بعد تصنيف واشنطن الإخوان منظمة إرهابية
خريطة جديدة للإسلام السياسى فى الشرق الأوسط
داليا طه
أثار قرار إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بتصنيف ثلاثة فروع لجماعة الإخوان المسلمين فى الشرق الأوسط كمنظمات إرهابية، موجة واسعة من التساؤلات القانونية والسياسية، وفى مقدمتها ما مدى قانونية الإجراء؟ وما الذى يترتب عليه عمليًا على مستوى الأفراد والدول والمنطقة؟
القرار شمل فروع الجماعة فى مصر والأردن ولبنان، ولا يقتصر على توصيف سياسى، بل يترجم إلى عقوبات مباشرة، وقيود قانونية صارمة، تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الولايات المتحدة.
وأعلنت وزارتا الخزانة والخارجية الأمريكيتين، تصنيف ثلاثة فروع لجماعة الإخوان المسلمين فى الشرق الأوسط كمنظمات إرهابية، وفرض عقوبات عليها وعلى أعضائها، كونها تشكّل خطرًا على الولايات المتحدة ومصالحها.
وحسب البيانات الرسمية، فقد اتخذت وزارة الخارجية الأمريكية خطوة أكثر تشددًا تجاه الفرع اللبنانى للجماعة، حيث صنفته كمنظمة إرهابية أجنبية، وهو التصنيف الأشد فى القانون الأمريكى، ويترتب عليه اعتبار أى دعم مادى أو مالى أو لوجستى جريمة جنائية يعاقب عليها القانون.. فى المقابل، صنفت وزارة الخزانة الفرعين المصرى والأردنى كمنظمات إرهابية عالمية، وهو تصنيف يتيح فرض عقوبات مالية واسعة، تشمل تجميد الأصول، ومنع التعاملات البنكية، وحظر أى أنشطة اقتصادية مرتبطة بهما.
القائمة الأوروبية
فى باريس، كشف البرلمان الفرنسى عن مقترح قانون يهدف إلى إدراج جماعة الإخوان ضمن القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، وهو مقترح تقدم به فريق «حزب الجمهوريون اليمينى» داخل الجمعية الوطنية الفرنسية استعدادًا للجلسة البرلمانية المقررة فى 22 يناير الجارى، فى خطوة سياسية وأمنية لافتة داخل المشهد الأوروبى.
ووفقا لموقع CNEWS الفرنسى، فإن المقترح يأتى ضمن 10 مشاريع قوانين سيطرحها فريق «حزب الجمهوريون» فى نافذة سنوية مخصصة للكتل البرلمانية تعكس توجهاته الأمنية والأيديولوجية، ويهدف النص إلى الضغط من أجل اتخاذ موقف أقوى تجاه الإخوان على صعيد الاتحاد الأوروبى، من خلال إضافة اسم الجماعة رسميًا إلى قائمته للمنظمات الإرهابية.
ووفقًا لصحيفة لوفيجاورو، فإن التحرك الفرنسى يعكس تصاعد الجدل فى باريس حول ما يسمى الاختراق الأيديولوجى أو التغلل الذى تنسبه بعض القوى السياسية للإخوان داخل المجتمعات والمؤسسات الأوروبية، وهو نقاش اشتد خلال الأشهر الماضية، بالتزامن مع تقارير وتحقيقات أصدرتها جهات أمنية وسياسية حول التيارات المرتبطة بالإخوان داخل فرنسا.
الأساس القانونى
ويعكس اختلاف طبيعة التصنيف بين لبنان من جهة ومصر والأردن من جهة أخرى، مقاربة أمريكية متعددة المستويات.
وخضع الفرع اللبنانى لتصنيف «المنظمة الإرهابية الأجنبية»، وهو الإطار القانونى الأكثر صرامة، فيما بررت وزارة الخزانة تصنيف الفرعين المصرى والأردنى بدعمهما لحركة «حماس»، ما وضعهما تحت بند الإرهاب العالمى.
ويعكس التباين بحسب مراقبين، اختلافًا فى طبيعة الدور السياسى والأمنى الذى تنسبه واشنطن لكل فرع، وليس بالضرورة اختلافًا فى الموقف الأيديولوجى من الجماعة ككل.
