أجندة تشريعية يجب أن تبدأ بتعديل قوانين الانتخابات والمحليات
خريطة سياسية للعام الجديد
أسامة رمضان
شهدت محافظات الجمهورية ماراثونًا انتخابيًا هو الأطول فى تاريخنا النيابي، واليوم يقف مجلس النواب على أعتاب الاكتمال بعد حسم 519 مقعدًا، ومن المرتقب أن تنعقد الجلسة الافتتاحية بعد 12 يناير الجارى بأيام قليلة، بعد الانتهاء من الإجراءات اللوجستية والطعون، ولكن يبقى السؤال الأهم: ماذا ينتظر المصريون من نوابهم؟
تصدر قائمة الفائزين حزب «مستقبل وطن» بـ211 مقعدًا، يليه المستقلون بـ83 مقعدًا، وحزب «حماة الوطن» بـ82 مقعدًا، ولم تخلُ جولات الإعادة فى الدوائر الملغاة بـ7 محافظات من «دراما سياسية»، حيث شهدت عودة قوية لمرشحين خسروا سابقًا وإخفاقًا لآخرين، وتبقى 49 مقعدًا معلقة بانتظار جولة الحسم الأخيرة خلال أيام.
وتعلن النتائج النهائية فى 10يناير الجاري.. وهو مشهد يشير إلى أننا لسنا أمام مجرد «تغيير وجوه» بل برلمان ولد من رحم «التدقيق القاتل» والطعون القضائية التى وضعت كل دائرة تحت مجهر القانون، بانتظار لحظة الانعقاد لترسيخ دعائم العقد الاجتماعى الجديد.
لم تشهد 2025 مجرد انتخابات برلمانية عادية، بل «ملحمة إجرائية» يمسح بها التاريخ الأرقام القياسية السابقة، فأن يظل الناخب المصرى والدولة بكامل أجهزتها فى حالة استنفار انتخابى حتى العاشر من يناير، فهذا يعنى أننا بصدد أجندة مختلفة جذريًا، محملة بعبء الشرعية التى انتزعت بعد جولات إعاة مضنية.
كما يأتى البرلمان الجديد وفى جعبته ملفات شائكة جرى ترحيلها بوعي، أو بحكم الضرورة.
وبعيدًا عن التشريع، يواجه هذا البرلمان «تحدى الثقة»، فالناخب الذى وقف فى طوابير طويلة وسط أمواج الغلاء وتقلبات الأسواق، ينتظر «برلمانًا رقابيًا» بامتياز، وينتظر نائبًا يقتحم ملفات الصحة والتعليم بجرأة، ويحاسب الحكومة على مخرجات الإنفاق العام، ويضع حلولًا تشريعية لأزمات التضخم التى أثقلت كاهل الطبقة المتوسطة والفقيرة.
فى 2026، لم يعد البرلمان رفاهية، بل هو حائط الصد الأول عن الدولة، ومنصة المكاشفة التى تحتاجها الدولة، وليشعر المواطن أن صوته فى «أطول انتخابات» لم يذهب سدى.
على رأس قائمة التحديات التشريعية المنتظرة التى لا تقبل التأجيل، يبرز قانون الإدارة المحلية؛ الغائب الحاضر، والذى تحول إلى «ثقب أسود» فى البنية التشريعية المصرية، فمنذ سنوات والشارع المصرى يعانى من فراغ رقابى محلي، والبرلمان الجديد مطالب بإخراج هذا القانون من أدراج اللجان النوعية للنقاش من جديد، كما أن إجراء انتخابات المجالس المحلية ليس مجرد استحقاق دستوري، بل ضرورة أمن قومى لتخفيف العبء عن النائب البرلمانى الذى تفرغ لخدمات الرصيف والصرف الصحي، بدلًا من التفرغ للتشريع والرقابة العليا، وبدون هذا القانون ستظل الفجوة قائمة بين الدور الرقابى ومسئول الخدمات.
أيضًا فإن قانون «الإيجار القديم» رغم إقراره، ما يزال يشهد لغطًا بحاجة إلى حسم رغم الأحكام الدستورية، ليجد نواب 2026 أنفسهم أمام اختبار «مشرط الجراح»، فالمطلوب صياغة توازن «شبه مستحيل» بحلول جذرية وشجاعة.
