فى تجربة سينمائية استثنائية وجريئة:
المُلِحد يناقش ويطرح الأسئلة.. ويكشف مثقفى مصر!
محمد شميس
عندما جلست لمشاهدة فيلم مصرى لا يخشى قول الحقيقة، فوجئت به يقول بكل وضوح إن الزواج من القاصرات هو اغتصاب، وأن حدّ «الردة» ليس شيئًا يمكن تطبيقه اليوم بلا خجل، وأنه مسألة تتجاوز الفقه لتصبح مأساة اجتماعية حقيقية. هاتان القضيتان، اللتان طالما كانتا شعارات للتيار السلفى وكل التيارات الظلامية المتطرفة، وجدت صوتهما فى فيلم واحد يجرؤ على تسميته «الملحد».
وهنا، بلا تردد، يمكن القول إن هذا الفيلم واحد من أجرأ الأفلام المصرية فى تاريخ السينما، ليس لأنه يناقش موضوعًا حساسًا فحسب، بل لأنه يطرحه بلا مراوغة أو تنميق، بكل وضوح وبلا أى رهبة من المراقبة أو الطائفية أو القضاء.
لكن الفيلم لم يتوقف عند هذا الحد من الجرأة؛ بل جعل بطله «يحيى» يعلن بكل صراحة: «نحن نعيش فى مسرحية إلهية»، ويصرح أكثر من مرة أنه لا يؤمن بالدين الإسلامى، وأنه لم يختَر أن يكون مسلمًا، تمامًا كما لم يختَر المجتمع بأسره دينه.
هذا البيان البسيط يحمل كل فلسفة الفيلم: الحرية الفردية أمام إرث دينى واجتماعى ثقيل، والجرأة على مواجهة الأسئلة الكبرى التى يتجاهلها الخطاب الدينى الرسمى منذ عقود.
وهنا تتضح الجرأة الحقيقية لفيلم «الملحد»، الذى ربما يكون واحدًا من أكثر الأفلام إثارة للجدل فى تاريخ السينما المصرية، حيث يصطدم الفن بالجرأة السياسية والفكرية.
أهمية الفيلم لا تكمن فقط فى محتواه، بل فى اسم من كتبه، «إبراهيم عيسى»، الذى يمثل قمة ما كان يُعرف فى الماضى بـ «سينما المؤلف»، لم يصنع مجرد فيلم؛ بل صنع قضية. قضية ليست فقط عن الملحدين، ولا عن ازديادهم فى المجتمعات العربية، بل عن فشل الخطاب الدينى فى الإجابة عن أسئلة العصر، عن ضياع الشباب بين الدين والشك، بين المعرفة الحديثة وبين التفسير التقليدى الجامد، عن الأسئلة التى يظل الجميع يتجنب الإجابة عنها خشية الفتنة أو القتل الرمزى للشخصيات التراثية الفكرية شبه المقدسة.
ومن غرائب أهمية الفيلم أنه لم يكتفِ بتحدى الخطاب الدينى، بل كشف الوجه الحقيقى للوسط النقدى والصحفى أيضًا. على مدار عام كامل، واجه الفيلم حملة تنكيل من المتطرفين دينيًا، ومن محبى الشهرة أحيانًا، بل حتى المؤسسة التعليمية «الأزهر» تدخلت بطريقة شبه رقابية، دون أى اختصاص، ثم وصل الأمر بوجود الفيلم فى ساحات القضاء. هل رأينا أى مهرجان أو أى ناقد يتضامن مع الفيلم؟ لا، لم يحدث. هؤلاء الذين يرفعون شعارات حرية الرأى والتعبير، ما لم يقفوا موقفًا واضحًا عند اختبار حقيقى بمحاولات منع فيلم من العرض، كيف نصدقهم؟ إذا لم نطبق شعاراتنا فى الوقت المناسب، فمتى سنطبقها إذن؟
أما سينمائيًا، فـ«الملحد» فيلم يبنى الحوار مع المشاهد، يجعل كل من يشاهده يخرج وهو يتساءل ويبحث، متفاعلًا، متصارعًا، غير مكتفٍ بالمشاهدة السطحية. ومن أهم عناصر الفيلم طريقة تقديم الشخصيات.
مثلا «الشيخ حافظ»؛ الاسم ليس اختيارًا عشوائيًا. الرجل يحفظ النصوص ويطبقها حرفيًا دون فهم، لكنه فى الوقت ذاته شخصية معقدة، محرج من كفر ابنه، ويجد نفسه مضطرًا للقتل امتثالًا لما يعتقده دينًا. الصراع هنا ليس بين الخير والشر، بل بين التناقض البشرى: حب الأب لابنه والتزامه الدينى المتطرف، تجتمعان فى شخصية واحدة.