قانونيًا، تمتلك الولايات المتحدة صلاحيات واسعة لتصنيف كيانات أجنبية كمنظمات إرهابية، استنادًا إلى قوانين الأمن القومى ومكافحة الإرهاب، غير أن الإشكالية كما يطرحها خبراء قانونيون تكمن فى تعميم التصنيف على فروع سياسية وتنظيمية تعمل فى سياقات قانونية مختلفة داخل دولها.
ولا يستند القرار إلى أحكام قضائية دولية، ولا إلى توافق أممى، بل إلى تقييم أمريكى أحادى، يرى أن تلك الفروع تمثل تهديدًا مباشرًا أو غير مباشر للمصالح الأمريكية.
ويرى محللون أن القرار يحمل أبعادًا سياسية لا تقل أهمية عن أبعاده الأمنية، إذ يعكس توجهًا أمريكيًا متشددًا تجاه الإسلام السياسى عمومًا، وليس فقط تجاه جماعة بعينها.
كما يتقاطع القرار مع تحالفات إقليمية قائمة، ومع ملفات ساخنة فى المنطقة، على رأسها الصراع فى غزة، ودور حماس وحلفائها.
التداعيات
يقول الدكتور أحمد سيد أحمد - خبير العلاقات الدولية والشئون الأمريكية - إن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية يحمل العديد من التداعيات والدلالات المهمة، لأنه يعكس تحولا فى الموقف الأمريكى الذى كان يستخدم الجماعات الإرهابية كأداة من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة فى ظل عهد الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما الذى كان يستخدم جماعة الإخوان تحت مظلة أنها جماعة معتدلة، كما استخدمها كمخلب قط فيما يعرف بالربيع العربى لهدم الدول العربية، وتمكين جماعات الإسلام السياسى للوصول إلى السلطة، مما أدى إلى صراعات.
وأضاف فى تصريحات خاصة بمجلة روزاليوسف: إن القرار بمثابة تحولاً نوعيًا يفقد جماعة الإخوان داعم كبير، كان يتغاضى عن اتخاذ الغرب حاضنة لها لممارسة أعمالها الإرهابية، والتغلغل فى تلك الدول لجمع الأموال تحت مظلة الأعمال الخيرية.
وأوضح أن من شأن التصنيف الأمريكى من الناحية القانونية، أن يتم تجريم أى طرف يتعامل مع تلك المنظمات، أو فرض عقوبات على الدول التى تتعامل مع الإخوان فى هذه الدول الثلاث، كما أنه أكد التوجه المصرى الذى حذر مبكرًا من الجماعة الإرهابية.
وقال: «تجفيف المنابع التمويلية سيفقد التنظيم قوته المالية والتنظيمية، رغم تواجده فى أكثر من 70 دولة، كما أن التصنيف الأمريكى يشجع دولا أخرى فى الغرب على القيام بنفس الخطوة وتجميد أرصدة تلك المنظمات».
الموقف المصرى
رحّبت مصر بقرار الولايات المتحدة إدراج جماعة الإخوان المسلمين فى مصر على قائمة الكيانات الإرهابية العالمية المصنّفة بشكل خاص (SDGT)، معتبرة أن الخطوة تمثل تطورًا مهمًا يعكس ما تصفه القاهرة بخطورة الجماعة وأيديولوجيتها المتطرفة على الأمن الإقليمى والدولى.
وقالت وزارة الخارجية المصرية، فى بيان، إن تصنيف واشنطن للجماعة الإرهابية يتماشى مع الموقف المصرى الثابت تجاه الإخوان، مشيرة إلى أن القاهرة كانت قد صنّفت الجماعة تنظيمًا إرهابيًا منذ عام 2013.
وأضاف البيان، أن مصر تثمّن الجهود التى تبذلها الإدارة الأمريكية فى مكافحة الإرهاب الدولى تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب، مؤكدًا أن الجماعة قامت على العنف والتحريض واستغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية.
وأشار البيان إلى أن مصر ودولًا فى المنطقة عانت على مدار عقود من ممارسات الجماعة، مضيفًا أن تصنيف الولايات المتحدة يؤكد وجاهة الموقف المصرى الذى تم تبنيه عقب أحداث 30 يونيو 2013.
