الثلاثاء 27 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

80 عاما من الحكمة

شهادات على سيرة الإمام

فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، هو المرجع الإسلامى السنى الأبرز فى العالم، تولى أكبر منصب دينى إسلامى، وشيخًا لأعظم مؤسسة إسلامية وعربية فى العالم منذ 19 مارس 2010، خلفًا للإمام الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوى؛ كما يرأس الإمام الأكبر الطيب هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث الإسلامية، والمجلس الأعلى للأزهر الشريف.



وهو معروفٌ بأنه من كبار مفكرى الإسلام السنى، ومشهور بعلمه الواسع وحكمته العميقة وآرائه الدينية التى تتسم بالسماحة والوسطية فى قضايا المسلمين المعاصرة؛ أكمل الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، فى السادس من يناير 2026، عامه الـ80، حيث لُقِّب بـ«إمام السلام»، و«أبو الوافدين» وهو الإمام الخمسين لمشيخة الأزهر الشريف، وله تجربةٍ فريدة، أعادت للأزهر الشريف مكانته التاريخية، لا بوصفه مؤسسة تعليمية فحسب، بل باعتباره ضميرًا أخلاقيًا عالميًا فى زمن الاضطراب.

إن قراءة مسيرة الإمام الأكبر لا تكتمل عبر سرد الإنجازات فقط، بل تتطلب الوقوف عند شهادات رجاله الأقرب، أولئك الذين عايشوا التجربة من الداخل، ورأوا كيف تحوّلت القيادة إلى مشروعٍ حضارى متكامل، تتقدّم فيه القيم على الشعارات، والإنسان على الصراع، والحكمة على الضجيج.

الجذور

من هذا المنطلق، تأتى شهادة الأستاذ الدكتور محمد الضوينى وكيل الأزهر الشريف، باعتبارها مفتاحًا لفهم البنية العميقة لشخصية الإمام الأكبر. فبحسب الضوينى، لا يمكن فصل الإمام أحمد الطيب عن بيئته الأولى فى مدينة القرنة بصعيد مصر، حيث نشأ فى ساحة آل الطيب، تلك الساحة التى ارتبط اسمها تاريخيًا بالإصلاح بين الناس، وحقن الدماء، وتقديم السِّلم الاجتماعى على الثأر والنزاع.

هذه النشأة، كما يوضح وكيل الأزهر، لم تكن مجرد خلفية اجتماعية، بل شكّلت وعيًا مبكرًا يعتبر العدل عبادة، والإصلاح واجبًا دينيًا، والحكمة سبيلًا وحيدًا لحفظ المجتمعات من الانقسام. ومن هنا، يمكن فهم كثير من مواقف الإمام الأكبر اللاحقة، التى بدت للبعض صامتة، لكنها فى حقيقتها كانت صمت الحكماء، لا تراجع المترددين. 

الأزهر

يشير وكيل الأزهر إلى أن انتقال الإمام الطيب إلى الأزهر الشريف مثّل لحظة تحول حاسمة، حيث التقت الجذور الصعيدية الصلبة بالتراث الأزهرى العريق، فتكوّنت شخصية علمية وروحية تجمع بين الرسوخ والانفتاح، وبين الوفاء للثوابت والقدرة على قراءة الواقع.

ومن هذا التكوين، تجاوز دور الإمام الأكبر حدود الإدارة المؤسسية، ليصبح – كما يصفه د. الضوينى – صوتًا عالميًا للعقل والحكمة، وحاملًا لهموم الإنسانية فى مواجهة موجات الكراهية والعنف، دون أن يفقد بوصلته العلمية أو يساوم على ثوابت الدين.

مواقفه 

ولا تكتمل الشهادة دون التوقف عند المواقف؛ فبحسب وكيل الأزهر، فإن مواقف الإمام الأكبر فى نصرة الفقراء، والدفاع عن حقوق المرأة، والانحياز للضعفاء، لم تكن مواقف موسمية أو استجابة لضغطٍ إعلامى، بل كانت امتدادًا طبيعيًا لفهمٍ عميقٍ للرسالة الدينية.

وتبرز هنا مواقفه الثابتة تجاه القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وغزة، حيث حافظ الإمام الأكبر على خطابٍ أخلاقى صلب، يرفض العدوان، وينحاز لحقوق الإنسان، دون أن ينزلق إلى المزايدات أو الخطابات الانفعالية.

نهضة مؤسسية 

وإذا كانت شهادة وكيل الأزهر قد قدّمت البعد الإنسانى والفكرى للقيادة، فإن شهادة الدكتور سلامة جمعة داود، رئيس جامعة الأزهر، تكشف عن الوجه المؤسسى لتلك الرؤية، حيث يؤكد أن الأزهر الشريف شهد فى عهد الإمام الطيب نهضةً شاملة وغير مسبوقة، أعادت ترتيب الأولويات، ورسّخت العمل المؤسسى طويل المدى.

