ حيث تعيد الشركات العالمية رسم خارطة استثماراتها فى مياه البحر المتوسط. فبينما تتجه الأنظار نحو انسحاب «إكسون موبيل» و«قطر للطاقة» من منطقة «شمال مراقيا»، تبرز فرص جديدة لشركات أخرى لتعظيم الاستفادة من الاكتشافات القائمة، فى وقت تسعى فيه الحكومة المصرية لتحويل التحديات إلى حوافز لزيادة الإنتاج المحلى.
عقد المهندس كريم بدوى، وزير البترول والثروة المعدنية، اجتماعًا مع عدد من مسئولى شركات البترول العالمية فى مصر، وذلك لبحث وضع آلية لتطوير تكنولوجيا الحفر وتنمية الحقول وفقًا لأحدث التكنولوجيات العالمية بما يسهم فى تنفيذ الخطة الخمسية لمضاعفة الإنتاج المحلى للزيت الخام فى ظل التراجع الكبير فى إنتاج الغاز والبترول
وأكد الوزير أن الشركات العالمية العاملة فى صناعة البترول لديها تاريخ كبير من الإنجازات التى أدت إلى زيادة إنتاج البترول خلال العقود الماضية، مشيرًا إلى أن مصر تجاوزت مرحلة هبوط مؤشر إنتاج الزيت الخام والغاز الطبيعى، ووصلت إلى مرحلة الاستقرار فى الإنتاج، وذلك نتيجة تطبيق المحفزات لزيادة معدلات الإنتاج.
وأوضح الوزير أن تسديد مستحقات الشركاء الأجانب تم وفق الخطة التى نفذتها الوزارة، مؤكدًا أن التعاون مع الشركاء الأجانب يجب أن ينتقل إلى مرحلة أخرى متقدمة للعمل على زيادة الإنتاج بشكل مضطرد.
وأشار الوزير إلى أن هدف الوزارة الاستراتيجى فى الوقت الراهن هو مضاعفة الإنتاج خلال السنوات الخمسة المقبلة من خلال التعاون مع الشركاء الأجانب، عبر زيادة أعمال الحفر، وفقًا لأحدث التكنولوجيات العالمية فى مجال الحفر، وبشكل خاص الحفر الأفقى، مؤكدًا فى السياق ذاته على أهمية ضخ الشركاء الأجانب استثمارات فى البحث والتطوير فى أساليب الحفر الجديدة، بما يتناسب مع صناعة البترول المصرية.
ووجه الوزير بوضع آلية تعاقدية وفنية بين الهيئة المصرية العامة للبترول من جانب، والشركاء الأجانب من جانب آخر، من خلال الاتفاق على نماذج للتعاقد ونماذج لتنفيذ الأعمال الفنية فى الحقول، بهدف تطوير الأعمال وزيادة الإنتاج.
>تخارج إكسون موبيل
شهد اكتشاف الغاز فى مصر تطورًا لافتًا خلال الآونة الأخيرة، بعد قرار من شركتى إكسون موبيل الأمريكية وقطر للطاقة بالتخارج من امتياز «شمال مراقيا» البحرى فى غرب البحر الأبيض المتوسط، حسب ما ذكرته نشرة «ميس» الاقتصادية الصادرة من قبرص.
أعاد القرار الذى انتهى بعودة كامل مساحة الامتياز إلى الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس)- طرح تساؤلات حول جدوى الاكتشافات متوسطة الحجم بالنسبة لشركات الطاقة العملاقة، مقابل فرص استثمارية قد تكون أكثر جاذبية لشركات تمتلك بنية تحتية قريبة، مثل شركة النفط البريطانية «بى بي» وشركة شل العالمية.
وأعلنت إكسون موبيل فى يناير2025 - وفق قاعدة بيانات منصة الطاقة- تحقيق اكتشاف غاز فى مصر بعد اكتمال حفر بئر «نفرتاري-1» فى منطقة شمال مراقيا، لتكون أول بئر بحرية تُحفر فى المياه العميقة بغرب البحر المتوسط.
ووفق التقديرات الأولية بعد الحفر، تراوحت احتياطيات الغاز فى اكتشاف مراقيا بين 3 و4 تريليونات قدم مكعبة، وهى كميات تُعدّ مهمة على مستوى السوق المصرية، لكنها تقل عن الحدّ التجارى الداخلى الذى تعتمد عليه إكسون موبيل لتطوير مشروع مستقل فى المياه العميقة.
وحسب مصادر مطلعة لمنصة طاقة فإن هذا الانسحاب (غير الرسمى حتى الآن) يمثل فرصة لمصر فى الاستفادة من حصة أكبر، عبر تطويره من خلال شركة إيجاس الحكومية، أو طرح حصة أقل لصالح شركاء آخرين أكثر جدية.
تقع منطقة اكتشاف شمال مراقيا على مساحة تُقدَّر بنحو 4847 كيلومترًا مربعًا، فى منطقة غير مستكشفة بشكل كافٍ، ما جعلها محور اهتمام واسع منذ إسناد الامتياز إلى إكسون موبيل عام 2019، قبل دخول قطر للطاقة شريكا بحصّة %40 فى عام 2022.
ورغم النجاح الفنى لبئر نفرتاري-1، قررت إكسون موبيل عدم الدخول فى المرحلة الثانية من الاستكشاف، وهى المرحلة التى كانت ستُلزم الشركاء باتخاذ قرار تطوير الحقل، بما يتطلب استثمارات ضخمة فى البنية التحتية والإنتاج، بحسب ما ذكرت نشرة «ميس» الصادرة من قبرص.
