تاريخ من العنف والإرهاب
تفاصيل «استراتيجية الفوضى» الجديدة عند الإخوان الإرهابية
محمد الطباخ
لا تزال أصداء الأمر التنفيذى الذى وقعه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى «24 نوفمبر» الماضى، حول دراسة حظر أفرع جماعة الإخوان «الإرهابية» فى كلٍ من مصر والأردن ولبنان، مُستمرة لاسيما مع صدور تقارير إعلامية تُفيد بوجود تحركات داخل الإدارة الأمريكية لتصنيف الجماعة ككل «منظمة إرهابية» وفرض قيود مالية وقانونية وأمنية حاسمة عليها خلال الفترة المُقبلة.
على الصعيد الأوروبى، أحدث قرار ترامب بما هو أشبه بـ «الزلزال» داخل الاتحاد الأوروبى، حيث انتفضت الأحزاب السياسية والقوى الشعبية فى دول القارة ضد حكوماتها مُطالبة بحظر الجماعة ووضعها على لائحة الإرهاب؛ تزامنًا مع تسريب تقارير استخباراتية تكشف عن تغلغل الجماعة وأعضائها داخل مؤسسات المُجتمع المدنى تحت ستار العمل الخيرى والدعوى ورعاية شئون المسلمين ومكافحة «الإسلاموفوبيا».
هذا فى الوقت الذى وضع فيه رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر، فى «5 ديسمبر» الماضى، احتمال «حظر» الجماعة قيد «مراجعة دقيقة للغاية»، وفق ما كشفت عنه وكالة الأنباء الأوروبية، وأكده المتحدث الرسمى باسم الحكومة لصحيفة «ذا ناشيونال»، بأن هذه الجماعة تسعى إلى إقامة علاقات وثيقة مع الهيئات الحكومية، ويجرى النظر فى استبعادها بموجب قوانين مكافحة الإرهاب.
ويُعتبر التحرك البريطانى «مفصلى» قد يعيد رسم حدود نفوذ جماعة الإخوان الإرهابية فى أوروبا ككل، على أساس أن بريطانيا وتحديدًا «لندن» أحد أكبر وأهم حاضنات الجماعة فى القارة، وتتخذ منها الإخوان لاسيما جبهة «صلاح عبدالحق»، القائم الحالى بأعمال مرشد الإخوان، ومن قبله إبراهيم منير، مقرًا لها لإدارة أعمالها وتنسيق تحركات التنظيم الدولى، فضلًا عن كشفه «إمكانية» حظر جماعة الإخوان الإرهابية - وهو إن حدث - سيكون أول قرار بريطانى جاد بعد رفض حكومة ديفيد كاميرون حظرها عام 2015، واكتفائها بمنع دخول بعض الأشخاص المحسوبين عليها إلى المملكة المتحدة فقط.
فيما تتخذ ألمانيا موقفًا أكثر صرامة مع تفعيل أدواتها الأمنية والعقابية ضد منظمات ومؤسسات الإخوان الإرهابية، بعد حظر جمعية «إنتر أكتيف» الإسلامية وعدد من مدارس الجماعة فى نوفمبر الماضى، عقب عملية تفتيش طالت عددا من مقراتها لصلتها بالعنف ونشر التطرف.
وبالعودة إلى قرار ترامب، فقد جاء مُحملًا باعتراف صريح حول تورط الإخوان فى أعمال عنف استهدفت استقرار مصر وأمنها ومصالحها، وهو مُخطط لا تزال الجماعة تأمل فى تحقيقه بغاية إسقاط الدولة والعودة مُجددًا إلى السلطة التى طُردت منها عام 2013.
تحريض مُستمر ومسارات جديدة لإحياء حركات العُنف
فى 2025، نشرت ما تُعرف بحركة «ميدان»، عبر موقعها الإلكترونى ومنصاتها الاجتماعية، وثيقتيها الفكرية والسياسية، تحت عنوان «خارطة طريق لوطن حر»، مُحملة بعبارة جاء نصها: «نخاطب بهذه الوثيقة كل من يحمل فى قلبه همًّا لهذا الوطن، وكل من أنهكته السجون أو المنافى أو اليأس، وكل من يرى أن مصر تستحق أفضل مما هى عليه، وأن التغيير ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية ومسئولية أخلاقية وتاريخية».
