بين النصوص والواقع الميدانى المعقد
مستقبل غزة مع المرحلة الثانية من خطة السلام
آلاء شوقى
فى خطوة طال انتظارها، واُعتبرت محاولة لإعادة ضبط المشهد السياسى والأمنى فى غزة، أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الأسبوع الماضى بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار فى القطاع المكلوم، بعد شهور طويلة من العدوان والحصار الإسرائيلي.
وأكد ترامب دعمه لتشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية جديدة، تتولى إدارة قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية، إلى جانب الإعلان عن تشكيل ما أُطلق عليه «مجلس السلام» لقيادة العملية السياسية والأمنية وإعادة الإعمار.
جاءت تصريحات الرئيس الأمريكى بالتوازى مع إعلان البيت الأبيض عن التشكيل التنفيذى التأسيسى لمجلس السلام، الذى يضم شخصيات أمريكية ودولية بارزة، على أن يتولى أعضاء المجلس التنفيذى الإشراف على ملفات حيوية، تتعلق ببناء قدرات الحوكمة فى غزة، وتعزيز العلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، وتوفير التمويل واسع النطاق، بما يضمن –وفق الرؤية الأمريكية– استقرار القطاع على المدى الطويل.
ورغم الطابع الطموح لتلك التصريحات، فإن المرحلة الثانية من الاتفاق تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة.
واتفق عدد من الباحثين والمحللين السياسيين على أن الاحتلال الإسرائيلى لا يزال يمثل العائق الرئيسى أمام إنجاح المرحلة الثانية، من خلال المماطلة، وعدم الالتزام بالانسحاب، وعرقلة إدخال المساعدات وإعادة الإعمار.
كما أجمعوا على أن نجاح المرحلة مرهون بجدية الإدارة الأمريكية، ووضوح المسار السياسى، وعدم تحويل المرحلة الانتقالية إلى أداة لإدارة الصراع بدلًا من حله.
مرحلة محفوفة بالمخاطر
قال اللواء سمير عباهرة، الخبير العسكرى الاستراتيجى من جنين بالضفة الغربية –فى تصريحات لمجلة روزاليوسف- إنه رغم إعلان «ترامب» إطلاق المرحلة الثانية فى غزة، إلا أنه تجاهل الواقع على الأرض، حيث لا يزال وقف إطلاق النار هشًا، والمساعدات الإنسانية شحيحة، والمستقبل السياسى لا يزال غامضًا ومعلقًا على تنازلات غير مؤكدة، ما يشير لوجود تحديات كبيرة تواجه هذه المرحلة، أبرزها: الانسحاب الإسرائيلى، ونزع سلاح حماس، وتعنت إسرائيل تجاه المنظمات الدولية والذى يشكل عائقًا كبيرًا أمام استكمال هذه المرحلة.
وأكد أن «ترامب» يراهن على دور كل من«مصر، وقطر، وتركيا» بما يضمن اتفاقًا شاملًا مع حماس لنزع سلاحها، والوفاء بالتزاماتها.
كما أوضح أنه من المبكر إصدار الأحكام حول مدى نجاح مجلس السلام الذى شكلته الولايات المتحدة، والذى سيقود العملية فى غزة، حيث يبقى النجاح أو الفشل مرتبطًا بمجموعة من التطورات على الأرض.
وأضاف أنه لم يتم تحديد الفترة الزمنية المحددة لمجلس السلام، ما يقود إلى تساؤلات كثيرة، خاصة فيما إذا لم يتمكن هذا المجلس من القيام بمهامه الكثيرة والمتعددة، وفى مقدمتها الانسحاب الاسرائيلى، وإدخال المساعدات، وإعادة الاعمار.
كما أكد أن عدم تحقيق الأهداف سيقود إلى إطالة أمد المدة، وربما يتحول هذا الدور إلى وصاية جديدة على الشعب الفلسطيني.
