كيف دافعت روزاليوسف عن فكر يوسف شاهين
كاميرا لا ترتعش.. وقلم لا يهتز
آلاء شوقى
المخرج الذى يخاف.. لا يستطيع أن يمسك الكاميرا، سوف ترتعش بين يديه».. كانت هذه الجملة التى نقلتها مجلة «روزاليوسف» على لسان المخرج الراحل «يوسف شاهين» فى حوار سريع أجرته معه نُشر فى يوليو 1989، قبيل دخوله إلى الاستوديو؛ وهى واحدة من أكثر الجمل تعبيرًا عن فلسفته الفنية والحياتية، التى آمن بها، ومارسها- فعليًا- طوال مسيرته السينمائية الحافلة.
وبعد مرور 100 عام على ميلاد «يوسف شاهين»، لا يزال اسمه حاضرًا بقوة، ليس فقط باعتباره أحد أهم مخرجى السينما العربية؛ بل بوصفه واحدًا من أكثر المبدعين إثارة للجدل والاشتباك مع الواقع. فلم يكن المخرج الراحل مجرد صانع أفلام، وإنما صاحب مشروع فكرى متكامل، اختار أن يضع المجتمع فى مواجهة أسئلته المؤجلة، وأن يقتحم المناطق المحرمة دون خوف من الصدام أو سوء الفهم.
ومنذ بداياته؛ راهن «شاهين» على الحرية باعتبارها جوهر الفن، وعلى السينما باعتبارها مساحة للتفكير لا للتسلية فقط؛ فكسر التابوهات الكبرى فى قضايا الدين، والسياسة، والسلطة، والجسد، لا بحثًا عن الاستفزاز؛ وإنما دفاعًا عن حق الإنسان فى المعرفة والاختلاف.
ولذلك؛ لم تكن أفلامه سهلة، ولم يكن طريقه ممهدًا؛ بل كان مليئًا بالمنع، والهجوم، والملاحقات الأخلاقية والفكرية. ولكن، وسط هذه المعارك المتكررة، لم تقف مجلة «روزاليوسف» موقف المتفرج أو الشاهد المحايد؛ وإنما كانت طرفًا فى هذا الاشتباك الثقافي؛ حيث دافعت عن «شاهين» باعتباره تجسيدًا حيًا لفكرة آمنت بها المجلة تاريخيًا، وهى أن الحرية لا تُمنح، وأن الفن الذى لا يُزعج لا يُغَيّر.
وفى هذا الصدد؛ كشفت مقالات وتقارير «روزاليوسف» عن إدراك واضح لخطورة تحويل الاختلاف الفنى إلى قضية أخلاقية أو سياسية تُستخدم كذريعة لتقييد حرية التعبير؛ حيث ركزت المجلة فى تناولها لأزمات «يوسف شاهين» على أن محاكمة الأعمال الفنية يجب أن تتم فى إطار نقدى وثقافى، لا عبر آليات المنع والوصاية. ومن هنا، لم يكن دفاعها يهدف لدعم شخص؛ بل انحيازًا للمبدأ.
(العصفور).. فيلم ممنوع يتحول لشهادة تاريخية
يُعَد فيلم (العصفور) واحدًا من أقوى الأفلام التى عبّرت عن آلام هزيمة حرب 1967، وعن الضغوط السياسية والاجتماعية التى تعرضت لها مصر فى تلك المرحلة.
ورغم أهمية الفيلم وقيمته؛ فإنه مُنع من العرض لمدة عامين، قبل أن يُسمح بعرضه عام 1974.. واستمر دعم المجلة للفيلم حتى بعد 20 عامًا من عرضه.. ففى عدد 17 يناير 1994، قامت «روزاليوسف» بتشكيل لجنة تحكيم من السياسيين والسينمائيين والنقاد لاختيار أفضل الأفلام السياسية فى تاريخ السينما المصرية.
وفى هذا الصدد؛ احتل (العصفور) المرتبة الرابعة ضمن قائمة أفضل الأفلام السياسية، فى إعادة اعتبار واضحة لفيلم تعرّض سابقًا للمنع والتهميش.
الجدير بالذكر أن اللجنة نفسها اختارت فيلمين إضافيين من إخراج «يوسف شاهين» ضمن القائمة، وهما فيلم (جميلة) عام 1958، الذى جاء فى المركز الثانى، وفيلم (الأرض) عام 1970 الذى حل فى المركز السابع، بما يؤكد مكانة «شاهين» كمُخرج ارتبط مشروعه السينمائى بالقضايا السياسية والإنسانية الكبرى.
