القس أندريه زكى لـروزاليوسف :
لا سلام بلا عدل ومصر صمام أمان المنطقة
حوار- وفاء وصفى
فى لحظة فارقة من تاريخ الوطن؛ حيث تتقاطع التحديات الإقليمية مع أسئلة الداخل حول العدالة الاجتماعية، والمواطنة، ودور المؤسّسات الدينية فى بناء المجال العام، يبرز اسم القس الدكتور «أندريه زكى»، بوصفه أحد الأصوات التى تجمع بين العمق اللاهوتى والرؤية المدنية.
رئيس الطائفة الإنجيلية ومدير الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية؛ لا يكتفى بدور رعوى تقليدى؛ بل يخوض فى قلب النقاشات الكبرى حول علاقة الكنيسة بالدولة، وحدود التدخل الاجتماعى، ومفهوم قبول الآخر فى مجتمع متعدد.
فى هذا الحوار، نفتح مع القس «أندريه زكى» ملفات شائكة ومفتوحة، من التعاون بين الكنيسة والدولة فى قضايا المجتمع المدنى، إلى تقييمه لقانون بناء الكنائس بَعد سنوات من صدوره، ورؤيته لمفهوم «قبول الآخر» فى ظل تصاعد الخطابات الاقصائية.
ونسأله عن حدود الدور الكنسى فى السياسة الخارجية، ولا يغيب عن الحوار موقع الطائفة الإنجيلية فى مشهد الطوائف المسيحية، وعلاقته بالبابا تواضروس الثانى، فى ظل الحاجة إلى خطاب مسيحى موحد يواجه التحديات المشتركة.
فى البداية؛ على ماذا تركز رسالة الكنيسة الإنجيلية فى عيد الميلاد المجيد هذا العام؟
- المنطقة تمر بالكثير من التحديات المرتبطة بالحروب والتوترات الإقليمية، ولهذا نركز فى رسالة العيد هذا العام عن ميلاد السيد المسيح، رئيس السلام؛ لتكون «رسالة السلام»، نحن نحتاج إلى السلام لأن ما يحدث حولنا، سواء فى السودان أو فى غزة وفى سوريا والصومال يعنى أن المنطقة تعرف الحرب أكثر مما تعرف عن السلام، نحن نحتاج إلى السلام.
تعتبر مصر أن السلام خيارها الاستراتيجى، وتنادى به دائمًا وتعمل على حل الخلافات بالطرق الدبلوماسية والحوار.. ولكن كيف يتحقق من وجهة نظر حضرتك فى ظل ممارسات كيان يقوم بتغليب منطق الصراع طوال الوقت؟
- السلام يرتبط بالعدل، ولا يمكن أن يكون هناك معنى حقيقى له دون ارتباطه بالعدل، وهو أيضًا يرتبط بالحقوق، ما يعنى أنه لا سلام على حساب الحقوق، ولا سلام من دون عدل.. ارتباطه بالحقوق وارتباطه بالعدل؛ يجعله شيئًا جوهريًا وثابتًا، وليس وقتيًا، ولذلك عندما نطالب بالسلام لكل الناس، فنحن نعنى أننا ضد العنف بكل أشكاله، ومع السلام للجميع فى المنطقة بأكملها.
نصلى وندعو بأنّ يحل السلام، وبالنسبة لى فإن أهم حدث فى 2025 هو اتفاقية السلام التى تم توقعيها فى شرم الشيخ مؤخرًا، بعد أن رأينا ويلات الحرب وما فعلته من تشريد وقتل، ولذلك أرى ما حدث فى شرم الشيخ رسالة تؤكد أن السلام هو الرجاء والأمل.
فى قمة شرم الشيخ، ترجمت مصر رؤيتها للسلام.. من وجهة نظرك كيف تترجم المعانى التى خرجت من القمة لتعم العالم والمنطقة، فى ظل المخاوف من ظهور جبهات صراع أخرى؟
- رسالة السيد المسيح له المَجد؛ هى رسالة السلام، وسُّمى رئيس السلام، وبالتالى فإن الدعوة إلى السلام هى أمرٌ مهمٌ جدًا.
