الثلاثاء 20 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من لعبة إلى إدمان..

المراهنات الإلكترونية.. النهب الصامت

لم يعد القمار مجرد فعل يتم فى أماكن مغلقة أو عبر وسطاء مجهولين بل أصبح نشاطًا رقميًا مفتوحًا، ينتقل بين الهواتف المحمولة بسهولة. فبمجرد ضغطة زر يتسلل هذا الخطر إلى غرف المراهقين تحت لافتات الألعاب والتجربة المجانية والمكسب السريع.  



 وفى عالم افتراضى بلا رقابة حقيقية تتحول المراهنات الإلكترونية من وسيلة ترفيه عابرة إلى سلوك إدمانى متكامل يستهدف فئة عمرية لم تكتمل لديها القدرة على التمييز بين المخاطرة والتسلية. الخطر لا يكمن فقط فى خسارة المال بل فى الآليات النفسية المعقدة التى تعتمد عليها هذه المواقع من ألوان جذابة ومؤثرات صوتية ونظام مكافآت مصمم بعناية لإبقاء المستخدم فى دائرة متصلة من الترقب واللهفة والرغبة فى التعويض.

 ومع تكرار التجربة، تتآكل الحدود بين اللعب والمراهنة ويتحول السلوك إلى نمط قهرى يسيطر على التفكير ويؤثر فى العلاقات الاجتماعية، والتحصيل الدراسى، والاستقرار النفسي.

 «روزاليوسف» تنبهت إلى هذه الظاهرة الجديدة ونرصدها هنا من زوايا متعددة عبر شهادات مباشرة لشباب خاضوا التجربة أو اقتربوا منها، ونكشف الطرق التى تنتشر بها هذه المواقع بين المراهقين، مرورًا برأى خبراء الطب النفسى الذين يؤكدون تصنيف المراهنات الإلكترونية كنوع من الإدمان السلوكى، وصولًا إلى التحذير من غياب الرقابة وترك الشباب فريسة لوهم الربح السريع، فى واقع قد تكون فيه الخسارة أعمق من مجرد أموال مهدرة.

 

ألعاب للتسلية أم مخدرات إلكترونية؟

يقول عبدالله حاتم 18 عاما، معظم من هم فى سننا يلعبون على مواقع ألعاب عادية لكن لدى أصدقاء يدخلون مواقع أخرى، يلعبون فيها ويجمعون نقاطًا لاستخدامها فى البث المباشر على تطبيق “تيك توك”مثل إرسال “الحوت” وغيرها من الهدايا، ولكن دون مقابل مادى، هذه المواقع تقوم بعمل اختراق أو هاك للنقاط، ولذلك تكون مجانية.

 وفى الأساس، عند فتح هذه المواقع تظهر إعلانات كثيرة، وقد تكون مرتبطة بالقمار أو بشراء أشياء غير قانونية، وعادة ما تكون أول عشر مرات مجانية على سبيل التجربة، ثم بعد ذلك يتم الدفع مقابل اللعب.

وهناك مواقع يتعرف عليها الشباب من خلال مقاطع مصورة لرائد أعمال كندى، يتحدث عن أنه بدأ شركته بهذه الطريقة، وهو شخص معروف، ويتأثر به الشباب ويقلدونه، خاصة بعدما حقق مليارات من هذا المجال.

ويقول أدهم محمد أحد أصدقائى شقيقه منفصل عن عائلته منذ فترة طويلة، وكان يتعاطى الخمور منذ سن الخامسة والعشرين، كما كان يلعب المراهنات على مواقع معروفة.

 فى البداية كسب أموالًا كثيرة، وكون ثروة، وسافر إلى إنجلترا واستقر هناك، ويتواصل مع أهله على فترات متباعدة، رغم رغبتهم فى عودته لكنه، للأسف، استقر هناك، وأصبح يقدم دورات تدريبية يشرح فيها كيفية تحقيق المال من هذه المواقع.

وما عرفته لاحقًا أنهم يستخدمون كل شيء بشكل خاص وسرى، حتى أرقام الهواتف، لأن هذا النشاط ممنوع فى الخارج بسبب الرقابة وللدخول إلى هذه المواقع يستخدمون ما يُعرف بوضع التصفح الخفى (Incognito).

أتمنى أن تكون لدينا رقابة مماثلة، لأن أى شخص عندنا يستطيع الدخول إلى هذه المواقع بسهولة. وأنا، الحمد لله، واعٍ بهذه الأمور، لأن أسرتى تحدثت معى عنها، ولذلك أعتبر نفسى محظوظًا.

وأضاف حاليًا، يمكن لأى شخص أن يدخل ويقوم بمراهنة، مثل التوقع بأن الأهلى سيفوز على الزمالك بأربعة أهداف دون رد، وفى دقيقة معينة وإذا كسب، قد تُرسل له الأموال على الحساب البنكى، وهناك من تصله أشياء ممنوعة إلى منزله وكأنه طلبها عبر الإنترنت وبعضهم قد يفوز بسيارة ويتوجه لاستلامها بنفسه.