ومن لبنان، قالت الدكتورة زينة منصور- الباحثة فى العلوم السياسية - إن القرار يأتى فى سياق إعادة هندسة وتشكيل وتكوين الشرق الأوسط الجديد، الخالى من فصائل الإسلام السياسى بجناحيه السنى والشيعى، والاتجاه نحو السلام وتصفير الأزمات والصراعات، وفى مقدمتها الصراع مع دولة إسرائيل.
وأضافت فى تصريحات خاصة لمجلة روزاليوسف، إن التصنيف فى لبنان يشكل عامل ضغط على كل من الجماعة الإسلامية السنية، وهى حزب سياسى إسلامى سنى تأسس عام 1964، وجمعية الأحباش وهى جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية السنية.
وأوضحت أن تلك الجماعات تدور فى فلك ما يسمى بمحور المقاومة وحزب الله وحماس، وحزب الله فى لبنان لديه واحدة من أكبر الكتل النيابية، وممثلا فى الحكومة والبرلمان، ولم يتأثر بالتصنيف على قوائم الإرهاب لأنه عوض ذلك ببناء ترسانته العسكرية والمالية.
وقالت: إن الشرق الأوسط الجديد كما يتم تصميمه بالتعاون مع الشركاء الإقليميين يضمن مصالح الولايات المتحدة وحلفائها بالمنطقة، وينبغى أن يخلو من كل التنظيمات الجهادية الراديكالية الإسلاموية بأبعادها السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، لأنها تزعزع الأمن والاستقرار الإقليمى، وتشكل خطرًا، إلى جانب دفعها المنطقة فى حروب وأزمات تحت عنوان الصراع مع دولة إسرائيل.
وتخوفت الباحثة من إمكانية تملص تلك التنظيمات من القرار بطرق مخفية غير مشروعة وغير قانونية عبر الحددود، أو عبر أشخاص أو أنشطة اقتصادية، مثل تجارة المخدرات وتهريب الأسلحة، وذلك بمساعدة دول أخرى قد تكون مستفيدة من استمرار تلك التنظيمات.
الآثار المترتبة على هذا التصنيف لا تقتصر على الجماعات المصنفة نفسها، بل تمتد إلى شبكة واسعة من الأفراد والمؤسسات، فهى تجرم أى دعم مادى للفرع اللبنانى داخل الولايات المتحدة، أو عبر النظام المالى الأمريكى، وتقضى بتجميد الأصول المرتبطة بالفرعين المصرى والأردنى، ومنع أى تعاملات مالية أو مصرفية معهما، وتعريض الأفراد المرتبطين بالجماعة، سواء سياسيًا أو ماليًا، لخطر الملاحقة القانونية أو إدراجهم على قوائم العقوبات، إلى جانب تضييق المساحة السياسية أمام أى نشاط مرتبط بالجماعة فى الخارج، حتى لو كان ذا طابع اجتماعى أو خيرى.
بداية وليس نهاية
وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو، وصف القرار بأنه خطوة أولى لإحباط أعمال الإخوان، مؤكدًا أن واشنطن تستخدم جميع الأدوات المتاحة لحرمان الجماعة من أى موارد.
وتشير تلك التصريحات بوضوح إلى أن القرار ليس إجراءً معزولًا، بل جزء من سياسة تصعيدية مفتوحة، قد تشمل خطوات إضافية مستقبلًا، سواء على مستوى العقوبات أو توسيع نطاق التصنيف.
وأخيرًا، يفتح قرار إدارة ترامب بحظر فروع جماعة الإخوان المسلمين فى مصر والأردن ولبنان بابًا واسعًا للأسئلة القانونية والسياسية، حول حدود الصلاحيات الأمريكية، وتأثير القرارات الأحادية على التوازنات الإقليمية. بينما تصفه واشنطن بأنه إجراء لحماية أمنها ومصالحها، يبقى الجدل قائمًا حول مدى قانونيته الدولية، وما إذا كان سيحقق استقرارًا حقيقيًا، أم يضيف تعقيدًا جديدًا إلى مشهد إقليمى مضطرب بالفعل.