لو تركنا السياسة قليلًا، وبعيدًا عن منصبك الرسمى.. مَن هو القس أندريه زكى، وما هى رسالتك للشباب؟
- أنا مهتم دائمًا بالشباب، هم بالنسبة لى المستقبل، وأعتقد أن أهم نقطة هى الثقة فيهم وفى قدرتهم؛ لأن عدم الثقة أمر خطير، ولذلك أنادى دائمًا بأن تتحدث الكنيسة باللغة التى يفهمونها، وعلى القادة أن يثقوا بهم.
ودائمًا ما أقول إن القائد الذى يقول «ما فيش حد غيرى ينفع» قائد فاشل، القائد الحقيقى هو الذى يؤمن بقدرات مَن حوله من الناس، والشباب أهم فئة، هم المستقبل، علينا الثقة فى قدرتهم وفى إنجازهم والصبر عليهم، وأن لا يكون هناك متربص بأخطائهم، ويكون صبورًا، وأن يساعدهم على تجاوز أخطائهم، تلك الثقة تعنى أن المستقبل سيكون أفضل، كل تلك النقاط تعد ملامح مهمة بالنسبة لى فى علاقتى مع الشباب.
أنا شخص بسيط أحب الحياة وأومن بالإنسان وأثق فى قدرات الناس، وأسعى دائمًا إلى الاعتدال، أنا بطبعى معتدل، أميل إلى الاعتدال، والوسطية.
من نقطة الاعتدال، للكنيسة الإنجليية تحديدًا دور بارز وكبير جدًا فى التعامل مع تحديات الواقع؛ خصوصًا فى صعيد مصر.. فى هذا الإطار ما أبرز التحديات التى تواجه المجتمع المصرى من وجهة نظرك؟
- الوضع الاقتصادى من أهم التحديات، وبرزت فى 2025 مؤشرات اقتصادية رائعة كثيرة، ونأمل أن يكون 2026 بداية ليشعر الناس بثمار الإصلاحات التى كانت ضرورية لمصر، الوضع الاقتصادى واحد من التحديات الحقيقية على أرض الواقع.
نحن نشعر بالسلام والطمأنينة بعمق، وهو أمرٌ تعززه القيادة السياسية والجيش المصرى والشرطة، نعيش فى أمان ومجتمع آمِن، وهو إحساس غالٍ جدًا، ونرى الناس تتحدث عن ذلك؛ لأنها ترى ما يحدث حولنا فى المنطقة، قضية الأمن قضية جوهرية وضرورية.
أيضًا قضية العيش المشترك من القضايا المهمة التى تهتم بها الناس وتدعمها، ودائمًا عندها استعداد لمساندة الإجراءات التى تؤكدها، هذه هى الثلاث التى أستطيع أن أضعها بالترتيب، الوضع الاقتصادى وتطوراته والأمن والعيش المشترك.
الهيئة الإنجيلية لها دور كبير فى مسألة قبول الآخر.. من واقع التجربة إلى أين وصلت مصر فى هذه المسألة؟
- قضايا التنمية تختلف عن القضايا الثقافية، بمعنى أن المجتمع الذى يحتاج للمياه النقية على سبيل المثال، تحل مشكلته على الفور بمجرد دخول المياه، الأمور التنموية يسهل قياسها لأنها محدّدة وملموسة، لكن الأمور التى تتعلق بالتقاليد والعادات والثقافة تستغرق وقتًا أطول ومجهودًا تراكميًا،أنا أراها مثل مبنى كبير نبنيه من طوبة على طوبة، ولو وصلنا إلى منتصفه وقلنا «ما فيش فايدة فلن نكمل البناء، لكن الذى يُكمل حتى الطوبة الأخيرة هو مَن سيرى مبناه كاملًا.
