مصر تحتفل بالعيد الـ 74 للعيون الساهرة
25 يناير تاريخ يخلد بطولات ونضال الشرطة المصرية
أحمد عبدالعظيم
فى صباح شتويّ لم يكن عاديًا، كتب المصريون بدمهم صفحة ناصعة فى سجلّ الكرامة الوطنية، ففى 25 يناير 1952، لم تكن مدينة الإسماعيلية مجرد ساحة معركة، بل تحوّلت إلى رمز للصمود والتحدى، حين وقف رجال الشرطة المصرية، بأسلحتهم المحدودة وإرادتهم الصلبة، فى مواجهة قوات الاحتلال البريطانى المدجّجة بالسلاح.
لم يكن الاشتباك متكافئًا فى العدة، لكنه كان راجحًا لصالح المصريين فى الإيمان بالوطن، فصاغت تلك اللحظات واحدة من أعظم صور البطولة المصرية، وأعلنت أن الكرامة الوطنية لا تُقاس بقوة السلاح؛ بل بعظمة الموقف.
فى صباح يوم الجمعة الموافق 25 يناير عام 1952، قام القائد البريطانى بمنطقة القناة «البريجادير أكسهام» باستدعاء ضابط الاتصال المصرى، وسلمه إنذارًا لتسلم قوات الشرطة المصرية بالإسماعيلية أسلحتها للقوات البريطانية، وترحل عن منطقة القناة وتنسحب إلى القاهرة فما كان من المحافظة إلاّ أن رفضت الإنذار البريطانى وأبلغته إلى فؤاد سراج الدين باشا، وزير الداخلية فى هذا الوقت، والذى طلب منها الصمود والمقاومة وعدم الاستسلام.
اندلاع العصيان
كانت هذه الحادثة أهم الأسباب فى اندلاع العصيان لدى قوات الشرطة أو التى كان يطلق عليها بلوكات النظام وقتها؛ وهو ما جعل إكسهام وقواته يقومان بمحاصرة المدينة وتقسيمها إلى حى العرب وحى الإفرنج ووضع سلكا شائكا بين المنطقتين؛ بحيث لا يصل أحد من أبناء المحافظة إلى الحى الراقى مكان إقامة الأجانب.
ليست هذه الأسباب فقط التى أدت لاندلاع المعركة؛ بل كانت هناك أسبابٌ أخرى منها أنه بعد إلغاء معاهدة 36 فى 8 أكتوبر 1951 غضبت بريطانيا غضبًا شديدًا، واعتبرت إلغاءَ المعاهدة بداية لإشعال الحرب على المصريين، ومعه أحكام قبضة المستعمر الإنجليزى على المدن المصرية ومنها مدن القناة؛ التى كانت مركزًا رئيسيًا لمعسكرات الإنجليز، وبدأت أولى حلقات النضال ضد المستعمر، وبدأت المظاهرات العارمة للمطالبة بجلاء الإنجليز.
فى 16 أكتوبر 1951 بدأت أول شرارة تمرد ضد وجود المستعمر بحرق النافى، وهو مستودع تموين وأغذية بحرية للإنجليز كان مقره بميدان عرابى وسط مدينة الإسماعيلية، وتم إحراقه بعد مظاهرات من العمال والطلبة والقضاء عليه تماما؛ لترتفع قبضة الإنجليز على أبناء البلد وتزيد الخناق عليهم؛ فقرروا تنظيم جهودهم لمحاربة الانجليز فكانت أحداث 25 يناير 1952.
تفاصيل المعركة
انطلقت شرارة هذه المعركة بعد اتصال هاتفى بين وزير الداخلية حينها فؤاد سراج الدين وقائد قوات الشرطة فى الإسماعيلية اللواء أحمد رائف، كان نَصُّها: «آلو.. حوّلنى على فؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية.. مين يا فندم، أنا اللواء أحمد رائف قائد بلوكات النظام فى الإسماعيلية، حاضر يا فندم.. معالى الوزير صباح الخير يا فندم.. صباح النور.. يا فندم قوات الاحتلال البريطانى وجّهت لنا إنذارًا برحيل قوات البوليس عن مدينة الإسماعيلية، واحنا يافندم رافضين وقرّرنا المقاومة ومنتظرين تعليمات سعادتك.. حتقدروا يا أحمد.. يا فندم مش حنسيب الإسماعيلية حتى لو ضحينا بآخر نفَس فينا.. ربنا معاكم.. استمروا فى المقاومة».
