طريق محفوف بتحديات عراقيل إسرائيل ونزع سلاح حماس
مجلس السلام ولجنة إدارة غزة.. اختبار جديد لفرص السلام المفقودة
داليا طه
من جديد، طريق السلام فى غزة لا يزال محفوفًا بتحديات جسيمة، داخلية وخارجية، تجعل من أى مسار سياسى مهمة شديدة الصعوبة، تعود قضية السلام فى غزة إلى واجهة المشهد السياسى، مع الإعلان عن تشكيل لجنة وطنية لإدارة القطاع، بالتوازى مع الحديث عن إنشاء ما يُعرف بـ«مجلس السلام».
ورغم أن هذه الخطوات تبدو نظريًا محاولة لكسر الجمود وفتح نافذة أمل أمام واقع إنسانى وأمنى بالغ التعقيد، إلا أن أحد أكبر التحديات التى تواجه أى عملية سلام فى غزة هو الانقسام الفلسطينى المزمن.
ومع تشكيل لجنة وطنية لإدارة القطاع، يظل السؤال مطروحًا حول مدى تمثيل هذه اللجنة لكافة القوى والفصائل، وقدرتها الفعلية على العمل باستقلالية بعيدًا عن حسابات النفوذ والصراع السياسى. التجربة الفلسطينية السابقة أثبتت أن أى كيان إدارى أو سياسى لا يحظى بإجماع حقيقى، أو على الأقل بقبول واسع، يكون مصيره التعثر أو الفشل.
مجلس السلام
الإعلان عن مجلس السلام يواجه بدوره تشككًا شعبيًا، فى ظل حالة الإحباط المتراكمة لدى الشارع الغزى، الذى أنهكته سنوات من الحصار والحروب المتتالية والوعود غير المنجزة.
كثيرون يرون فى هذه المجالس مجرد أطر شكلية، ما لم تُترجم إلى خطوات ملموسة على الأرض، تحسن من واقع الناس المعيشى والأمنى.
نزع السلاح
فى هذا الشأن؛ أكد الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية والمحلل الفلسطينى؛ على أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة بدأت اجتماعاتها فى القاهرة؛ وأجرت اتصالات مع قيادات مصرية وعربية ودولية ومع الفصائل الفلسطينية، تستعد للبدء فى إدخال غرف متنقلة لغزة وشرطة لتولى الأعمال الأمنية.
وأضاف، فى تصريحات لمجلة روزاليوسف، أن الأزمات والعقبات التى تواجهها كثيرة، وأولها الاحتلال الإسرائيلى، الذى يرفض تمكين اللجنة من القيام بأعمالها حتى تسليم جثة أخر رهينة إسرائيلى؛ ونزع سلاح حركة حماس؛ وهناك موقف فلسطينى بأن السلاح لن يسلم إلا لشرطة فلسطينية أو لدولة وسيطة من الدول الضامنة للجانب الفلسطينى مثل مصر وقطر وتركيا.
أزمة ثقة
وتعانى عملية السلام فى غزة أصلًا من أزمة ثقة عميقة، ليس فقط بين الفلسطينيين وإسرائيل، لكن أيضًا بين الفصائل الفلسطينية نفسها، وبين المواطنين والقيادات السياسية؛ هذه الفجوة فى الثقة تجعل من الصعب تمرير أى مبادرات جديدة، حتى لو كانت تحمل نوايا حسنة.
فى هذا السياق، يُنظر إلى لجنة إدارة غزة ومجلس السلام باعتبارهما اختبارًا حقيقيًا: هل سيكونان أدوات لإدارة مرحلة انتقالية نحو تهدئة مستدامة وحل سياسى، أم مجرد مسكنات سياسية لاحتواء الضغوط الدولية والإقليمية؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد مصير أى مسار سلام قادم.
ويقول رامى إبراهيم، الباحث فى العلاقات الدولية، إن ملف غزة معقد للغاية، ويواجه العديد من التحديات التى ستواجه عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، أو ما تُعرف باسم «لجنة التكنوقراط» وأيضا مجلس السلام فى غزة، الذى يضم العديد من الشخصيات الدولية البارزة، ضمنها اللواء حسن رشاد، رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، وأن تلك التحديات والعقبات تتعلق بأطماع إسرائيل وأهدافها، وأيضا بموقف حركة حماس، والتى هى أيضا قد تمثل عقبة كبيرة فى حالة لم تستجب لقرارات اللجان المعنية بإدارة ملف غزة.
وأضاف الباحث فى العلاقات الدولية، أن هناك الكثير من الملفات التى لم تحسم حتى، وتمثل عقبات قوية أمام مجلس السلام فى غزة، الذى يرأسه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، أبرزها ملف «نزع سلاح الفصائل»، ونقص التمويل اللازم لإعادة الإعمار، إضافة إلى القيود إلى العقبات الإسرائيلية لمنع دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة وعدم الالتزام بمتطلبات المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، وآلية تشكيل «قوة الاستقرار الدولية».
تعنت إسرائيل
وأوضح رامى إبراهيم، أنه على المستوى الداخلى فيما يتعلق باللجنة الوطنية الفلسطينية، المشكلة لإدارة قطاع غزة على المستوى المحلى، تواجه العديد من التحديات الداخلية على المستوى الأمنى؛ وانتشار الأسلحة الخفيفة داخل قطاع غزة؛ وعدم تعاون حركة حماس معهم فى الكثير من الملفات مثل ملفات «الأمن والتعليم والصحة والأوضاع الإنسانية» داخل القطاع والبنية التحتية.