الجهات التى تقف خلف هذه المواقع تسعى لتخريب عقول الشباب، وأهم ما تفعله هو جذب الشخص واستغلال ظروفه وحتى من يملك المال قد يطمع فيخسر الكثير من وقته وماله.

 فمثلًا يمكن أن تلعب بخمسة دولارات وتكسب أضعافها وهو ما يعزز لدى المراهقون مبدأ الكسب السريع دون مجهود.

المدمنون على القمار أو المراهنات يطمعون فى المكسب السريع الذى حققوه فى البداية، فيستمرون فى اللعب حتى يصل رصيدهم إلى الصفر، أو يبيع أحدهم بيته ويدمر حياته.

لذلك، الموضوع خطير ومهم ويحتاج إلى توعية حقيقية، لأن هذه المواقع تشبه المخدرات الرقمية، فهى جذابة جدًا من حيث الألوان، وصوت الجرس، وذبذبات معينة تجعلك تشعر بالفرح والرغبة فى الاستمرار، ويرتفع معها هرمون الدوبامين.

وأنا أرى أن كل هذا مقصود لتدمير الشباب وشل تفكيرهم، وهو فى رأيى أخطر حتى من «الدارك ويب».

ويقول عمر سامح: إنه أثناء لعبه على أحد المواقع الإلكترونية ظهر أمامه إعلان لإحدى الألعاب يشبه فى تصميمه طاولة قمار صغيرة، وحين ضغط عليه بالخطأ، فوجئ بتحويل مبلغ 400 جنيه إلى حسابه. 

ويضيف أن هذه الواقعة كانت المرة الأولى التى ينتبه فيها لوجود هذا النوع من الإعلانات والمواقع، مؤكدًا أنه أدرك فورًا أن ما حدث أمر غير صحيح. فقرر إخراج هذا المبلغ والتبرع به لأشخاص محتاجين، لعلمه بأن المال الناتج عن مثل هذه الألعاب مال محرم مشيرًا إلى أن وعيه هو ما جعله يتوقف عند هذه التجربة ولا ينساق وراءها.

يقول الدكتور محمد القاضى، استشارى الطب النفسى وعلاج الإدمان، بالنسبة لموضوع المراهنات الإلكترونية، فى البداية لا بد أن نُعرّف هذا المفهوم، فالموضوع يُصنف كاضطراب سلوكى يعتمد على إدمان المراهنات عبر مواقع الإنترنت، ومن وجهة نظر أخرى، يمكن تعريفه بأنه حالة من الإلحاح والرغبة المستمرة والتوتر الداخلى تجاه الألعاب الإلكترونية المرتبطة بمكافآت مادية، هذا تعريف، وذاك تعريف آخر بشكل علمي.

لكن ما نريد استخلاصه من هذه التعريفات هو أن المراهنة سلوك قديم فى جوهره، لكنه اتخذ شكلًا حديثًا عبر الإنترنت؛ إذ إن المراهنات كانت موجودة منذ زمن طويل كألعاب لدى الراشدين، لكن الجديد هو انتقالها إلى مواقع الإنترنت، وبالتالى لم يعد هناك مجهود يُذكر، كأن يذهب الشخص إلى مكان معين ويجلس على مائدة قمار ليلعب ويكسب أو يخسر، بل أصبحت العملية كلها سهلة التناول، حيث يمكن للمراهق أو الشاب، وهو جالس فى بيته أو غرفته، أن يدخل هذه المواقع، ويلعب، ويتواصل مع الآخرين من خلال سلوك المراهنات. لذلك فالمشكلة ليست فى كون السلوك جديدًا، وإنما فى الوسيلة الحديثة التى جعلت الوصول إليه أكثر سهولة وانتشارًا.

أما من ناحية الأسباب، فإن المراهق أو الشاب الذى يُمارس هذه السلوكيات الإدمانية يكون لديه أسباب شخصية وأسباب اجتماعية. فطبيعة شخصية المراهق تتسم بحب المغامرة وحب الاستكشاف، والرغبة فى الاستحواذ والسعى للحصول على المال دون مجهود، أى دون الحاجة إلى العمل والتعب، إلى جانب ذلك هناك الخلافات الشخصية، مثل الصراعات الأسرية، ووجود أب متسلط، وخلافات زوجية، فضلًا عن غياب الحوار والنقاش مع الأبناء.

كما تلعب التربية الصارمة، التى تفتقر إلى الاستيعاب وتقبل أخطاء الأبناء، دورًا مهمًا حيث يعيش كل فرد وكأنه فى جزيرة منفصلة عن الأسرة و فى هذه الحالة يجلس الابن أمام الإنترنت، فيجد أمامه بدائل ضارة متعددة، مثل المواقع الإباحية، أو مواقع الإرهاب أو أفكار مرتبطة بالمعتقدات والإلحاد أو المراهنات فجميع هذه البدائل الضارة متاحة على الإنترنت. وعندما تكون هناك مشكلات أسرية مزمنة، مع غياب استيعاب التقلبات المرتبطة بمرحلة المراهقة، يقع الشباب فى مثل هذه الإدمانات.