الدول والشعوب المتقدمة لم تتقدم فى يوم وليلة؛ بل عبر مئات السنين، وبناء الحضارة فى بعض المناطق استغرق 200 سنة حتى أتت الثمار والتأثير، ولذلك أنا من المؤمنين بالصبر على التغيرات الثقافية، هى تستغرق وقتًا وتحتاج إلى صبر، والقبول يستغرق وقتًا أطول، الأمر ليس ضغطًا على زر فنجد أن الدنيا تغيرت.
فى رأيك.. ما هى أهم معوقات تقدُّمنا فى هذا الملف؟
- واحدة من أهم المعوقات، وتتضح جدًا على السوشيال ميديا هى الشائعات، وهى سلاح خطر جدًا.
فى رأيك.. أين يكمن الخطر؛ فى الشائعات أمْ فى السوشيال ميديا بشكل عام؟
- السوشيال ميديا بها إيجابيات وسلبيات، والشائعات هى أحد أخطر وسيلة يتم توظيفها عبر السوشيال ميديا، نصف الحقيقة كذب، والشائعات تبنى على أنصاف حقائق وعلى كذب، وأخطر المعوقات أمام ملفات المواطنة والعيش المشترك، هى الشائعات.
الأمر الثانى هو تهويل المشكلات.. المجتمع الخالى من المشكلات مجتمع وهمى وغير موجود، وهناك مشكلات وقضايا تحتاج جدية فى التعامل معها، وأخرى تحتاج للتكاتف ولكن فى إطار عدم التهويل أو عدم التقليل، الأمور يجب أن تؤخذ فى إطارها الطبيعى.
الأمر الثالث هو نقل الخبرات الجيدة.. نحن دائمًا نرى الخبرات السلبية، هناك نصف الكوب المليان، علينا ألا ننظر فقط إلى النصف الفارغ، علينا رؤية الصورة كاملة حتى ندرك التغير الثقافى الذى يحدث.
فى قضية المواطنة وقبول الآخر، نحن مجتمع عاش تجربة مريرة قبل ثورة 30 يونيو؛ حيث رأينا كمًّا كبيرًا من محاولات إثارة الفتن، ولدَى حضرتك تشخيص لتلك الحالة شرحته فى أكثر من لقاء.. من وجهة نظرك ما الذى تغير؟
- الحقيقة نحن نُقلنا فى قضية المواطنة نقلة مهمة جدًا؛ حيث ربطت القيادة السياسية الأمر بالتغير الفعلى على أرض الواقع، أنا لا أقول كلامًا نظريًا، وعلى سبيل المثال فإنه فى مجال بناء الكنائس فإن التعديلات القانونية حلت مشكلة كبرى فى هذا الملف، وأيضًا فى مجال قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، القانون تم توقيعه من الكنائس وفى طريقه إلى البرلمان فى دورته المقبلة، وأيضًا إنشاء هيئة الأوقاف الكاثوليكية، وهيئة الأوقاف الإنجيلية، كلها نقاط مهمة جدًا.
الدولة تقدم أراضى مجانية لبناء الكنائس فى المدن الجديدة، نحن خلال السنوات العشر الماضية أصبح لدينا عدد ليس بالقليل من الأراضى فى المدن الجديدة.
ويجرى تطبيق القانون على الجميع؛ خصوصًا فى أحداث التوتر الطائفى أو التوتر الدينى، كل ذلك مؤشرات تقول إن المواطنة لم تعد شعارًا، لكنها انتقلت إلى التطبيق على أرض الواقع، «نحن مشينا فى سكة كويسة جدًا، وعايزين نستمر على نفس الطريق».
وأيضًا زيارة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي للكاتدرائية فى كل عيد، والتأكيد على أن هذا بيت من بيوت الله، والتأكيد على ارتباطه بتغريدة تهنئة كل عيد، كل تلك المسائل تجعل الكلام عن المواطنة يخرج من الإطار النظرى إلى التطبيق العملى على أرض الواقع، لا يوجد شىء يتم فى ساعة؛ بل يحتاج وقتًا، وأنا أتصور أننا فى الطريق الصحيح.