تعرض هذه الوثيقة الفكرية، الرؤية العامة لـ «ميدان» وهى نفس الأفكار التى يحملها ما يُعرف بـ«تيار التغيير»، جبهة الإخوان الثالثة فى تركيا التى كونها «الكماليون» من أتباع مؤسس لجان العنف النوعية لجماعة الإخوان الإرهابية «محمد كمال»، الذى أدار قبل مقتله، اللجنة الإدارية العليا للإخوان الإرهابية أو «لجنة إدارة الأزمة» بعد سقوط الجماعة.
بالنظر إلى الجذور الأولى لـ «ميدان» نجدها تعود إلى عام 2022، تزامنًا مع المؤتمر الذى أطلقته «جبهة التغيير» داخل الإخوان الإرهابية فى إسطنبول بتركيا، تحت اسم «شباب التغيير.. عقد من النضال وخطوة للمستقبل»، حيث يقوم على رأستها وإدارتها القيادى بـ«تيار التغيير»، رضا فهمى، وكذلك يحيى موسى، أحد المؤسسين والمشرفين على الهيكل العسكرى المسلح لحركة «حسم»، وفق تحقيقات النيابة.
إلى جانب رضا فهمى ويحيى موسى، يبرز اسمان داخل حركة ميدان، هما الهاربان فى تركيا محمد منتصر، ومحمد إلهامى، الموجه إليهما تهم عدة داخل مصر تتعلق بالعُنف، حيث يشغلان أيضًا مناصب بالمكتب السياسى لـ «ميدان».
بحسب ما ورد فى نص الوثيقة المشار إليها، فإنهم يتحركون على مسارات أربعة: جماهيرية، وسياسية، وإعلامية، وإقامة علاقات واتصالات مشتركة، عبر آلية عمل «لا مركزية» تنطلق ببُطء بعيدًا عن القيود التنظيمية والإدارية، ووفق مسارات «عامة» وخطة مرنة واسعة يجد فيها كل متخصص يحددونه، واجباته وينطلق فيها بنفسه، ثم يؤلف بين الجهود ما أمكن بشكل أقوى من «التنظيم المركزى».
تشبه الوثيقة من وصفتهم بـ «الثوار المقاومين» بـ«المجاهدين الأوائل» فى أمة الإسلام، ولفتوا إلى أن هدفهم الأساسى «حشد طاقات التيار الإسلامى الثورى كنواة صلبة»، من أجل ما اعتبروه «معركة الثورة المصرية» لإسقاط الدولة ونظامها السياسى بتثوير الشعب وتمكينه من امتلاك قراراه»- وفق ما جاء فيها.
بحسب حركة «ميدان» فإنها تضع ثقلها على «الكتلة الحرجة»، التى اتخذت لها رمز «300»، أى التحرك عبر300 شخص من النشطاء والأطباء والمهندسين والعسكريين والضباط والمُعلمين وغيرهم، من الأشخاص الذين تستهدف استقطابهم ليكونوا نواة «السقف الاستراتيجى الواحد» لتحقيق أهدافها المُتطرفة.
ليس مستغربًا، أن الحركة ذاتها وقفت خلف تأجيج دعوات حصار سفارات وقنصليات مصر فى الخارج، فقد أطلقت فى يونيو ويوليو الماضيين، تحريضًا عامًا، دعت خلاله «مليون مصرى» بالخارج إلى حصار السفارات والقنصليات المصرية؛ لتعطيل العمل بها ومنع دخول وخروج موظفيها، فضلًا عن تحريض الجاليات الإسلامية فى دول العالم للفعل ذاته؛ بدعوى ردع الإدارة المصرية عن وقوفها خلف «تجويع أهل غزة» بتعمدها غلق معبر رفح، وهى السردية ذاتها التى اتفقت مع المزاعم الإسرائيلية المُلقية باللوم على مصر؛ للتنصل من جرائمها الإنسانية.