هذه سمات طبيعية لدى المراهقين، لكننا نعلم أنها تكون مؤقتة فى الأصل. وأنا دائمًا أقول إن المراهقة الآن أصبحت تسبق مرحلة البلوغ، لأن الأطفال يتعرضون لمثيرات بصرية قوية جدًا من خلال الإنترنت.

 فقد لا يكون الطفل بلغ بعد ولا يكون جهازه الهرمونى مستعدًا لهذه السلوكيات، لكنه يكون قد حصل على المعرفة المسبقة، من خلال الاستثارة المبكرة للمراكز الحسية فى الدماغ، سواء عبر المواقع الإباحية أو المراهنات فهو يعرف قبل أن ينضج، ولهذا أصبحت المراهقة تسبق البلوغ.

أما عن العلاج، فلا بد أن يكون علاجًا تكامليا من النوع البيولوجى النفسى الاجتماعى (Biopsychosocial)، أى أن يكون هناك شق دوائى إذا استدعى الأمر، وشق نفسى، وشق اجتماعي.

ففى الشق النفسى نعالج الأسباب من خلال جلسات العلاج النفسى، وكذلك من خلال الاستشارات الأسرية، أى الجلوس مع الأسرة لأن مثل هذه الإدمانات تقوم على مجموعة من الأبعاد والأسباب، فلا يصح أن نعالج المراهق أو الشاب وحده، بل يجب أيضا حل النزاعات الداخلية داخل الأسرة، وإيجاد جو من التقبل والحوار والمشاركة. 

كما يخضع الشاب للعلاج النفسى، سواء كان علاجًا معرفيًا سلوكيًا أو علاجًا تدعيميًا، بحسب درجة الشدة، ويؤدى هذا العلاج النفسى المتكامل إلى تخفيف الأعراض السلبية.

وحول تصنيف المراهنات الإلكترونية، هل تُعد نوعًا من الإدمان؟ نعم بالطبع. فالإدمان لدينا نوعان؛ النوع الأول هو الادمان الكيميائى ,النوع الثانى هو الإدمان السلوكي. والنوع الأخير عبارة عن عادات تتكون مع التكرار يشعر بما يُعرف بالرغبة القهرية (Cravings)، لى أن يصل الشخص إلى مرحلة يعجز فيها عن التوقف. فى هذه المرحلة، تصبح العادة أحادية البعد، حيث لا يفكر الشخص إلا فيها، ولا يذاكر، وتضعف علاقاته الاجتماعية.

وبالنسبة للأعراض الجسدية لهذا النوع من الإدمان السلوكى فتتمثل فى اضطرابات النوم، والرعشة، وسرعة ضربات القلب عند الخسارة، والتوتر والعصبية. فالمراهنات تُحدث أعراضًا بيولوجية نفسية اجتماعية، أى أعراض جسدية كيميائية، وأعراض نفسية، وأعراض عقلية.

وفيما يتعلق بوهم السيطرة، فإن إدمان المراهنات يصنع فخًا وهميًا؛ إذ يربح الشخص مرة، فيشعر بالحاجة إلى الربح أكثر وأكثر. فالإدمان بطبيعته لا يكتفى بسقف معين، حتى فى إدمان المواد الكيميائية، فما كان يحقق المتعة بالأمس، يحتاج إلى قدر أكبر اليوم. والأمر نفسه ينطبق على المراهنات.

بينما يرى الدكتور أحمد أبو العزايم، استشارى الطب النفسى وعلاج الإدمان ورئيس الاتحاد العربى للوقاية أن غرس المفاهيم الأخلاقية لدى الأبناء منذ الصغر يحميهم من مثل هذه الأنواع من الإدمان فما يغرس فى الصغر يبقى إلى الأبد .م. كما أكد عل ضرورة وجود رقابة على المراهقين ومعرفة بكيفية اختيارهم لأصدقائهم وأكد على أهمية أن تكون العلاقة بين الأهل وأبنائهم قائمة على الصداقة. وفيما يخص آباء والأمهات يشير د.أبو العزايم إلى أهمية إطلاعهم على كل ما يحدث حولهم ليتمكنوا من توعية أبنائهم.

وأضاف أبو العزايم أرى أن إدمان المراهنات يصنف كجريمة ولا بد أن يعرف الأهل، عند اكتشاف أى نشاط من هذا النوع، يجب إبلاغ الشرطة لأن هذه المواقع تمارس عملًا غير قانونى يدمر الشباب، فبعضهم قد يلجأ إلى سرقة أهله أو يهمل علاقاته الاجتماعية والأسرية، ولا يهتم بمستقبله، ويصبح عرضة للكذب والعنف بكافة أنواعه.

وأنهى حديثه بنصيحة إلى الأهل «اعلموا أن أبناءكم كنز، فاهتموا بهم، امنحوهم الوقت والاهتمام والحب، وليس العقاب والعنف فقط».