(القاهرة منورة بأهلها).. مدينة خارج الصورة الرسمية
فى فيلم (القاهرة منورة بأهلها) عام 1991، حكى «شاهين» عن القاهرة- وقتها- كما هى لا كما يُحب أن يراها المسئولون، فتحدث عن مشاكل البطالة والتطرف الدينى وتلوث النيل وسوء الخدمات ومدى البؤس الذى يعيشه البعض. ومُنع الفيلم بذريعة أنه يشوه صورة مصر!!
يمزج «شاهين» بين النوعين، التسجيلى والروائى، لتقديم صورة للقاهرة، تلك العاصمة الصاخبة التى تُعد مركزًا رئيسيًّا فى العالم العربي؛ حيث صور الجانب القاتم من القاهرة الذى يُظهر خليطا فوضوى من الفقر، والازدحام، والترف، وزيادة التعصب الدينى.. وعليه؛ ثارت ضجة كبيرة فى الصحافة المصرية، خاصة بعد عرض «يوسف شاهين» الفيلم فى مهرجان «كان» عام 1990 من دون أن يمر على الرقابة المصرية..
وفى هذا الصدد، كانت «روزاليوسف» المجلة الوحيدة التى ساندت الفيلم ومخرجه وكتب محرروها مقالات تدعم الفيلم الذى تناول الإرهاب من وجهة نظر شديدة الأهمية وحذر مما قد تسببه بطالة الشباب من سهولة مهمة المتطرفين لجذبهم وتجنيدهم، حيث أكدت المجلة فى موضوع بعنوان «قاهرة شاهين.. وقاهرة الغاضبين» والصادر فى المجلة بتاريخ 3 يونيو 1991 أن الفيلم تناول العاصمة من صورة أخرى مغايرة وهى من جانب الفقر، ما لاقى نقدا واضحا ممن شاهدوا الفيلم أو سمعوا عنه فقط، وعلقت المجلة ساخرة- بعد عرض سردى ونقدى للفيلم- قائلة: «إن هذه هى القاهرة كما يراها «شاهين» ومن حق الغاضبين على هذه الرؤية تقديم قاهرة أخرى»!!.
(المهاجر) معركة الحلم والحق فى العرض
عُرض فيلم (المهاجر) فى عام 1994، وهو من تأليف وإخراج «يوسف شاهين» إلا أنه تعرّض لانتقادات عنيفة، وأثار ضجة كبيرة فور عرضه، وصلت إلى حد مقاضاة القائمين عليه، ومنعه من العرض. وأمام هذا المنع، أصر «شاهين» على رفع دعوى قضائية من أجل عرض الفيلم، وهى الدعوى التى حُكم لصالحه فيها؛ وهو ما احتفت به صفحات المجلة فى العدد الصادر بتاريخ 3 أبريل 1995 فى موضوع بعنوان «عودة المهاجر بحكم القضاء»؛ حيث استطاعت المجلة إجراء حديث جانبى مع «يوسف شاهين» قبيل النطق بالحكم، لتسأله عما إذا كان متفائلاً، فأجاب أنه «متفائل جدًا».
لكن، قبل صدور حكم المحكمة، كانت صفحات المجلة طوال العام السابق منبر الدفاع عن الفيلم؛ ففى واحدة من صور الدفاع، أكدت «روزاليوسف» فى العدد الصادر فى 12 سبتمبر 1994، فى موضوع بعنوان «المهاجر»، أن الفيلم: «كان حلمًا فى وجدان «يوسف شاهين» قبل أن يتعلم حرفة السينما، وأن السنوات السبعين التى يقف على أبوابها المخرج أنضجت هذا الحلم، وقدمه لنا بروح الطفل وحكمة الشيخ، ليصبح حلمه وحلمنا، وأيضًا علمنا».
وأضافت المجلة إن (المهاجر) ليس فيلمًا لـ«يوسف شاهين»؛ بل تتويجٌ لرحلته السينمائية التى تتجاوز أربعين عامًا، ليصبح درته الفنية.