ويشير رئيس جامعة الأزهر إلى أن هذه النهضة لم تقم على فكرة الهدم والبناء، بل على التطوير المتزن، الذى يحافظ على الثوابت، ويواكب العصر، دون أن يفقد الأزهر هويته أو رسالته.

ويشير رئيس جامعة الأزهر إلى أن الزهد الذى جسّده الإمام الأكبر لم يكن عزوفًا عن الشأن العام أو ابتعادًا عن دوائر التأثير، بل كان اختيارًا واعيًا يهدف إلى تحرير القرار، وضمان استقلال الموقف، وهو ما تجلى بوضوح فى عدم تقاضيه أى مقابل مادى عن توليه مشيخة الأزهر، فى دلالة رمزية عميقة أعادت تعريف مفهوم القيادة الدينية باعتبارها تكليفًا ومسئولية، لا امتيازًا أو مصدرًا للنفوذ..

ويرى داود أن هذا التجرد منح الإمام الأكبر قدرة استثنائية على اتخاذ مواقف متزنة وصلبة فى آن واحد، دون أن يخضع لحسابات المصلحة أو ضغوط الواقع.

 ومن هذا المنطلق، يربط رئيس جامعة الأزهر بين نقاء اليد وقوة الموقف، معتبرًا أن العدل فى تجربة الإمام الطيب لم يكن خطابًا نظريًا أو شعارًا أخلاقيًا، بل ممارسة يومية متجذرة فى سلوكه وقراراته، حيث يحرص على استقبال أصحاب الشكاوى والمظالم، والاستماع إليهم بنفسه، ومتابعة قضاياهم حتى تُرد الحقوق إلى أصحابها، فى صورة تعكس فهمًا عمليًا لدور العالم الدينى بوصفه نصيرًا للحق، لا شاهدًا محايدًا عليه.

ويمتد هذا البعد الإنسانى، بحسب حديث د. سلامة داود، إلى رعايته المستمرة للطلاب الوافدين، واهتمامه الدائم بالفقراء والمحتاجين، باعتبارهم جزءًا أصيلًا من رسالة الأزهر، لا عبئًا اجتماعيًا طارئًا.

مواقفه الدولية

أكد رئيس جامعة الأزهر؛ أن همّ الأمة حاضر على الدوام فى فكر ومواقف الإمام الأكبر، وفى مقدمة ذلك موقفه الثابت من القضية الفلسطينية، وما يتعرض له الشعب الفلسطينى، ولا سيما فى قطاع غزة، من معاناة وعدوان متواصل.

وتحركات الأزهر الإغاثية والإنسانية فى هذا الشأن لم تكن ردود أفعال مؤقتة، بل هى تعبير عن رؤية راسخة ترى أن نصرة المظلوم واجب دينى وأخلاقى لا يقبل المساومة أو التأجيل. 

ويضيف: إن هذا الانحياز الواضح لقضايا الأمة أعاد للأزهر حضوره التاريخى كمرجعية معنوية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وتستند إلى ضمير إنسانى حى.

وأد الخلافات 

وفى السياق نفسه، يرى داود أن دعوة الإمام الأكبر إلى الحوار الإسلامى–الإسلامى، وسعيه الدءوب لتجاوز الخلافات المذهبية، لا تنفصل عن مشروعه الأوسع فى ترسيخ ثقافة الأخوة الإنسانية، حيث ينبع كلا المسارين من إدراك عميق بأن الانقسام يضعف الأمة، وأن الحوار هو الطريق الأكثر أمانًا للحفاظ على وحدة المجتمعات واستقرارها.

 ويؤكد أن توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية عام 2019 لم يكن حدثًا احتفاليًا عابرًا، بل تتويجًا لمسار طويل من العمل الهادئ على بناء جسور الثقة بين الأديان والثقافات، وهو المسار الذى انعكس محليًا فى إنشاء «بيت العائلة المصرية» بوصفه نموذجًا عمليًا لحماية النسيج الوطنى وترسيخ قيم التعايش المشترك.

مكانة الأزهر

ويخلص رئيس جامعة الأزهر إلى أن الإمام الأكبر يظل مؤتمنًا على مآذن الأزهر الشريف، وحارسًا أمينًا لمنهجه الوسطى، وممثلًا لقيمه الحضارية فى الداخل والخارج، وأن هذه الأمانة هى التى أعادت للأزهر مكانته العالمية ورمزيته التاريخية، لا باعتباره مؤسسة تعليمية فحسب، بل بوصفه ضميرًا حيًا للأمة، وملاذًا إنسانيًا فى عالم يموج بالاضطراب.