وأوضح أن الخطورة فى ذلك تكمن فى فرض سياسة الأمر الواقع، فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية.
وعن لجنة التكنوقراط، أوضح «عباهرة» أن التدخلات فى دورها، أو زيادة الضغوط عليها من منطلقات أيديولوجية، قد ينتج عنه خلافات داخل اللجنة، بما يمنعها من القيام بدورها على أحسن وجه، ما قد يدفعها إلى الصدام مع مجلس السلام.
وأشار إلى أن الخطورة الكبرى تكمن فى الأهداف الاسرائيلية، أى مسعى إسرائيل إلى أن تكون اللجنة بديلًا للسلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، مرجحًا أن تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل على إطالة أمد الفترة الانتقالية من أجل تحقيق أهدافهما.
نوه للمخاوف الفلسطينية فى استمرار هذا السيناريو فترة طويلة من الزمن، حيث ستستمر سيطرة الجيش الإسرائيلى على أكثر من نصف مساحة القطاع، بدون وقف إطلاق نار كامل، ولا انسحاب حقيقى، ولا إعادة إعمار، ليصبح الاستنزاف سيد الموقف.
ورجح «عباهرة» أن إسرائيل ستعمل -خلال الفترة المقبلة- على عرقلة كافة الاستحقاقات تحت ذرائع شتى، وفى مقدمتها المشاركة القطرية التركية فى مجلس السلام، وصعوبة نزع سلاح حماس، كما ستعمل على عرقلة إعادة الإعمار، وإطالة أمد المرحلة الانتقالية، والعمل على هندسة لوقائع تعيد الجميع إلى نقطة الصفر، فضلًا عن خلق ظروف جديدة أو استحضار ذريعة تبرر نسف المسار بأكمله، مع تصاعد احتمالية العودة إلى القتال لتستمر فى إدارة الصراع وفق مصالحها، من أجل وأد إقامة الدولة الفلسطينية.
أمل واقعى مشروط بصدق النوايا
من جانبه، أكد د.أشرف عكه، خبير العلاقات الدولية من رام الله بالضفة الغربية –فى تصريحات لمجلة روزاليوسف- أن الاستقرار الدائم يحتاج إلى ترجمة عملية وإجراءات واضحة على مدى العامين المقبلين، كما يحتاج لفتح مسار سياسى للفلسطينيين، وإقامة دولة فلسطينية، وعملية سياسية شاملة توحد الضفة الغربية، وغزة.
كما أعرب عن اعتقاده أن القوى الفلسطينية ترحب بلجنة التكنوقراط باعتبارها الأمل الوحيد المتاح للفلسطينيين، بهدف توحيد الجهود لإنقاذ الشعب الفلسطيني؛ قائلا: «نحن أمام لجنة -بالحد الأدنى- متفق عليها تعكس إرادة إقليمية دولية، وتعكس –أيضًا- توزانات فلسطينية، تركز على إعادة الإعمار، وإغاثة الناس، وإيجاد آلية للتعامل مع المركبات الأخرى فى إطار المرحلة الثانية».
ومع ذلك، أشار «عكه» إلى عدد من التحديات التى تواجه المرحلة الثانية، مؤكدًا أن التحدى الأول يكمن فى التعطيل الإسرائيلي؛ بينما يعد التحدى الثانى، هو صدق النوايا الأمريكية، موضحًا أن هذا يتوقف على وضوح الإدارة الأمريكية، وتحديد اتجاهها نحو إعادة إعمار غزة، وتحويل القطاع لمنارة حضارية، ومدن ذكية ومتقدمة للاستقرار فى المنطقة.
أما التحدى الثالث من وجهة نظره، يتمثل فى قدرة لجنة التكنوقراط على توحيد الحالة المجتمعية والسياسية فى غزة، إلى جانب إيجاد مقاربة وطنية فلسطينية شاملة عبر إيجاد آلية للترابط الوطنى، حتى لا يتم تعطيلها، أو يتم التشكيك فى قدرتها.