الفيلم لم يقدم «الشيخ حافظ» كأب قاسٍ أو متشدد فقط، بل أظهره أيضًا إنسانًا صادقًا، مؤمنًا بما يفعله بكل إخلاص وحب. ورغم أن تطبيق حد الردة، كما عرض الفيلم، أصبح بلا معنى ويتعارض مع القانون، فإن «الشيخ» يراه واجبًا دينيًا يجب الالتزام به. فى الوقت نفسه، هذا الرجل المتزمت، قادر على المشى فى شوارع القاهرة الباردة قبل الفجر، يدعو الناس للصلاة، ويتمنى الخير للجميع. إنه مثال حى على التناقض البشرى، الذى نميل غالبًا إلى تجاهله أو إنكاره، تجاه هذه الشخصيات التى نراها بشكل نمطى معلب بدون روح بشرية إنسانية متناقضة.
الابن الملحد، من جانبه، شخصية مهذبة، ملتزمة بالأخلاق، يكره أفكار أبيه لكنه فى الوقت ذاته يحبه، ويقف بجانبه فى أسوأ حالاته النفسية والجسدية أثناء مرضه. هنا الفيلم يرسم مأساة حقيقية: الاختلاف فى المعتقدات لا يعنى انعدام الإنسانية، ولا يبرر الكراهية.
زوجة «الشيخ حافظ» تمثل المرأة المصرية التى تتحدى الظلم بصمت. حين تهدد حياة ابنها المهدد بالقتل، تضطر للتمرد على زوجها المتطرف، لكنها تعود لاحقًا للوقوف إلى جانبه فى محنة مرضه. فهى أيضًا شخصية معقدة، تحمل فى داخلها تناقضات إنسانية طبيعية، تلك التى نمر بها جميعًا فى حياتنا اليومية.
الفيلم أيضًا قدم جلسات الاستتابة بطريقة واقعية لدرجة مذهلة؛ المشاهد التى تصور محاولة إقناع الملحدين بالعودة إلى الدين تحاكى تمامًا ما يقوم به مشايخ الدعوة السلفية فى الواقع، من جلسات ومقاطع فيديو على يوتيوب، بلا مبالغة. كل شيء يعكس الواقع بشكل مؤلم وصادم، وكأنك أمام وثيقة اجتماعية وليست مجرد مشاهد سينمائية خطابية كما يدعى «محنكين» النقد السينمائى.
كذلك، يعرض البطل «يحيى» وجهة نظره بحجج قوية، موضحًا سبب عدم اقتناعه بأى من الديانات السماوية، وكيف أثر ذلك على حياته وعلاقاته، دون أن يمارس الكراهية أو الاستهزاء تجاه أى شخص. أصبح إنسانًا وحيدًا ومنبوذًا من مجتمعه، لكنه لم يظلم أحدًا، بخلاف أبيه الذى سلّم ابنته الطفلة لرجل كبير فى عقد زواج شرعى غير قانونى. ومع ذلك، يحظى الأب «الشيخ حافظ» بتعاطف بعض أصدقائه من المشايخ الذين يتفهمون معاناته. هذه التفاصيل الصغيرة فى حياة «الملحد يحيى» تكشف مأساة الأقليات الدينية وغير الدينية فى ظل سيطرة المتطرفين على مقاليد الحياة.
الأجمل فى «الملحد» هو إنسانيته؛ رفض القتل بسبب المعتقد، رفض حد الردة، لكنه لم يقدم شخصيات أحادية. كل شخصية لها دوافعها، تعقيداتها، منطقها الخاص. الفيلم يطرح أسئلة فلسفية وفكرية، لكنه لا يجيب عنها، تاركًا للمشاهد حرية الاختيار: هل ستعيش حياة «حافظ» المتشدد، أم حياة «يحيى» الملحد، أم «العم كارم» المعتدل؟
تحية لكل صناع هذا العمل، الذين جاؤوا بفكرة جريئة تجبر المجتمع على المناقشة بلا إرهاب، بلا خوف، فقط حرية تفكير حقيقية. فيلم «الملحد» ليس مجرد فيلم، إنه تجربة معرفية، واجتماعية، وسياسية، وواجب على كل متفرج أن يشاهدها، والأهم أن يفكر فيها، وأن يسائل نفسه: ماذا لو كنت مكان هؤلاء، ماذا كنت ستفعل؟