فى هذا السياق، وخلال الشهر ذاته «4 يوليو» الماضى، روجت منصات تواصل اجتماعى فيديو جديدا لحركة «حسم» الإرهابية حمل عنوان «سبيل المؤمنين»، ظهر خلاله عناصر مدججون بالسلاج داخل معسكر تدريب مفتوح بمنطقة صحراوية، كشفت خلاله عن نواياها لإعادة تنفيذ عمليات إرهابية بمصر مُجددًا تحت شعار «قادمون».
الفيديو الذى وصلت مدته ثلاث دقائق ونصف، تضمن أناشيد حماسية مصاحبة للقطات تظهر تدريبات رماية بأسلحة خفيفة ومتوسطة ورشاشات ثقيلة، مع تجارب إطلاق قذائف «أر بى جى» وهاون، مختتمًا برسالة تهديد تُلمح إلى بدء طور جديد من الإرهاب فى المنطقة.
لم يمر على هذا المقطع المصور سوى أسبوعين، حيث كشفت وزارة الداخلية المصرية فى إطار تحركاتها الاستباقية عن إحباط مُخطط إرهابى لحركة حسم وقتل عناصره فى «20 يوليو» الماضى، بتحريض من القيادات الهاربة المتورطة فى إدارة خلايا عنقودية تستهدف مؤسسات الدولة. وذلك عبر الدفع بـ «أحمد محمد عبدالرازق غنيم»، أحد أخطر المطلوبين أمنيًا والمتورطين فى استهداف رجال الشرطة، والصادر بحقه أحكام نهائية بالإعدام والمؤبد للتسلل إلى البلاد من الدروب الصحراوية، واختبائه رفقة عنصر آخر «إيهاب عبداللطيف عبدالقادر» فى شقة سكنية بمنطقة بولاق الدكرور.
تاريخ من العمليات الدموية
لا يمكن إغفال بأى حال، الأعمال الإرهابية التى نفذتها جماعة الإخوان الإرهابية ضد الشعب المصرى قبل عشرات السنوات بـ «نظامها الخاص»، ومن بعده حركات العنف النوعية وجناحها المُسلح الجديد حركة «حسم» التى جرى تأسيسها عقب فض اعتصام رابعة فى أغسطس 2013.
وقد ارتبط «شرعنة» وإدارة العمل المُسلح بعد30 يونيو 2013، بأسماء قيادية بالإخوان قُتل بعضهم مثل محمد كمال، مؤسس اللجان النوعية الذى وجه بوضع «كتاب فقه المقاومة الشعبية» وهو بمثابة دستور للعمل المسلح خلال هذه المرحلة، وآخرين هاربين إلى الخارج أمثال يحيى السيد موسى، وعلاء السماحى وأمير بسام، وعلى بطيخ، ومجدى شلش، وأحمد محمد عبدالحفيظ، المتهمين بالتخطيط والوقوف خلف كثير من العمليات الإرهابية التى وقعت فى مصر خلال السنوات الأخيرة.
ولعل أبرز هذه العمليات، تفجير «معهد الأورام» بالمنيل فى «4 أغسطس 2019»، وهو الحادث الأليم الذى راح ضحيته23 شهيدًا وعشرات المصابين، ومن قبله تنفيذ عمليات استهدفت سفارات أجنبية كسفارة ميانيمار فى القاهرة «أكتوبر 2017»، وعدد من كنائس الدولة ككنيسة العذراء فى كفر حكيم بكرداسة.
فى اعترافات أعضاء الحركة المقبوض عليهم فى تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا وبعدها النيابة العسكرية فى القضية المعروفة بـ«قضية حسم»، سواء الأولى التى ضمت304 متهمين، أو الثانية رقم420 لسنة 2017، المُرقمة بـ123 لسنة 2018 عسكرية، إضافة إلى «قضية طلائع حسم» رقم760 لسنة 2017، كشفت عن ارتكابهم لـ17 عملية إرهابية استهدفت قتل ضباط جيش وشرطة وشيوخ أزهر ورجال قضاء ونيابة عامة، من بينهم محاولة اغتيال النائب العام المساعد المستشار زكريا عبدالعزيز والدكتور على جمعة مفتى الديار المصرية السابق، والمستشار أحمد أبو الفتوح رئيس محكمة استئناف القاهرة، واغتيال اللواء عادل رجائى.