وجاء هذا الطرح بعد تقرير آخر نشرته المجلة فى 5 سبتمبر 1994 بعنوان «المهاجر من محاذير الأزهر إلى تشجيع المفتى»، سرد جميع التحديات التى واجهت الفيلم حتى خروجه إلى النور؛ إذ أوضح التقرير أن الفيلم استغرق 3 سنوات للانتقال من عقل «شاهين» إلى الورق، و16 أسبوعًا لتصويره، إلى جانب شهور طويلة تنقل خلالها السيناريو بين مكتب «شاهين»، والأزهر، والرقابة، فى معركة طويلة حتى تصل صرخة المخرج إلى الشاشات البيضاء.
وقبيل عرض الفيلم نفسه، قالت مجلة «روزاليوسف» فى عدد 25 مارس 1994، فى موضوع بعنوان «جنون يوسف شاهين قريبًا»، إنه: «عندما قدّم يوسف شاهين فيلم (باب الحديد)، و(الاختيار)، و(الأرض)، أثبت أنه مخرج عبقرى.. وفى فيلم (العصفور) تبين أنه منتج مجنون ومخرج وصل لأعلى مراحل التكنيك السينمائى».
(المصير).. ملف كامل عن التنوير
أمّا فيلم المصير عام 1997، الذى أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط الثقافية، خاصة لتناوله قضايا التطرف الدينى، والعلاقة بين السلطة والمثقف؛ فلم يقتصر دفاع «روزاليوسف» عن الفيلم على مقال أو اثنين؛ بل خصصت له ملفًا كاملًا فى عدد 25 أغسطس 1997 بعنوان «التحليل السياسى لفيلم المصير».
فسلط الملف الضوء على جوانب الفيلم المختلفة، بدءًا من الفن وصولًا إلى الفكر الدينى، دعمًا لفكرة الفيلم ورؤيته. حيث أكدت «روزاليوسف» فى هذا الملف، أن: «(المصير) يمثل رسالة سينمائية طويلة، وتفصيلية، وغير مسبوقة، يقدم فيها يوسف شاهين بجرأة ووضوح خلاصة رؤيته لأخطر القضايا والأزمات التى يمر بها المجتمع- حينها- وهى آليات التطرف والإرهاب ولعبته الخطرة مع السلطة.. والعلاقة بين المثقف والحاكم».
وشدد الملف على أن «يوسف شاهين» قدم فيلمه وهو يدرك أن الأحداث التى تدور فى الماضى لن تبعد المشاهدين عن الحاضر والمستقبل.
جاء ذلك بعد أن كتبت المجلة فى عدد 5 مايو 1997، فى موضوع بعنوان «المصير وثيقة تنوير على الشاشة»، أن: « «يوسف شاهين» يبحر مرة أخرى فى بحر التاريخ ليستخرج لنا لؤلؤة معاصرة تشع من جنباتها جرأة التناول، وشجاعة المواجهة، وبراعة التحليل، ونضج الرؤية، وعمق البصيرة، ليقدم عملًا يليق بالحاضر متدثرًا بالتاريخ».
يوسف شاهين: المخرج فى مواجهة الرقابة
لم تكتفِ «روزاليوسف» بالدفاع عن أفلام «يوسف شاهين»؛ بل أتاحت له مساحة للتعبير عن رؤيته وفلسفته فى الإخراج والرقابة فى مناسبات عديدة، من أبرزها حوار نُشر فى عدد 14 أكتوبر 1974 بعنوان «رحلة مع مخرج العصفور»، حين قال شاهين، إن: «الإخراج ينقلنى من الفردية إلى الجماعية... فالكتاب يحرك الناس ذهنيًا، وأنا مخرج أحركهم فعليًا.»
وفى حوار آخر نُشر فى عدد يوليو 1989، قال: «قد أختلف مع الرقابة، لكنى لا أعيد النظر فيما كتبت، وأناقش الرقيب فى القوانين التى وضعها. هذه ليست قوانين سماوية لكنها قابلة للنقاش. وطالما أننى لا أكذب فسوف أنتصر فى معركتى، وستصل كلمتى كما أريدها... لا تضع فى ذهنك الرقابة، المهم هو الجمهور».
بَعد 100 عام على ميلاده، لا يعود «يوسف شاهين» مجرد اسم فى الذاكرة؛ بل يعود بوصفه قلقًا مستمرًا، وأسئلة مفتوحة لم تهدأ.. وهكذا، التقت مجلة «روزاليوسف» مع المخرج الراحل عند نقطة واحدة، بأن الإيمان بأن الفكر الحر ضرورة، وأن السينما- حين تكون شجاعة- تصبح أداة تنوير.