ورغم تباين الخلفيات الأيديولوجية، فإن بوصلة النخب السياسية اتفقت فى «إجماع وطني» غير مكتوب على أن برلمان 2026 لم يعد يملك رفاهية الوقت، أمام أجندة تشريعية لا تحتمل سوى حسم ملفات ظلت لسنوات حبيسة الأدراج.
جرأة استثنائية
عصام شيحة، عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان ورئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، أكد أن الأجندة التشريعية «متخمة» بملفات تتطلب جرأة استثنائية لبناء الجمهورية الجديدة، فالأولوية القصوى يجب أن تذهب لفك حصار 17 عامًا عن «قانون الإدارة المحلية»، فانتخاب 60 ألف عضو ليس مجرد إجراء، بل هو خلق قنوات اتصال حقيقية بين الدولة والمواطن، وتجهيز مليون كادر للمشاركة فى الشأن العام يرفع عبء «الخدمات» عن كاهل نواب القبة.
وفى ملف العدالة الاجتماعية، طالب شيحة بحسم «قانون الأحوال الشخصية» للمسلمين والمسيحيين فى دور الانعقاد الأول؛ لإنهاء العمل بتشريع تجاوز قرنًا من الزمان، مشددًا على ضرورة منح المسيحيين حق «توسيع دائرة الطلاق» وعدم قصرها على علة الزنى، مع وضع «مصلحة الطفل» كمعيار أول لمواجهة طوفان الطلاق والخلع الذى ضرب استقرار الأسر.
وعلى صعيد الإصلاح السياسي، يطالب شيحة بـ «جراحة عاجلة» لقانون الأحزاب لإنهاء ظاهرة الـ 100 حزب «الكرتونية» التى لا يشارك أغلبها فى الانتخابات، مع ضرورة تغيير النظام الانتخابى ليجمع بين «القائمة النسبية غير المشروطة» والنظام الفردي، وإعادة تقسيم الدوائر لضبط التوازن المختل بين الكثافة السكانية والمساحة الجغرافية، ونحن لا نحتاج أكثر من 4 أو 5 أحزاب تعبر عن مجمل الأطياف المجتمعية.
ويختتم شيحة رؤيته بمراجعة ملف العلاقة بين الملك والمستأجر، مطالبًا بتشريع يوازن بين حقوق الملاك وحماية الفئات الضعيفة وكبار السن عبر بدائل توفرها وزارة التضامن والقطاع الخاص، مؤكدًا أن «بناء الإنسان» يبدأ من ضمان استقراره وحريته تحت مظلة قانون عادل.
طموح فوق السحاب
من جانبه يفتح محمد ممدوح، عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان ملف «المشاركة والتمثيل» بجرأة، مؤكدًا أن تمرير قانون «القائمة المطلقة» أفرز نوابًا نجحوا بنسب صادمة لا تتجاوز %1 من أصوات دوائرهم، مما يضعف الرابطة بين النائب وقاعدته الانتخابية.
ويرى أن طموح الناس «فوق السحاب»، وبانتظار تشريعات تلمس العصب الاجتماعى مثل الأحوال الشخصية، محذرًا من خروج نصوص تزيد الخلاف بدلًا من حسمه.
وشدد على أن أولويات البرلمان يجب أن تبدأ بقانون الإدارة المحلية؛ لتحرير النائب من «كسرة العين» أمام الوزراء بحثًا عن «تأشيرة خدمية»، فالمشرع الذى يقف بباب الوزير لن يجرؤ على استجوابه، والحل هو نقل الخدمات للمحليات، ليتفرغ النائب لدور رقيب الأمة لا «مندوب العائلات».
الشفقة السياسية
وفى تقييمه لمسار المرحلة المقبلة، يرى عبد الناصر قنديل، خبير النظم والتشريعات البرلمانية، أن البرلمان القادم يأتى فى لحظة مفصلية شديدة الحساسية، بل يستدعى قدرا من الشفقة السياسية لسببين رئيسيين، أولهما أن هذا البرلمان لم يحظ بدرجة الرضا الشعبى الكافية، وهو ما يضع على عاتق نوابه مهمة مضاعفة الجهود لإقناع المواطنين بأنهم يستحقون الجلوس تحت قبة التشريع، وهو ما لن يتحقق إلا عبر حزمة تشريعات جادة ومرضية للقاعدة الشعبية الواسعة.