الهجمات الفدائية
كانت منطقة القناة تحت سيطرة القوات البريطانية بمقتضى اتفاقية 1936، التى كان بمقتضاها أن تنسحب القوات البريطانية إلى محافظات القناة فقط، دون أى شبر فى القطر المصرى، فلجأ المصريون إلى تنفيذ هجمات فدائية ضد القوات البريطانية داخل منطقة القناة، وكبّدتها خسائر بشرية ومادية ومعنوية فادحة؛ وذلك كان يتم بالتنسيق مع أجهزة الدولة فى ذلك الوقت.
وكان الفدائيون يُنَسقون مع رجال الشرطة لشن هجمات فعالة وقاسمة ضد القوات البريطانية، وهو ما فطن له البريطانيون؛ حيث قاموا بترحيل المصريين الذين كانوا يسكنون الحى البلدى فى الإسماعيلية، بينما كانوا هم يسكنون الحى الإفرنجى؛ وذلك للحد من عملياتهم البطولية ضد قواتهم، ولكن ذلك لم يؤثر على الفدائيين وزادت هجماتهم شراسة، وذلك بالتنسيق مع قوات الشرطة المصرية..
وعندما فطنت القوات البريطانية بأن رجال الشرطة يساعدون الفدائيين، قررت خروج كافة أفراد الشرطة المصرية من مدن القناة، على أن يكون ذلك فى فجر يوم 25 يناير 1952، وفوجئ رجال الشرطة بعد وصولهم إلى مقر عملهم فى مبنى محافظة الإسماعيلية، بقوات الاحتلال البريطانى تطالب اليوزباشى مصطفى رفعت قائد بلوكات النظام المتواجدة بمبنى محافظة الإسماعيلية، بإخلاء مبنى المحافظة خلال 5 دقائق، وترك أسلحتهم داخل المبنى، وحذروهم بمهاجمة المبنى فى حالة عدم استجابتهم للتعليمات.
أوهام الاحتلال
لقد توَهّم الاحتلال البريطانى أن رجال الشرطة سيخافون على حياتهم، ويتركون سلاحهم ويهربون، حفاظا على أرواحهم، ولكنهم فوجئوا ببطولة ومَلحمة سطرت فى تاريخ مصر المشرّف بأحرف من نور؛ حيث رفض اليوزباشى مصطفى رفعت الانسحاب وترك مبنى المحافظة، وقال لقائد قوات الاحتلال (إكس هام): «إذا أنت لم تأخذ قواتك من حول المبنى.. سأبدأ أنا الضرب؛ لأن تلك أرضي، وأنت الذى يجب أن ترحل منها ليس أنا.. وإذا أردتم المبنى.. فلن تدخلوه إلا ونحن جثث»، ثم تركه ودخل مبنى المحافظة، وتحدّث إلى جنوده وزميله اليوزباشى عبدالمسيح، وقال لهم ما دار بينه وبين (إكس هام)، فما كان منهم إلا وأيّدوا قراره بعدم إخلاء المبنى، وقرروا مواجهة قوات الاحتلال، على الرغم من عدم التكافؤ الواضح فى التسليح؛ حيث كانت قوات الاحتلال تحاصر المبنى بالدبابات وأسلحة متطورة شملت بنادق ورشاشات وقنابل، فيما لا يملك رجال الشرطة سوى بنادق قديمة نوعًا ما.
وبدأت المعركة من خلال قيام القوات البريطانية بإطلاق قذيفة دبابة كنوع من التخويف لقوات الشرطة، أدت إلى تدمير غرفة الاتصال «السويتش» بالمبنى، وأسفرت عن استشهاد عامل الهاتف، لتبدأ بعدها المعركة بقوة، والتى شهدت فى بدايتها إصابة العشرات من رجال الشرطة واستشهاد آخرين، فخرج اليوزباشى مصطفى رفعت قائد قوة بلوكات النظام المتواجدة داخل مبنى المحافظة إلى ضابط الاحتلال البريطانى فى مشهد يعكس مدى جسارة وشجاعة رجل الشرطة المصرى.
