الثلاثاء 20 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

إحسان قلم ينبض بالحرية

كانت معارك «إحسان عبدالقدوس» وحملاته الصحفية الجريئة انعكاسًا مباشرًا لثقافة الحرية التى نشأ فيها، بوصفه ابنًا للسيدة «فاطمة اليوسف» أو «روزاليوسف»، تلك المرأة الشجاعة التى أسست مدرسة صحفية تقوم على الحرية والجرأة ولا تعرف المساومة. تربى إحسان فى بيت يؤمن بأن الكلمة موقف وأن القلم سلاح يدافع عن الوطن والشعب، فحمل هذا الإرث مبكرًا وخاض بالكلمة والقلم معارك سياسية وفكرية ضد الفساد، ولم يوقفه تهديد ولا مصادرة ولا حتى سجن، بل كانت مصلحة الوطن دائمًا هى المحرك الرئيسى لحملاته الصحفية على صفحات روزاليوسف. ونرصد هنا أهم المعارك التى خاضها كاتبنا الكبير.  



 

قبل ثورة يوليو خاض «عبدالقدوس» معارك صحفية عديدة ضد فساد النخبة الحاكمة فجاءت مقالاته كاشفة، بل فاضحة لوجوه الاستبداد والتلاعب السياسى والتداخل بين السلطة والمال والنفوذ داخل النظام الملكى. ولم تكن كتابات إحسان مجرد مقالات رأى تحمل نقدًا عابرًا للنظام، بل كانت بمثابة شرارة الوعى التى أشعلت غضب الشارع وأسهمت فى تهيئة المناخ العام للتغيير الذى بدا لإحسان ضرورة وهدفًا لابد أن يتحقق.

مقال طرد اللورد كيلرن وسجن إحسان

وكانت البداية بمقال «الرجل الذى يجب أن يذهب» الذى نُشر فى 9 أغسطس 1945 بروزاليوسف. شن «إحسان» فى ذلك الوقت حملة ضد «اللورد كيلرن» من خلال سلسلة مقالات انتقد فيها السفير البريطانى حينها «اللورد كيلرن»، مطالبًا بإخراجه من مصر. كتب إحسان: «من حق مصر أيضًا أن تطالب بسحبه من منصبه وإبداله بغيره، فقد فشل فى مهمته كسفير لبلده لدى بلد آخر مستقل له سيادة». وتساءل: هل مركز اللورد كيلرن بيننا هو مركز السفير؟ لتأتى الإجابة فى المقال نفسه، أبدًا بل إنه أعطى نفسه حقوقًا فاقت حقوق المندوب السامى فى بلد مستعمر». ورغم كونه معارضًا للنظام الملكى آنذاك فإن «إحسان» رفض تعدى السفير البريطانى على القصر بوصفه رمزًا للحكم فى مصر والتعدى عليه هو تعد على سيادة الوطن فكتب: «الرجل الذى يقتحم قصر عابدين على رأس فرقة من الدبابات ليس سفيرًا ولا مندوبًا ساميًا إنما هو قائد لجيش معتدٍ».

ونظرًا لجرأة المقال الواضحة صدر قرار بمصادرة العدد والقبض على «إحسان» بحجة تسبب مقاله فى إفساد العلاقات بين (مصر وبريطانيا). وبعد عدة شهور، تقرر الإفراج عن «إحسان» وذهب لمقابلة «أحمد حسنين باشا» رئيس الديوان الملكى آنذاك والذى أكد خلال اللقاء أن الجميع يريد التخلص من «كيلرن» موضحًا: «لكن مقالك هذا عرقل مسعانا»، وبرر «حسنين باشا» ذلك بأن (بريطانيا) عنيدة، وبالتالى فإنها قد تميل الى التمسك بسفيرها أكثر حمايًة لكرامتها وكرامته.

لكن «عبدالقدوس»، الذى لم يقنعه تبرير «أحمد حسنين باشا»، استمر فى مقالاته ضد «اللورد كيلرن» بنفس الشجاعة والجرأة التى اتسمت بها المجلة، بل إن ذلك شجع صحفًا أخرى للانضمام إلى حملة «روزاليوسف» ضد السفير البريطانى والغريب أن «أحمد حسنين» استغل هذه الحملة الصحفية التى كان معترضًا عليها فى تأييد طلبه من الحكومة البريطانية والذى حصل عليه بالفعل وتم طرد «اللورد كيلرن».

