الأحد 1 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

أول كاتبة أطفال مصرية تتحدى الشلل الدماغى وتكتب لذوى الهمم

«حكايات أبلة أمينة»

ليست كل الإعاقات مرئية، وليست كل المعارك تُخاض بالصوت العالى؛ فبعض الحكايات تبدأ فى صمت، وتكبر وسط الألم، ثم تتحول مع الوقت إلى نور يضىء طريق الآخرين.



أمينة عبدالرحمن واحدة من هؤلاء الذين لم يختاروا معركتهم، لكنها اختارت كيف تخوضها؛ ولدت مصابة بشلل دماغى، ذلك المرض الذى يُصيب الإنسان غالبًا بسبب نقص الأكسجين أثناء الولادة، وقد يترك أثره على الحركة أو النطق، وتتفاوت حدته من شخص لآخر؛ فبينما يحتاج بعض المصابين إلى كرسى متحرك، يتمكن آخرون من المشى أو الحديث بدرجات متفاوتة من الصعوبة، لكن الحقيقة الأهم والتى يغفلها كثيرون، أن الشلل الدماغى لا يمس القدرة العقلية أو مستوى الذكاء.

 العمدة

وسط هذه المساحة المليئة بالتحدى، أمينة كاتبة قصص أطفال فى الثلاثين من عمرها؛ تشتهر فى مجال عملها باسم «أمينة العمدة»، لم تكن رحلتها سهلة، لكنها استطاعت أن تحوّل ما عاشته من ألم وتحديات إلى مشروع إبداعى موجه للأطفال من ذوى الهمم، لتمنحهم ما كانت تفتقده فى طفولتها؛ أن يروا أنفسهم أبطالًا فى الحكايات.

تخرجت أمينة فى معهد الخدمة الاجتماعية عام 2013، وتواصل دراستها حاليًا بكلية الإعلام، كما حصلت عام 2018 على دبلومة الفئات الخاصة، التى شكّلت نقطة تحول فارقة فى مسيرتها، ليس على المستوى الأكاديمى فحسب، بل على مستوى الوعى بالذات والآخر. 

ومن هنا، وُلدت مجموعتها القصصية «حكايات أبلة أمينة»، التى لم تكتبها من خيال بعيد، بل من قلب تجربة عاشت تفاصيلها يومًا بيوم.

 إصرار مبكر

منذ طفولتها، واجهت أمينة صعوبات كبيرة فى مسارها التعليمى بسبب إصرارها على الالتحاق بالتعليم العادى، ورفضها لنظام الدمج التعليمى، إيمانًا منها بأنها لا تقل ذكاءً عن أقرانها. 

التحقت بمدارس حكومية عادية، إذ واجهت قسوة بعض المعلمين وتنمر الأطفال، دون مراعاة لوضعها الصحى؛ واستمر هذا الإصرار حتى المرحلة الثانوية، حين رفضت الالتحاق بالامتحانات الخاصة، وخاضت تجربة الثانوية العامة مثل أى طالب آخر، إلا أن ضعف أطراف يديها وبطء الكتابة شكّلا عائقًا حقيقيًا، فكانت تحتاج إلى مساعدة أثناء الامتحانات، وكانت دموعها تسبقها إلى ورقة الإجابة؛ وبعد هذه التجربة القاسية، التحقت بمعهد الخدمة الاجتماعية.

 تجربة الكتابة

وتقول أمينة أن رحلتها مع الكتابة جاءت بعد سنوات من الألم والتجارب الصعبة، فمنذ طفولتها اعتدت على الذهاب لجلسات العلاج الطبيعى، لكن خلال دراستى الجامعية نصحنى أحدهم بزيارة طبيب مخ وأعصاب، وهو القرار الذى غيّر حياتى بالكامل.

وبعد هذا القرار قضيت سبع سنوات كاملة طريحة الفراش، كانت الأدوية تسلبنى روحى ببطء، حتى شعرت أننى أعيش موتًا تدريجيًا على الفراش، وعندما رأيت من حولى من ذوى الهمم ينجحون ويبدعون، فقررت المقاومة.

وفى عام 2017، اتخذت قرارًا حاسمًا بالتوقف عن الأدوية التى سببت لها أعراضًا إدمانية، وبدأت مرحلة جديدة من التعافى وبعدها بعام، صادفت إعلان فى جامعتى عن دبلومة الفئات الخاصة فالتحقت بها، وفتحت لها أفقًا جديدًا للفهم والكتابة.

 وخلال فترة دراستها؛ أوصاها أحد الأساتذة بدراسة دبلومة للفئات الخاصة لكونها واحدة منهم، فأجبته: أننى أشعر بهم وبعد انتهاء هذه المرحلة، بدأت فى كتابة مجموعتى القصصية الأولى.

 التجربة الثانية

وأفصحت أمينة عن أن هذه التجربة ليست الأولى، لكنها بالتأكيد الأكثر نضجًا، مشيرة إلى أن رحلتها الأولى مع الكتابة بدأت فور انتهائى من دبلومة الفئات الخاصة، وكنت وقتها أكتب بدافع الحماس والرغبة فى أن أُظهر قصص ذوى الهمم للعالم وتحديدًا بطلات من ذوى الإعاقة وتناولت طموحاتها وأحلامها.

