مؤتمر الأوقاف الدولى الـ 36 للمهن والذكاء الاصطناعى
لا مستقبل لمِهَن بلا أخلاق ولا ذكاء اصطناعى بلا ضمير
صبحى مجاهد
تحت شعار «المهن فى الإسلام: أخلاقياتها وأثرها ومستقبلها فى عصر الذكاء الاصطناعى»، ناقشت وزارة الأوقاف الأسبوع الماضى، كيفية الحفاظ على كرامة العمل وأخلاقياته فى عصر الذكاء الاصطناعى؛ وذلك خلال المؤتمر الدولى السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسى.
وأكد المشاركون، على أنه لا مستقبل لمِهَن بلا أخلاق، ولا ذكاء اصطناعى بلا ضمير، ولا عمران بلا إنسان، وأنه حين تُدار التكنولوجيا بقيم، ويتحول العمل إلى رسالة، يصبح المستقبل- مهما كان معقدًا- أكثر إنسانية وعدلًا واتزانًا.. وناقش المؤتمر التحولات التى فرضها الذكاء الاصطناعى على سوق العمل، وإعادة تقسيم المِهَن بين يدوية وتقنية ورقمية، وأن التحدى الحقيقى لا يكمن فى التكنولوجيا ذاتها، بل فى كيفية إدارتها أخلاقيًا. فالآلة- مهما بلغت من تطور- تظل أداة، بينما يبقى الإنسان هو الأصل، والضمير هو الحكم، والقيم هى الضابط.
العمران والغنى
قال الدكتور أسامة الأزهرى وزير الأوقاف، إن الإسلام اهتم بالمِهَن، وأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أرشد أصحابه إلى إتقانها وأدائها، باعتبار أن العمل المهنى هو أحد المسارات الأساسية لتحقيق العمران.
وأكد وزير الأوقاف أن العالم أحوج ما يكون اليوم إلى خطاب دينى منير يُحفّز البناء والعمل، ويرسخ قيم التعاون والإبداع، بعيدًا عن خطابات الهدم والصراع، من أجل تحقيق نفع الناس.
وأشار إلى أن المِهَن تمثل العمود الفقرى لأى مشروع نهضوى، وأن العقل المسلم أحوج ما يكون اليوم إلى استحضار منظومة القيم التى تحكم العمل المهنى، وفى مقدمتها الإتقان، والإحسان، والأمانة، والتكامل، والمسؤولية المجتمعية، وهى القيم التى تمكّن المِهَن من أداء دورها فى تحقيق مقاصد الشريعة، ومعالجة الأزمات، ومواجهة الفقر، وتحقيق الاستقرار المجتمعى.
رؤية الأزهر
وقدّم الدكتور عبد الرحمن الضوينى، وكيل الأزهر الشريف، طرحًا فكريًا متكاملًا يؤكد أن المهن فى التصور الإسلامى لا تُختزل فى كونها وسيلة للكسب أو نشاطًا يدويًا محدودًا، بل تمثل رافدًا حضاريًا أصيلًا وقيمة إنسانية جامعة.
وأكد الضويني؛ على أن النهضة الحقيقية لا تتحقق إلا بتكامل العلم والعمل، ومزج الكفاءة التقنية بالقيم الأخلاقية، وهى السمة التى ميّزت التجربة الإسلامية عبر عصورها المختلفة، حيث كانت المهن- من الطب والهندسة إلى القضاء والصناعة والكتابة- وسيلة لنقل المعرفة، وبناء الحضارة، وحفظ الحقوق، وترسيخ قيم العدل والإنسانية.
«أنسنة المهن»
وفيما يتعلق بتحديات عصر الذكاء الاصطناعى، شدد وكيل الأزهر على أن التقنيات الحديثة لا ينبغى أن تتحول إلى غاية فى ذاتها، بل تظل أدوات فى خدمة الإنسان والمجتمع، محذرًا من تغليب منطق الكفاءة المجردة على حساب القيم.
وشدد على أن التحدى الحقيقى يكمن فى الحفاظ على «أنسنة المهن» وضبطها بالضمير المهنى والمعايير الأخلاقية، بما يحقق توازنًا بين الإنتاج والعدالة، وبين التطور التقنى وصيانة الكرامة الإنسانية.
الأخلاق
ومن جهته، أوضح فضيلة د. نظير محمد عياد مفتى الجمهورية؛ أن مستقبل المهن فى عصر الذكاء الاصطناعى لا يقوم بمعزل عن الأخلاق والضمير الإنسانى والتشريع الراشد.. وقال: إن التحولات المتسارعة فى سوق العمل تتطلب دمج التمكين التقنى بالمعرفة الأخلاقية والسلوكية، وأن التحدى الحقيقى لا يكمن فى التقنية نفسها، بل فى الإطار القيمى الذى يحكم استخدامها.. وشدد المفتى على أن الخطاب الدينى والإفتائى اليوم مطالب بالوعى والتجديد المنضبط، القائم على فهم الواقع وتحولاته، مع الثبات على الأصول والمقاصد، لضمان ترسيخ أخلاقيات المهن وتوجيهها لخدمة الإنسان والمجتمع.
ركيزة حضارية
وجاءت رؤية الأوقاف الأردنية متسقة مع الرؤية المصرية، حيث أكد الدكتور محمد مسلم الخلايلة، وزير الأوقاف الأردنى، أن المهن فى الإسلام ليست مجرد وسيلة للكسب، بل ركيزة حضارية وقيمية، تربط بين الإيمان والعمل والعمران.
وأوضح أن النبى (صلى الله عليه وسلم) أولى تعليم الحرف والمهن اهتمامًا بالغًا، من الصناعة والتجارة إلى التعليم والطب، وأنشأ سوقًا قائمةً على الإنتاج والعمل، بما يعكس رؤية متكاملة لبناء مجتمع قوى ومتماسك.
الذكاء الاصطناعى
وخلال جلسات المؤتمر أكد عدد من العلماء والمفتين المشاركين أن الذكاء الاصطناعى مهما بلغ من تطور لا يصلح أن يكون بديلًا عن الفتوى الشرعية، وأن الفتوى تتطلب فقهًا راسخًا بالنص والواقع ومقاصد الشريعة، ومسؤولية أخلاقية لا تملكها الآلة، مؤكدين أن الذكاء الاصطناعى يظل أداة مساعدة فى البحث والتنظيم، لا مرجعًا دينيًا ولا مصدرًا للأحكام الشرعية، وأن توظيفه فى المجال الدينى لا بد أن يكون منضبطًا بالضوابط الشرعية وتحت إشراف العلماء المتخصصين.
وفى هذا السياق، شدد الدكتور عبد الله مبروك النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية، على أن الرؤية الإسلامية للمهن رؤية شمولية تربط بين الفكر والتطبيق، وتؤسس لثقافة احترام العمل بوصفه قيمة إنسانية عليا.
واستعرض الدكتور كامل محمد جاهين، أستاذ الحديث بجامعة الأزهر، دور مهنة الكتابة فى العهد النبوى، موضحًا أن تنظيم النبى (صلى الله عليه وسلم) لكتّاب الوحى كان مشروعًا حضاريًا لحفظ الدين وبناء المعرفة، وأن القلم كان ركيزة أساسية فى نهضة الأمة.