وتابع: إن مهمة إدارة قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية ستواجه العديد أيضا من التحديات من الجانب الإسرائيلى؛ فيما يتعلق برفض إسرائيل لبعض أعضاء اللجنة؛ وأيضا رفضها إدخال العديد من المساعدات الإنسانية؛ والخدمات الأساسية اللازمة للحياة.
حركة حماس
هناك عقبات تضعها حركة حماس، حيث ترفض التعاون فى بعض الملفات، وقد تجعل من عملية تسليم سلاحها معضلة حقيقية فى حل الأزمة ممن يعرقل الانتقال من مرحلة إلى أخرى وفق الخطة التى أعلنها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، هذا إلى جانب ملف الأسرى حيث يشهد حالة معقدة فى التفاوض بين إسرائيل من جهة وحماس وأطراف التفاوض من جهة أخرى، حيث تقترح حماس أسماء بعض قادتها للإفراج عنهم فيما ترفض إسرائيل هذه المطالب.
وحول ملف الإعمار، أوضح أن هذا الملف من أهم الملفات لكن الوصول إليه يتطلب الانتهاء من المرحلة الأولى التى تتعلق بتشكيل اللجان المعنية وتثبيت وقف إطلاق النار، وتنظيم مؤتمر دولى لإعمار قطاع غزة، وهذا الملف يواجه تحديات كبيرة فيما يتعلق بتكلفة الاعمار الى قدرت مبدئيا بنحو 53 مليار دولار.
الموقف الإسرائيلى
من جانبه، يرى المحلل السياسى وخبير فى الشؤون الإسرائيلية د. حسين الديك؛ أن التحديات كثيرة منها التحدى السياسى المرتبط بالاحتلال الإسرائيلى والحصار الذى تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، والتحدث الثانى هو القضايا اللوجستية، حيث تمر غزة بمأساة بسبب حجم الدمار الكبير والتدمير فى البنية التحتية.
غزة
أشار إلى أن الرؤية المستقبلية هى أن قطاع غزة أمام خيارين؛ إما أن يصبح سنغافورة الشرق الأوسط أو منطقة فاشلة مثل جنوب السودان أو ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية؛ وهذا يتوقف على قدرة الوسطاء والولايات المتحدة الأمريكية فى التأثير على إسرائيل بضرورة فتح المعابر وفك الحصار.
هذا بجانب التفاهمات بين الفصائل فى قطاع غزة؛ حيث إنه من الضرورى أن يكون هناك توافق فلسطينى فلسطينى على قيادة اللجنة بإدارة قطاع غزة.
الضغوط الإقليمية والدولية
غزة ليست ساحة محلية فقط، بل نقطة تقاطع لمصالح إقليمية ودولية معقدة، بعض الأطراف الإقليمية ترى فى القطاع ورقة ضغط أو ساحة نفوذ، بينما تتعامل قوى دولية مع ملف غزة من منظور إدارة الأزمات، لا حلها جذريًا.
فى هذا السياق يقول اللواء سمير عباهرة، الخبير العسكرى والاستراتيجي، أن هناك شبه توافق فلسطينى على لجنة إدارة غزة لكن حتى الآن اللجنة ليست لديها صلاحيات سواء على المستوى السياسى أو الأمنى أو حتى إعادة الإعمار.
وتخوف «عباهرة» من احتمالية حدوث خلافات داخل اللجنة مما يدفع بعض الأعضاء للاستقالة، واصفا أن تنصيب ترامب نفسه رئيسا لمجلس السلام يعتبر بمثابة وصاية أو انتداب وأى قرار يجب أن ينبع من ترامب نفسه.
وقال فى تصريحات لمجلة روزاليوسف إن لجنة إدارة غزة ليست كلها من فصيل واحد أو مستوى سياسى واحد مما قد يكون عاملا رئيسيا فى إفشال عمل اللجنة خاصة وأنها ستعمل تحت ضغط الشارع الفلسطينى ومجلس السلام بقيادة ترامب.
وفيما يخص مجلس السلام، يقول «عباهرة»؛ إنه تم تشكيله دون المشاوره مع إسرائيل وبالتالى قد يضع نتنياهو العراقيل أمام اتمام المرحلة الثانية خاصة أنه لديه عقيدة ثابتة وهى أنه لا يريد الذهاب للمرحلة الثانية.
وعن نزع سلاح حماس، تساءل «عباهرة» عمن ينزع سلاح حماس وإلى من يوجه، مشيرا إلى أن كل هذه الأسئلة تدور داخل الأوساط السياسية وداخل حماس؛ وفى الواقع هى مسألة معقدة جدا على حد وصفه، مضيفا أن إسرائيل تماطل وتحاول هندسة الواقع للعودة إلى مربع صفر منطقة صفر؟
فى هذا الإطار، قد تتحول لجنة إدارة غزة ومجلس السلام إلى أدوات فى صراع الإرادات بين هذه القوى، بدلًا من أن تكون منصات مستقلة لصياغة رؤية فلسطينية خالصة للسلام؛ كما أن ربط الدعم المالى وإعادة الإعمار بشروط سياسية معينة يزيد من هشاشة أى ترتيبات جديدة.