وتابعت قائلة: «لكنها كانت التجربة الأصعب، لأننى تحملت تكاليف النشر والطباعة بالكامل على نفقتى الخاصة، وهو ما شكّل عبئًا ماديًا ونفسيًا كبيرًا، لكن هذه المرة أكتب وأنا أكثر وعيًا بنفسى وبما أريده فعلًا، لم أكن فى عجلة من أمرى، ولم يكن هدفى مجرد إصدار كتاب جديد، بل كنت أكتب لأترك أثرًا حقيقيًا لدى القارئ، وخصوصًا الطفل».

 المجموعة الجديدة

بينت أمينة أن مجموعة «حكايات أبلة أمينة» تتكون من 15 قصة موجهة للأطفال من ذوى الهمم، من بينها ثلاث قصص حقيقية بالكامل؛ حرصت هذه المرة على أن تحتوى المجموعة على قصص واقعية، حتى يدرك الأطفال أن هناك نماذج حقيقية لأشخاص عاشوا تجارب مشابهة لتجاربهم، واستطاعوا تجاوزها والنجاة منها.

وقالت إن الاختلاف الأهم فى هذه المجموعة، أننى لا أكتب من خيال بعيد، بل من تجارب عشتها بنفسى، أو رأيتها عن قرب، كل قصة تحمل جزءًا من الواقع، لكننى قدمتها للطفل بأسلوب يسمح له بأن يشارك بخياله، وأن يشعر أن الحكاية يمكن أن تكون حكايته هو.

 ذوى الهمم

ألمحت أمينة إلى أنها شرعت فى كتابة هذه القصص لأنها كانت تفتقد هذا النوع من القصص فى طفولتها؛ موضحة أن الطفل يحتاج أن يرى من يشبهه داخل الحكاية، وأن يشعر أن ما يقرأه ليس بعيدًا عنه أو يستحيل الوصول إليه.

وكنت أريد أن أوصّل للطفل فكرة أن النجاح ليس حكاية خيالية، وأن الأحلام الكبيرة يمكن أن تبدأ من تفاصيل بسيطة جدًا، لذلك حرصت على أن تكون الحكايات قريبة من قلب الطفل، وتزرع داخله الأمل والقدرة على الحلم.

 التحديات

قالت إن التحدى الأكبر هو الاستمرار نفسه؛ والأصعب أن أُكمل ما بدأته، خاصة فى فترات الخوف والضغط النفسى، وتحديدًا بعد وفاة والدتى، التى كانت الداعم الأول لى فى كل خطوة، أما التحدى الثانى فكان النشر، خصوصًا بعد تجربتى الأولى التى حملتنى أعباء مادية كبيرة، وجعلتنى فى لحظات أشعر أن حلمى قد يتوقف تمامًا.

 وإيمانى بالفكرة كان الدافع الأول للاستمرار فى الكتابة، إلى جانب دعم أستاذى الدكتور محمد وهدان، الذى كان دائمًا يؤكد لى أن الأطفال من ذوى الهمم يحتاجون إلى رؤية نماذج تشبههم فى القصص.

وبعد الانتهاء من مجموعتى القصصية الثانية، نشرت منشور على الفيس بوك طلبت فيه الدعم من المؤسسات المهتمة بنشر قصص الأطفال، وتبنّت الهيئة العامة للكتاب نشر العمل، وهو أمر أعتز به كثيرًا، أشكر هذه المؤسسة من قلبى على دعمها الحقيقى للمبدعين، وعلى إيمانها بحلمى، ومنحى فرصة حقيقية دون أعباء قاسية.

 واقع أم خيال

قالت إن القصص تمزج بين الواقع والخيال؛ فهناك قصص عشت تفاصيلها بالفعل، وأخرى مرّرت بتجارب قريبة منها، بالإضافة إلى قصص خيالية بالكامل، لكنها مبنية على واقع يعيشه الكثيرون؛ كان هدفى طوال الوقت أن يشعر الطفل بالتأثر، وأن يصدق أن الحلم ممكن، حتى لو كانت التفاصيل خيالية.

 قوقعة أمينة

وكشفت أمينة عن أن بين قصص المجموعة، تبرز قصة «قوقعة أمينة»، وهى الأقرب لها، لأنها تحكى تجربتى الشخصية فى قالب رمزى.

تدور أحداث القصة فى مدينة بعيدة ومظلمة، مبنية من قواقع عملاقة، تعيش داخل إحداها فتاة تُدعى أمينة؛ القوقعة فى القصة ترمز إلى حالة المرض والحبس الداخلى التى عشتها لسنوات، كانت هناك فترة شعرت فيها أننى مستسلمة تمامًا، وكأننى محبوسة داخل قوقعة لا أستطيع الخروج منها لكننى أتذّكر إلى اليوم مقولة أثرت فينى وغيرت نظرتى للحياة: عندما يُوضع الإنسان فى قفص، فإنه يتخبط فى البداية، ثم يبدأ بتزيين قفصه، منذ تلك اللحظة قررت أن أتغير وبدلًا من التحسر على القوقعة التى أعيش بداخلها بدأت فى تزيين القفص.

وتابعت قائلة: «ربما لم أستطع تغيير القفص، لكننى نجحت فى تغيير نفسى بداخله؛ تعلمت، عملت، وبدأت فى كتابة القصص كجزء من علاجى الذاتى، أردت أن أنقل هذه الفكرة للأطفال: أن القوة الحقيقية ليست دائمًا فى الخروج من الظروف، بل أحيانًا فى الاستمرار رغمها، وتطويعها لصالحنا».