ميزان الإنسانية

ومن الدائرة المحلية إلى الأفق العالمى، تأتى شهادة المستشار محمد عبد السلام، الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين، لتؤكد أن الإمام الأكبر لم يكن قائدًا محليًا فحسب، بل رمزًا إنسانيًا عالميًا، غرس الله محبته فى قلوب الناس، وجعله صوتًا صادقًا للحق والعدل، وضميرًا حيًّا للإنسانية.

 

 

 

كما ترسخ شهادة الدكتور عبدالحميد متولى، رئيس المركز الإسلامى العالمى للتسامح والسلام فى أمريكا اللاتينية، الرؤية العالمية لمسيرة فضيلة الإمام الأكبر، حيث يؤكد أن التأمل فى مسيرة الإمام الأكبر الدكتور أحمد محمد الطيب يكشف عن نموذج نادر للعالم الربانى، ذلك الذى جمع بين عمق العلم وحكمة الموقف وشجاعة الكلمة، فاستطاع أن يكون صوتًا للحق فى المحافل الدولية، دون أن يفقد اتزانه، أو يفرّط فى ثوابت رسالته.

ويشير متولى إلى أن حضور الإمام الأكبر فى الساحات الدولية لم يكن حضورًا بروتوكوليًا أو رمزيًا، بل هو حضور فكرى وأخلاقى فاعل، دافع من خلاله بصدق عن قضايا الأمة، وعبّر عن آلامها وهمومها بلغة عقلانية رصينة، قادرة على مخاطبة العالم بلغة يفهمها، دون مواربة أو تصادم. ويؤكد أن هذه القدرة على الجمع بين الصلابة فى الموقف والانفتاح فى الخطاب تمثل أحد أسرار التأثير العالمى لشيخ الأزهر، فى زمن اختلطت فيه المفاهيم، وساد فيه خطاب الكراهية وسوء الفهم.

ويشدّد رئيس المركز الإسلامى العالمى للتسامح والسلام بأمريكا اللاتينية على أن الإمام الأكبر حمل على عاتقه مهمة تصحيح الصورة المشوهة عن الإسلام، لا عبر الدفاع الانفعالى، بل من خلال خطاب علمى وإنسانى عميق، يُبرز الإسلام بوصفه دين رحمة وعدل، لا دين عنف أو إقصاء.

واجه التطرف

ويضيف: إن مواجهة التطرف والغلو فى رؤية الإمام الطيب لم تكن مجرد رد فعل على أحداث عابرة، وإنما هى مشروع متكامل، يقوم على تفكيك الفكر المنحرف من جذوره، وإعادة تقديم القيم الإسلامية فى سياقها الصحيح، بما يحفظ كرامة الإنسان، ويصون حقه فى الاختلاف.

ويرى متولى أن مبادرات الإمام الأكبر، ولقاءاته المتكررة مع قادة الأديان والثقافات حول العالم، أسهمت فى بناء جسور حقيقية للتفاهم الإنسانى، تجاوزت حدود المجاملات الدبلوماسية إلى شراكات أخلاقية وفكرية، أعادت الاعتبار لقيم الأخوة والسلام العالمى. 

ويؤكد أن هذه الجهود جعلت من الأزهر، بقيادة الإمام الطيب، مرجعية موثوقة فى قضايا الحوار بين الأديان، وصوتًا عاقلًا فى عالم أنهكته الصراعات، وبات فى أمسّ الحاجة إلى خطاب دينى رشيد يعيد للإنسان إنسانيته، وللدين دوره فى البناء لا الهدم.

مدرسة الاعتدال 

ويقدّم الدكتور محمد عبد الدايم الجندى، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، قراءة علمية معمّقة لدور الإمام الأكبر، معتبرًا إياه قامةً علمية نادرة، أعادت للأزهر حضوره العالمى، ورسّخت مكانته مرجعيةً كبرى للاعتدال فى زمن الفوضى الفكرية.

ويؤكد الجندى أن وثيقة الأخوة الإنسانية شكّلت لحظة مفصلية فى تاريخ الحوار بين الأديان، وأسست لمرحلة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل، وصون كرامة الإنسان، بعيدًا عن صدام الحضارات أو منطق الإقصاء؛ وإن مجموع هذه الشهادات لا يرسم صورة قائدٍ تقليدى، بل يقدّم نموذجًا لقيادةٍ رسالة، أدركت أن الأزهر لا يُدار بمنطق السلطة، بل بروح الحكمة، وأن صناعة الأثر الحقيقى لا تكون بالصوت العالى، بل بالعمل الهادئ، والثبات، والصدق مع الله والناس.