توقفت الاشتباكات ظنًا من قوات الاحتلال بأن رجال الشرطة سوف يعلنون استسلامهم، ولكنهم فوجئوا بأن اليوزباشى مصطفى رفعت يطلب الإتيان بسيارات الإسعاف لعلاج المصابين وإخلائهم قبل استكمال المعركة، وفقًا لتقاليد الحرب الشريفة التى اعتاد عليها المصريون، ولكن قوة الاحتلال رفضت واشترطت خروج الجميع أولاً والاستسلام، وهو ما رفضه اليوزباشى مصطفى رفعت، وعاد إلى جنوده لاستكمال معركة الشرف والكرامة، التى لم يغب عنها أيضًا أهالى الإسماعيلية الشرفاء؛ حيث كانوا يتسللون إلى مبنى المحافظة؛ لتوفير الغذاء والذخيرة والسلاح لقوات الشرطة، رغم حصار دبابات الاحتلال للمبنى.
رجال الشرطة
ومع استمرار الاشتباكات بشراسة، بدأت الذخيرة فى النفاد من رجال الشرطة المصرية، ولكنهم رفضوا أيضًا مجرد فكرة الاستسلام، فقرأوا جميعًا فاتحة كتاب الله والشهادتين، بما فيهم الضابط المسيحى اليوزباشى عبدالمسيح، فى لحظة تؤكد مدى تماسُك ووحدة شعب مصر العظيم، وقرروا القتال حتى آخر طلقة، وقرر اليوزباشى مصطفى رفعت الخروج من المبنى لقتل قائد قوات الاحتلال (إكس هام)، أملاً منه فى أن يؤدى ذلك إلى فك الحصار وإنقاذ زملائه.
وبالفعل عندما خرج، توقف الضرب كالعادة، ولكنه فوجئ بضابط آخر أعلى رتبة من (إكس هام)، وبمجرد أن رأى هذا الضابط اليوزباشى مصطفى رفعت، أدى له التحية العسكرية، فما كان من اليوزباشى رفعت إلاّ أن يبادله التحية وفقًا للتقاليد العسكرية، وتبين بعد ذلك أن ذلك الضابط هو الجنرال «ماتيوس» قائد قوات الاحتلال البريطانى فى منطقة القناة بالكامل.
وتحدث الجنرال «ماتيوس» إلى اليوزباشى مصطفى رفعت، وقال له بأنهم فعلوا ماعليهم بل أكثر، وأنهم وقفوا ودافعوا عن مبنى المحافظة ببطولة لم تحدث من قبل، وأنهم أظهروا مهارة غير عادية باستخدامهم البنادق التى معهم ووقوفهم بها أمام دبابات وأسلحة الجيش البريطانى المتعددة، وأنه لا مفر من وقف المعركة بشرف.. فوافق اليوزباشى مصطفى رفعت على ذلك، مع الموافقة على شروطه، وهى أن يتم نقل المصابين وإسعافهم بشكل فورى، وأن الجنود الذين سيخرجون من المبنى، لن يرفعوا أياديهم على رؤوسهم، ويخرجون بشكل عسكرى يليق بهم، مع تركهم لأسلحتهم داخل المبنى.ز فوافق الجنرال «ماتيوس» على تلك الشروط، وتم خروج قوات الشرطة بشكل يليق بهم وهم فى طابور منظم.
50 شهيدًا
لقد أسفرت تلك المَلحمة التاريخية للشرطة المصرية عن استشهاد نحو 50 من رجال الشرطة، وإصابة 80 آخرين، فاستحقت أن تكون ليست يومًا فقط أو عيدًا للشرطة المصرية؛ ولكنها أصبحت عيدًا قوميًا لمحافظة الإسماعيلية وللشعب المصرى كله.
وهكذا؛ لم تكن معركة الإسماعيلية مجرد مواجهة عابرة فى تاريخ الكفاح الوطنى؛ بل كانت شرارة أيقظت الوعى وأشعلت الغضب الشعبى، ورسّخت معنى التضحية فى سبيل الوطن.
لقد أثبت أبطال 25 يناير 1952 أن مصر لا تُهزَم ما دام فى أبنائها مَن يختار الكرامة طريقًا، والمقاومة قدَرًا. وستظل دماؤهم الزكية شاهدة على أن الاستقلال لم يكن هدية؛ بل ثمنٌ دفعه رجالٌ آمنوا بأن الوطن أغلى من الحياة، وأن التاريخ لا يُخلِّد إلا الشجعان.