ما هو المطلوب إنجازه فى ملف المواطنة ليصبح ممارسة مجتمعية راسخة؟
- توجد وسائل مهمة جدًا، وهى قوة إيجابية ضاربه فى دعم قضايا المواطنة، واحدة منها هى وسائل الإعلام الذى يلعب دورًا مهمًا فى تشكيل العقلية، والسوشيال ميديا أصبحت تعد جزءًا من الإعلام، من الجيد أن يكون لدينا إعلام تعددى يؤمن بأن من حق كل شخص التعبير عن نفسه بالطريقة التى يراها مناسبة، وأن يكون لدينا إعلام يؤمن بأن من حق كل وجهة نظر أن تطرح بشكل إيجابى، وأن يدور حولها النقاش.
الإعلام التعددى فى اعتقادى من المسائل المهمة، ونحن لدينا هذا الإعلام التعددى ولكن نريد تشجيعه وتنميته.
وأيضًا المناهج التعليمية؛ من الضرورى أن تتم مراجعتها لتكون داعمة لقضايا المواطنة وقبول الآخر والتنوع.. هذا الأمر من الأمور المهمة جدًا لأن المناهج التعليمية إحدى أدوات التنشئة التى تلعب دورًا مهمًا فى التغيرات الثقاقية. وهناك أيضًا المؤسّسات الدينية، نحتاج خطابًا يدرك الآخر، ونحتاج خطابًا يكون حساسًا للآخر، نحن نحتاج خطابًا يعكس فهم النص فى سياقاته وفى تداعياته ويراه فى أبعاد مختلفة، ويعود إلى الواقع ليغيره.
أنا أعتقد أن المؤسّسات الدينية والمؤسّسات التعليمية والمؤسّسات الإعلامية 3 مؤسّسات تمثل الركيزة الحقيقية لتطور قضية المواطنة والتعددية وقبول الآخر فى مصر.
تحدثت عن الإعلام ودوره فى ملف المواطنة.. هل ترى أن هناك خلطًا بين دور الخطاب الدينى وبين السياسة والإعلام؟
- أتصور أن غير المتخصّصين يتصدون أحيانًا لأمور مهمة وفى النهاية يتسببون فى مشكلة، الأمر لا يتعلق بمذيع فقط؛ ولكن المُعد أيضًا فى أحيانًا كثيرة يكون من غير المتخصّصين.
الأمر الثانى؛ أنا دائمًا أقول إن خلط الدين بالسياسة خطر، وأنا لا أتحدث عن دين محدّد ولا بلد محدّد، أتكلم عن أى دين سواء كان سماويًا أو وضعيًا. أى دين وفى أى بلد، عندما يُخلط الدين بالسياسة يسيطر الدين، وحينما يسيطر الدين يسيطر الجناح المتطرف فى فهم الدين.. هذه عملية محسومة ومحسوبة تاريخيًا وثقافيًا واجتماعيًا.
هناك ضرورة لأن يكون هناك فصل أو عدم خلط بين الدين والسياسة.. هذه ضرورة مهمة، مع اللجوء للمتخصّصين فى المسائل الدينية عند الحاجة، اللجوء لغيرهم بيفرق كثير جدًا.
نستطع القول إن هناك خطوطًا حمراء لا يجب تجاوزها فى الإعلام فيما يخص القضايا الدينية؟ أمْ أنك لست مع وصف «خطوط حمراء» فى هذا الصدد؟
- لا أفضّل استخدام لفظ «خط أحمر»، لكن أرجع وأستخدم المصطلح أو الفكرة التى قلتها وهى أهمية العودة إلى المتخصّصين، يعنى مثلاً كان هناك حوارٌ الأسبوع الماضى حول أن سِفْر إشعياء كُتِب فى القرن 15 الميلادى، كل الأدلة التاريخية لدى المتخصّصين والعلماء تقول إنه كُتِب فى القرن الثامن قبل الميلاد 700 إلى 800 سنة قبل مجىء السيد المسيح، وآلاف المخطوطات تثبت ذلك، ولذلك لا بُدّ من الرجوع إلى المتخصّصين قبل ما أقول معلومة دينية قد تحدث بَلبَلة أو تسبب مشكلة.