الغريب أن السيدة «فاطمة اليوسف» كافأت ابنها بعد خروجه من السجن بتعيينه رئيسًا لتحرير «روزاليوسف» معتبرةً أنه قدم أوراق اعتماده لهذا المنصب، حيث كان رؤساء التحرير جميعهم يتعرضون للسجن فى ذلك الوقت.

معركة الأسلحة الفاسدة والتمهيد لثورة يوليو 1952

وفى عام 1950 كانت بداية حملات صحفية شرسة شنها «إحسان» ضد الفساد وسوء الإدارة الذى أدى إلى كارثة الأسلحة الفاسدة.وتعد سلسلة المقالات التى كتبها إحسان عن هذه الفضيحة من أشهر الحملات الصحفية ليس فى تاريخ إحسان وحده ولا فى تاريخ روزاليوسف فقط، بل فى تاريخ الصحافة المصرية. عرّت هذه المقالات النظام الملكى الحاكم وكشفت هشاشة مؤسساته أمام الفساد المستشرى، والأهم أنها أيقظت الضمير الشعبى تجاه القضايا الوطنية، وجعلت الرأى العام يدرك حجم المخاطر التى تهدد أمن مصر بسبب سوء الإدارة والفساد المستشرى فى البلاد وقتها. أثارت المقالات غضب الشارع الذى صدمته الحقائق والوثائق التى نشرها «إحسان» ليوثق كتاباته فأصبح مستعدًا للتغيير، بل منتظرًا له أى أن تلك المقالات مثّلت الشرارة الأولى لاندلاع ثورة يوليو 1952.

وكان من بينها سلسلة مقالات «محاكمة مجرمى حرب فلسطين» والتى كشف فيها إحسان الفساد داخل وزارة الحربية، وفضح فساد التعاقدات على المعدات العسكرية ووجود تضارب واضح فى المصالح بين رجال السلطة وبعض التجار. كتب إحسان فى إحدى مقالاته ضمن هذه السلسلة: «الضباط والجنود كانوا قد اكتشفوا قيمة سلاحهم.. عرفوا الرصاص المغشوش، وجربوا الألغام التى لا تنفجر، وماتوا بالقنابل التى تنطلق إلى الوراء، وكانوا قد عرفوا أن هذه الأسلحة وهذه الذخيرة يستفيد منها ناس ويموت بها ناس»!

وما إن أعلن النائب العام عن بدء التحقيق فى صفقات السلاح الفاسد بعد 4 مقالات نشرها إحسان حتى أعلن الكاتب الكبير توقفه عن النشر فى القضية فكتب: «رأيت بمناسبة التحقيق.....أن أوقف نشر سلسلة البيانات الخاصة بصفقات السلاح، صونًا لمصلحة التحقيق، وإلى أن يتبين اتجاه ولاة الأمور». غلب إحسان مصلحة الوطن على مصلحته ومصلحة المؤسسة التى أسستها والدته رغم أنه لو استمر فى الكتابة لزاد التوزيع أكثر وحقق نجاحًا أكبر، لكنه لم يكن يكتب من أجل الشهرة أو المزايدة بل من أجل مصلحة الوطن.

ولا يمكن أن نغفل هنا مقالاً نشره «إحسان» فى 8 يوليو 1951 أى قبل عام على ثورة يوليو 1952 بعنوان «دولة الفشل» اتهم فيه كل مسئولى الدولة بالفشل من رئيس الوزراء إلى الوزراء وحتى المعارضة التى كتب عنها:

«المعارضة يتولاها زعماء فاشلون.. فشلوا فى اكتساب ثقة الشعب، وفشلوا فى مواجهة الحقائق السافرة، وفشلوا فى وقف طغيان الحكومة وأخطائها»، وأنهى «إحسان» مقاله الذى كتبه بلغة مليئة بالغضب والسخط على الأوضاع وقتها: «اطردوا الفاشلين ودعوا الناجحين يأخذون مكانهم من قيادة مصر.جربوا صنفًا آخر من الرجال غير هذا الصنف الذى أثبت فشله..وارحموا مصر من الفشل».

