الأحد 25 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من جزيرة جليدية إلى أزمة عالمية

جرينلاند تعيد الصدام بين أمريكا وأوروبا

  على  أطراف الجليد القطبى، حيث تبدو جرينلاند جزيرة بعيدة عن دوائر الضوء السياسى، تفجرت أزمة غير مسبوقة أعادت العلاقات الأمريكية الأوروبية إلى مربع التوتر، بعد أن تحولت الجزيرة فجأة إلى محور نزاع سياسى واقتصادى، مع تصاعد الخطاب الأمريكى حول الاستحواذ عليها، والرد الأوروبى الذى يرى فى ذلك مساسًا بالسيادة، واختبارًا مباشرًا لمتانة التحالف عبر الأطلسي.  



 تصعيد خطاب التهديد الأمريكي

استمر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب طوال الأيام الماضية، فى تأكيد عزمه على الاستحواذ على جرينلاند، وكان أحدثها تصريحاته خلال اجتماعات المنتدى الاقتصادى العالمى فى دافوس، معربًا عن اعتقاده بأن تلك الخطوة لن تواجه معارضة أوروبية كبيرة. 

وقال «ترامب» صراحة: إن الولايات المتحدة يجب أن تحصل على جرينلاند، معتبرًا أن الدنمارك غير قادرة على حماية الجزيرة، وأن وجود واشنطن هناك يشكل ضرورة حتمية للأمن القومى والأمن العالمى، ولا مجال للعودة إلى الوراء فى هذا الملف.

ولم تبق تلك التصريحات فى إطار الخطاب السياسى، بل ترافقت مع تهديدات مباشرة باستخدام الأدوات الاقتصادية للضغط على الحلفاء الأوروبيين، حيث هدد الرئيس الأمريكى بفرض رسوم جمركية على عدة دول أوروبية، من بينها «فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، والدنمارك» حال معارضتهم المسعى الأمريكى المتعلق بجرينلاند. 

ووفق التصريحات الأمريكية، تبدأ الرسوم بنسبة 10% اعتبارًا من الأول من فبراير المقبل، على أن ترتفع إلى 25% فى يونيو.

اشتعال الغضب الأوروبي

فى المقابل، فجرت التهديدات الأمريكية موجة غضب واسعة داخل دول الاتحاد الأوروبى، إذ اعتبرت ألمانيا أن الرئيس الأمريكى تجاوز الخط الأحمر، داعية إلى الاستعداد لتفعيل أقوى الأدوات التجارية الأوروبية، ردًا على -ما وصفته- باستفزازات عدائية. 

وقال وزير المالية الألمانى لارس كلينجبايل، إن أوروبا وصلت إلى الحد الأقصى، مؤكدًا ضرورة توجيه رسالة واضحة بأن سياسة الضغط والتهديد الاقتصادى لن تمر دون رد.

وأعلنت فرنسا دعمها الكامل للدنمارك، مشددة على أن –ما وصفته- بالابتزاز بين الأصدقاء أمر غير مقبول، ودعت إلى وحدة الصف الأوروبى فى مواجهة أى محاولات للمساس بالسيادة. 

كما أشار وزير المالية الفرنسى رولان ليسكور، إلى إمكانية اللجوء إلى آلية الاتحاد الأوروبى لمكافحة الإكراه الاقتصادى، المعروفة باسم (البازوكا)، فى حال استمرت واشنطن فى نهجها التصعيدي.

أما بريطانيا، فأكد رئيس وزرائها كير ستارمر، أن أى قرار بشأن الوضع المستقبلى لجرينلاند يعود حصريًا إلى شعب الجزيرة ومملكة الدنمارك، وحذر من أن استخدام الرسوم الجمركية ضد الحلفاء يفتح الباب أمام نزاع تجارى واسع، لا يخدم الاستقرار الدولي.

أوروبا من شريك إلى ضحية 

أكد عبدالغنى العيادى، المستشار السابق بالبرلمان الأوروبى –فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- أن الجديد فى هذه الأزمة، هو أن المقاربة الواقعية القائمة على القوة الصلبة، باتت تطبق داخل الفضاء الأطلسى نفسه، موضحًا أنه بعد أن كانت العلاقة مع الحليف الأوروبى قائمة على الشراكة ضمن أطر قانونية ومؤسسية، تتبنى واشنطن اليوم عقيدة القوة، التى تتجاوز القواعد حتى ضد حليف لا عداوة تاريخية معه. 

وأضاف أن الصادم فى هذا التحول البنيوى، جعل أدوات الضغط الاقتصادى والتلويح بالقوة العسكرية، تُستخدم لفرض تنازلات سيادية، وهو ما يحول أوروبا من شريك إلى ضحية داخل نظام دولى جديد تحكمه موازين القوة.