كما اعتبر «عكه» أن إطلاق مسار سياسى شامل فى هذه المرحلة أمر من السابق لأوانه الحديث عنه، إلا أنه يعتمد على المرحلة الحالية، والإدارة المؤقتة؛ قائلًا: «نحن أمام مرحلة انتقالية لمدة عامين، إذا نجح الفلسطينيون فى إدارة أمورهم وإعادة الإعمار، سيفتح ذلك مسارًا سياسيًا..
وعليه، فإن المرحلة المقبلة مرتبطة بما يحدث بتطورات المنطقة، وبواقعية نحن أمام انتقال هادئ نحو المرحلة الثانية بكل أبعادها، والتزاماتها ومركباتها».
سيناريوهات مفتوحة
بدوره، أوضح د.نعمان توفيق العابد، الباحث فى العلاقات الدولية من جنين بالضفة الغربية –فى تصريحات لمجلة روزاليوسف، أن رد الفعل الفلسطينى على لجنة التكنوقراط إيجابى ومرحب به، باعتبارها خطوة يمكن البناء عليها فى تخفيف آلام الشعب الفلسطينى، ومحاولة للانتقال فى الملف السياسى فى قطاع غزة، أو الضفة، وترسيخ وجود الشعب الفلسطينى على أرضه.
كما أكد أن الجانب الإسرائيلى يعد المعطل –دائمًا- لأى تنفيذ أو انتقال أو استحقاق، سواء فى المرحلة الأولى أو الثانية ، وهو ما ظهر –جليًا- فى عدم تنفيذ حكومة نتنياهو بعض النقاط فى المرحلة الأولى؛ مضيفًا أن المسألة التى ستعيق المرحلة الثانية، هو عدم رغبة نتنياهو وحكومته فى تنفيذ ما تتطلبه المرحلة الثانية، وتحديدًا الجزء الخاص بانسحاب قوات الاحتلال مما يعرف باسم (الخط الأصفر) داخل «غزة» إلى (الخط الأحمر)، وذلك عبر المماطلة وعدم الالتزام، وغيرها من قضايا آخرى سيتخذها الاحتلال كذرائع للمماطلة وعدم التنفيذ.
ورأى -أيضًا- أن احد النقاط التى قد تعطل المرحلة الثانية، هى مدى جدية الإدارة الأمريكية فى التدقيق الفعلى لتلك المرحلة، وتحديدًا انتهاء العدوان، وسحب قوات الاحتلال، وغيرها.
وقال إنه إذا كانت هناك جدية لدى الأطراف، وتحديدًا واشنطن، فإن هذا سيمثل نهاية لهذا الصراع فى منطقة الشرق الأوسط.
وأوضح أنه من المفترض إطلاق مسار وحل سياسى للقضية الفلسطينية خلال التدقيق فى المرحلة الثانية، موضحًا –فى الوقت ذاته- أنه إن لم يُطلق هذا المسار فإن هذا سيؤدى لمواصلة الإدارة الأمريكية نهجها السابق، أى إدارة الأزمة لصالح ترسيخ وجود دولة الاحتلال الإسرائيلى، وتمددها فى المنطقة، وقيام ما يسمى بإسرائيل الكبرى.
وفى هذا السياق، أوضح «العابد» أن هناك عدة سيناريوهات للمرحلة المقبلة، من بينها سيناريو ضعيف واحتمالاته غير قوية، وهو الانتقال لمسار سياسى، يؤدى إلى حل جذور الصراع فى المنطقة، القائم على استمرار الاحتلال الإسرائيلي.
أما السيناريو الآخر الذى اعتبره أقوى فى حدوثه،فسيكون المسار الذى تتبناه حكومة نتنياهو، القائم على استمرار العدوان والاحتلال، وعدم إعطاء الشعب الفلسطينى حقه فى تقرير مصيره، وهو ما يجرى على الأرض فى غزة، والضفة الغربية.