وفى أكتوبر 1950 كانت سلسلة مقالات جديدة تخص أيضًا حرب فلسطين 1948وقضية الأسلحة الفاسدة، لكن «إحسان» وجه سهام انتقاداته واتهاماته هذه المرة إلى محمد حيدر باشا وزير الحربية آنذاك. وكان عنوان المقالات الثلاث التى كتبها إحسان «إنى أطالب بالتحقيق مع محمد حيدر باشا» المقالات الثلاث حمل كل منها اتهامًا لوزير الحربية. فاتهمه «إحسان» فى المقال الأول بالتدخل فى سلطات القادة العسكريين فى حرب فلسطين وإجبارهم على تنفيذ قرارات رغم رفضهم لأسباب منطقية مثل سلامة القوات وتأمينها، بينما حمل المقال الثانى اتهامًا لحيدر باشا بالزج بالجيش فى حرب بلا استعداد أو تدريب وبأسلحة فاسدة. 

أما المقال الثالث فاتهم وزير الحربية بمسئوليته الكاملة عن خطة الحرب التى نفذتها القوات المصرية فى فلسطين وأدت فى النهاية إلى انسحاب القوات بشكل مهين. وأكد «إحسان» فى المقال الثالث على أن الجيش المصرى أصبح يتوق إلى نهضة جديدة ويتلهف إلى دم جديد يعوضه عن الدم الطاهر الذى نزف على أرض فلسطين، مشيرًا إلى أن هذه النهضة لن تقوم إلا على أكتاف قادة أكفاء وضباط غيورين على كرامة جيشهم ومستقبل وطنهم. وكأنه يتنبأ بما سيحدث بالفعل فى غضون شهور قليلة.

ونجحت سلسلة مقالات «إحسان» النارية فى الضغط على حيدر باشا الذى قدم استقالته قبل صدور المقال الثالث أو بالأحرى القذيفة الثالثة.

المقال الذى أنهى شهر العسل بين «إحسان» ومجلس قيادة الثورة

وبعد نجاح ثورة يوليو التى ساندها «إحسان» ودعمها منذ بدايتها بل قبل ذلك، حيث كان «إحسان» من المقربين من الضباط الأحرار وارتبط اسمه بالثورة ارتباطًا وثيقًا، لكن مع مرور الوقت، بدأ «إحسان» يكتشف أن الأحلام التى آمن بها ودعم الثورة من أجلها – أحلام الحرية والديمقراطية وإشراك الشعب فى صناعة مستقبله – ما زالت بعيدة عن التحقق. فرغم مساندته القوية للضباط الأحرار فى مشوارهم إلى السلطة وثقته فيهم، وإيمانه بصدق رغبتهم فى نجاح الثورة وتحقيق أهدافها، فإن أداءهم فى الحكم سرعان ما أثار قلقه. وفى تلك اللحظة، توقف «إحسان» عن التأييد، إذ لم يستطع أن يغض الطرف عن الأخطاء، بل آثر أن يستخدم قلمه فى النقد الصريح محاولًا تنبيههم إلى مواطن الخلل وداعيًا إلى مراجعة المسار قبل أن تفقد الثورة روحها ومعناها.. وهو ذات القلم الذى استخدمه منذ بداية الثورة لدعمهم وتشجيعهم.

كتب «إحسان» عدة مقالات كان من أهمها مقال «الجمعية السرية التى تحكم مصر» والذى نُشر فى 22 مارس 1954. وجّه «إحسان» فى هذا المقال نقدًا لاذعًا إلى الضباط الأحرار، متهمًا إياهم بأنهم ما زالوا أسرى لفكرة «الجمعية السرية» التى اعتادوا عليها قبل الثورة وأثناء سنوات التخطيط لها، وأنهم نقلوا هذا الأسلوب السرى معهم بعد أن صاروا فى موقع السلطة. وذكّرهم بأن السرية التى كانت يومًا مبررة خشية انكشاف أمرهم والقبض عليهم، لم يعد لها أى معنى اليوم، فهم الآن الحكام الفعليون، ومن حق الشعب أن يعرف كيف تُدار شئونه. وقد تعرض «إحسان» للسجن على أثر هذا المقال.

لم تكن مقالات إحسان ومعاركه الصحفية مجرد صفحات كتبت فى زمن مضى، بل كانت رصاصات انطلقت من ضمير ثائر محب لوطنه، فغيرت الواقع وأثرت فيه. فقد آمن «إحسان» بأهمية الكلمة الصادقة وقدرتها على التغيير، فكشف الفساد واصطدم بالسلطة، وواجه التهديد والمصادرة والسجن بشجاعة، وظل وفياً لضميره وقلمه.