وأشار إلى وجود شبه إجماع على أن طبيعة العلاقات الدولية تغيرت تماشيًا مع التحولات الاقتصادية الكبرى، وتحديدًا فيما يخص الصراع على المعادن النادرة، والمواقع الجيوسياسية الحاسمة.

وقال «العيادي»: إنه رغم امتلاك أوروبا –نظريًا- أدوات قوية بفضل سوقها الموحدة، وسلطتها التنظيمية، بما فى ذلك: القدرة على فرض عقوبات تجارية ومالية، وتفعيل آليات مثل أداة مكافحة الإكراه الاقتصادى، إلا أن فعالية تلك الأدوات تبقى محدودة بسبب الانقسامات الداخلية، والخشية من التصعيد مع الولايات المتحدة.

وأكد أن التحدى الحقيقى ليس تقنيًا بل سياسيًا، ويتمثل فى غياب إرادة أوروبية موحدة لاستخدام تلك الأدوات بجرأة، يضاف إلى ذلك الضعف الاستراتيجى الأوروبى، خاصة فى المجال العسكرى والحضور الجيوسياسى العالمى، إذ إن جزءًا كبيرًا من القدرات العسكرية الأوروبية مرتبط بالمنظومة الأمريكية.

كما اعتبر أن الأزمة تضرب حلف (الناتو) فى صميم مبدئه القائم على الدفاع الجماعى ضد تهديد خارجى، لأن مصدر التهديد هذه المرة يأتى من داخله، ما يقوض الثقة بين الحلفاء، ويضع مصداقية الضمانات الأمنية موضع شك. ورجح تسريع السعى الأوروبى نحو بناء قدرة دفاعية أكثر استقلالية، ما قد يحول (الناتو) تدريجيًا إلى تحالف أقل تماسكًا على المدى المتوسط والبعيد.

وأضاف أن كل السيناريوهات الممكنة أساسها الإجابة على سؤال واحد، وهو: هل تنوى أوروبا العمل على استقلاليتها كقطب قائم بذاته ولذاته، أم ستستمر فى نهج التحالف الاستراتيجى التابع للولايات المتحدة؟!

هل (الناتو) على حافة الانهيار؟

من جانبه، قال الدكتور رضوان قاسم، الباحث فى العلاقات الدولية من برلين –فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- إن أزمة جرينلاند ستنعكس بشكل كبير على العلاقات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وهو ما ظهر فى تصريحات شديدة اللهجة بين «ترامب» والقادة الأوروبيين، مضيفًا أن أول صور الانعكاسات، هى فقدان الثقة بين الجانبين، حيث صارت فى طور الانفصال أو التراجع.

وأوضح أن جرينلاند لا تعد أولى الخلافات بين الجانبين، حيث سبقها أزمة أوكرانيا التى كانت محل خلاف، إلى جانب تصريحات سابقة لـ«ترامب» أكد فيها أن الدول الأوروبية يجب أن تدفع ثمن الدفاع عنها. 

وأكد أن القدرة الأوروبية أو امتلاك أدوات الرد الاقتصادية والسياسية قليلة جدًا، على عكس «ترامب» الذى يملك الكثير من الأوراق التى يستطيع أن يضغط بها على الدول الأوروبية، مرجحًا باحتمالية نشوب حرب تجارية ما لم يتم التوصل لاتفاق يخص جرينلاند.

ورأى «قاسم» أن (الناتو) على حافة الانهيار، لأنه لم يعد فعالًا، وتبين فشله فى كثير من المواجهات، وتحديدًا فيما يخص أوكرانيا، فضلًا عن الخلافات بين الدول الأوروبية، ودول الحلف نفسه، وصولًا إلى أزمة جرينلاند، معتبرًا أن العالم أمام تفكك لحلف (الناتو) والإعلان عن وفاته قريًبا.

اختبارًا حاسمًا

رأى باسم أبو سمية، الباحث السياسى من واشنطن - فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- أن جرينلاند الجزيرة الصغيرة ذات الثروات النادرة، والموقع الاستراتيجى بين أوروبا والولايات المتحدة تشكل تنافسًا دوليًا جيوسياسيًا بين القوى الكبرى أمريكا وروسيا والصين، والدنمارك والولايات المتحدة -الحليفتان الأساسيتان داخل (الناتو)- تدركان الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند فى الردع والدفاع المشترك، خصوصًا فى القطب الشمالي. 

ورغم رؤيته أن أوروبا تمتلك أدوات دفاعية واقتصادية تمكنها من مواجهة أو موازنة النفوذ الأمريكى، إلا أن أبو سمية أكد أن الاتحاد الأوروبى ليس مستقلًا بالكامل عن الولايات المتحدة، خاصة فى المجالين العسكرى والتكنولوجي.

 كما أوضح أن تجاهل البعد السياسى المحلى فى جرينلاند قد يحولها إلى نقطة احتكاك غير ضرورية.