سعت إكسون موبيل خلال عام 2025 إلى بيع حصتها فى امتياز شمال مراقيا إلّا أنها لم تتمكن من جذب مشترين، فى ظل تقييمات اقتصادية ترى أن المشروع لا يتناسب مع محفظة أعمال إكسون العالمية التى تركّز على اكتشافات عملاقة تتجاوز 4 تريليونات قدم مكعبة من الغاز.
وينظر إلى خطوة إكسون موبيل بأنها عملية، إذ لا تمتلك الشركة الأمريكية أيّ بنية إنتاجية قريبة من المنطقة، ما يرفع تكاليف التطوير مقارنة بشركات أخرى تعمل بالفعل فى غرب دلتا النيل مثل بى بى وشل.
وشمل قرار التخارج أيضًا شركة قطر للطاقة، التى تمتلك حصة %40 من الامتياز، فى خطوة تُفسَّر بأنها تخارج تكتيكى، وليست تراجعًا عن السوق المصرية.
وتحتفظ قطر للطاقة بمحفظة واسعة من الامتيازات البحرية فى مصر، تشمل مناطق شمال رفح، وشمال كليوباترا، وشمال الضبعة، إضافة إلى امتيازَى القاهرة ومصرى بالشراكة مع إكسون موبيل، إلى جانب امتيازات فى البحر الأحمر.
وتبرز شركتا بى بى وشل على رأس قائمة المرشحين للاستحواذ على المنطقة، فى ظل امتلاكهما بنية تحتية غير مستغلة بالكامل، وقدرات إنتاجية فائضة فى مناطق قريبة نسبيًا، مثل غرب دلتا النيل وغرب الدلتا العميق.
وتشير تقديرات إلى أن قرب الامتياز من منشآت بى بى وشل قد يخفض تكاليف التطوير بشكل كبير، ما يجعل احتياطيات نفرتارى أكثر جاذبية اقتصاديًا مقارنة بما كانت عليه بالنسبة لإكسون موبيل.
ويمثل استرداد الامتياز فرصة لإعادة توظيفه مع شركاء أكثر توافقًا مع طبيعة الاكتشاف، خاصةً فى ظل الحاجة إلى تسريع تنمية الحقول المتوسطة لتعزيز الإنتاج المحلى، وتقليص فاتورة الاستيراد.
ورغم التخارج من شمال مراقيا، لا تزال إكسون موبيل تنظر إلى مصر بوصفها سوقا استراتيجية، إذ تخطط الشركة لبدء عمليات حفر جديدة فى امتيازَى القاهرة ومصرى خلال عامى 2026 و2027، بعد تنفيذ مسح زلزالى ثلاثى الأبعاد بطول 10 آلاف كيلومتر خلال عامى 2023 و2024.
>شيفرون تعزز أصولها
من جانب آخر عززت شركة شيفرون قاعدة أصولها فى قطاع الغاز فى شرق المتوسط. وتتطلع الشركة الأمريكية العملاقة إلى زيادة إنتاجها بنسبة 25% بحلول نهاية العقد، ولكن رغم امتلاكها أصولًا فى قبرص ومصر، فإن المكاسب المتوقعة ستأتى جميعها من إسرائيل.
وضعت شيفرون طموحاتها فى شرق المتوسط فى صدارة اهتماماتها خلال مكالمة الأرباح للربع الرابع من العام الماضى، حيث توقعت قيادتها عامًا مزدهرًا للمنطقة.
وقال الرئيس التنفيذى مايك ويرث للمستثمرين خلال مكالمة الأرباح للربع الرابع من العام فى 30 يناير: «ما زلنا متحمسين للغاية للإمكانيات الهائلة للموارد فى شرق المتوسط». وأضاف أن «أصول شيفرون المتميزة فى شرق المتوسط تواصل نموها، ونحن نعمل على تطوير العديد من المشاريع ذات العائد المرتفع لتوفير موارد غاز عالمية المستوى للأسواق الإقليمي
وتشغّل شركة شيفرون حقل ليفياثان بحصة تبلغ %39.66 نيابةً عن شركة نيوميد إنرجى (NewMed Energy) التى تمتلك %45.34 من أسهمها، وشركة ريشيو إنيرجيز (Ratio Energies) بحصة تبلغ %15.
وإذا كان العقد يتعلّق بمشروع حقل أفروديت القبرصى، فإن مصر أيضًا هى المستفيد الأبرز من تسريع التطوير، إذ سينتقل الغاز إلى الإسالة فى مرافق المعالجة المصرية، ثم التصدير إلى أوروبا، كما أن القاهرة ستحصل على حصة للسوق المحلية.
>سداد المستحقات الأجنبية
سددت مصر أكثر من 4 مليارات دولار من المتأخرات لمنتجى النفط والغاز خلال العامين الماضيين. فهل سيكون هذا كافيًا لتحفيز زيادة عمليات الحفر والاكتشافات المحتملة اللازمة لتعزيز إنتاج النفط والغاز؟
أعلن رئيس الوزراء المصرى مصطفى مدبولى فى 21 يناير أن مصر تخطط لخفض مستحقاتها المتأخرة لمنتجى النفط والغاز إلى 1.2 مليار دولار بحلول نهاية يونيو.وهذا يعنى أن مصر ستكون قد سددت ما يقرب من 5 مليارات دولار خلال العامين الماضيين، حيث بلغت المستحقات ذروتها عند 6.1 مليار دولار فى منتصف عام 2024.
لم يقدم رئيس الوزراء رقمًا محدثًا للمستحقات، لكن التحديثات الواردة من شركات النفط العالمية تشير إلى أنها2.25 مليار دولار.