السبب الثانى يتمثل فى تكدس أجندة تشريعية ضاغطة، فرضتها مؤشرات المشاركة العامة والنقاش السياسى الدائر فى الفضاء العام، ما يجعل البرلمان مطالبا بالانتهاء العاجل من قوانين مؤجلة باتت تمثل أولوية مجتمعية، وفى مقدمتها إقرار قانون جديد للانتخابات يعزز نسب المشاركة، ويعيد بناء الثقة فى آليات إدارة العملية الانتخابية، باعتبار أن تعديل النظام الانتخابى الحالى يعد من أبرز التحديات التى ستواجه المجلس.
وأكد أن نظام القائمة المطلقة المغلقة بات مرشحا للإلغاء تحت ضغط شعبى متصاعد، والغضب الحقيقى لم يكن موجها للمرشحين الفرديين، بل لمرشحى القوائم، حيث وجد الناخب نفسه مجبرا على اختيارات لا يملك إزاءها بديلا، وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة النظر فى نسبة المقاعد المخصصة للقوائم أواستبدالها بالقائمة النسبية، حال استمرار العمل بنظام القوائم.
ووضع قنديل قانون الإدارة المحلية على رأس الأولويات، معتبرا أنه قادر على امتصاص قدر كبير من الغضب المجتمعي، خاصة أن الحديث يدور عن أكثر من 56 ألف عضو محتمل بالمحليات، بما يعيد إشراك المواطنين فى الشأن العام، ويخفف العبء عن البرلمان.
كما أكد أهمية الإسراع بإقرار قانون الأحوال الشخصية، الذى كان مطلبًا رئاسيًا منذ أكثر من 6 سنوات، ورغم تشكيل لجنة مختصة به فى البرلمان السابق إلا أنه لم يخرج للنور حتى الآن، إضافة إلى قانون حرية تداول المعلومات، الذى أصبح ضرورة ملحة فى ظل تصاعد حرب الشائعات، وصعوبة الوصول إلى المعلومة.
ولا يغفل قنديل ضرورة مراجعة قانون العلاقة الإيجارية للمساكن، فى ظل ضغط مجتمعى واسع وصعوبات واضحة فى تنفيذ الصيغة الحالية، إلى جانب الحاجة لإقرار حزمة تشريعات اقتصادية تصحح المسار المعيشي، وتشمل قوانين تخص أوضاع المعلمين ونظم الأجور والدعم وحزم العدالة الاجتماعية.
الاقتصاد الأزرق
ومن جهته، يرى دكتور عمرو الهلالي، خبير النظم البرلمانية، ورئيس غرفة العمليات الانتخابية بحزب المؤتمر، أن البرلمان المقبل سيواجه أجندة تشريعية مزدوجة، الأولى حزبية والثانية حكومية، وهو ما يتطلب تنسيقًا واضحًا داخل المؤسسة التشريعية.
وأوضح أن هناك أجندة حزبية تتعلق بتشريعات محددة فى مقدمتها ملف الاقتصاد الأزرق، الذى يحتاج إلى حزمة متكاملة من القوانين والقرارات المرتبطة بالنقل البحرى واللوجستيات، هذا الملف سيكون من أولويات العمل تحت قبة البرلمان لحزبه، خلال المرحلة المقبلة.
وأشار الهلالى إلى أن الحكومة بدورها ستتقدم بأجندة تشريعية مرتبطة بالأحداث والمتغيرات الاقتصادية والسياسية، إلا أن الأولوية الحقيقية من وجهة نظره، تتركز على استكمال التشريعات المؤجلة منذ إقرار دستور 2014، حيث لا تزال هناك قوانين لم ترَ النور حتى الآن رغم النص عليها دستوريًا، وعلى رأسها تشريعات انتخابات المحليات وتشكيل المجالس المحلية، إلى جانب تشكيل بعض اللجان الدستورية التى لم تُفعّل حتى الآن.