وهناك علماء للكتاب المقدس سواء للعهد القديم أو العهد الجديد يستطيعون الإفادة فى هذا المجال.. أنا لست مع الخطوط الحمراء فى القضايا الدينية والثقافية، لكن مع التخصّص.
تعانى أغلب الكنائس ورجال الدين مما ينشر من تجاوزات على السوشيال ميديا.. من وجهة نظرك كيف يجب على رجل الدين التعامل مع الأمر؛ خصوصًا أن وسائل التواصل الاجتماعى أصبحت نافذة أساسية ورئيسية للشباب؟
- أطالب دائمًا بالتدريب على العقلية النقدية، سواء كرجل دين أو كمواطن عادى.. السوشيال ميديا بها الكثير من الحقائق وبها الكثير من الفبركة، بها منارة للعلم والمعرفة والتعلم والاستفادة، وبها أيضًا أخبار كاذبة وفبركة للصور، المهم هو العقلية النقدية التى تميز.. السوشيال ميديا ليست مقدسة، وبالتالى أنا أنادى بالعقلية النقدية المدربة على فرز ما تقرأه وما تشاهده.
فى هذه النقطة.. ما المطلوب من لغة الخطاب الدينى لمواكبة العصر؟
- نحن مدعوون كقادة دينيين سواء مسلمين أو مسيحيين، إلى استخدام لغة يفهمها الناس؛ وبخاصة الشباب.. التعقيد اللغوى يؤدى فى النهاية إلى عدم فهم القضايا المطروحة، وبالتالى فإن استخدام لغة يفهمها الشباب، أو تفهمها الناس أمرٌ مهم جدًا، ويلعب دورًا كبيرًا جدًا فى مساعدة الناس على التعامل مع النصوص؛ وبخاصة المُقدسة؛ لأن الفهم يغير ويؤثر بشكل كبير جدًا، ولذلك أنا أدعو إلى الفهم، إلى ضرورة التبسيط، ولكن التبسيط غير المخل، وإلى ضرورة استخدام لغة تناسب العصر.
بما أننا نتحدث عن لغة الخطاب الدينى، هناك اتهام يتكرّر للطائفة الإنجيلية خاصة بأنها تستخدم لغة لجذب الشباب من الطوائف الأخرى.. فما رأيك؟
- هذا اتهام قديم، حاليًا أنا ألاحظ أن كل الكنائس بكل مَذاهبها لديها نجوم ومفكرون، وأشخاص عندهم قدرات وعندهم جاذبية وشعبية، الساتلايت والسوشيال ميديا أعطت مساحة كبيرة لكل الناس، والـ 20 سنة الأخيرة ظهر الكثير من المفكرين والنجوم من كل الطوائف المسيحية، وهم قادرون على التأثير وجذب الشباب.
بما أننا نتحدث عن الطوائف الأخرى.. ما علاقة القس أندريه زكى بقداسة البابا تواضروس الثانى؟
- علاقة مَحبة واحترام وتقدير متبادَل، قداسة البابا شخصية مستنيرة ، محبة، متواضعة ، مسكونية، وتميل للخير دائمًا، العلاقة قائمة على الاحترام والحب المتبادل.
إلى أى مدى يُعَد الحوار الدائم والمستمر بين الطوائف المختلفة مُهمًا؟
- هو ضرورة مُلحة؛ لأن قضايا السلام ليست فقط سلامًا سياسيًا، ولكن هناك سلام اجتماعى وسلام دينى أيضًا، قضايا السلام قضايا مهمة ومتنوعة، وأعتقد أن من مصلحة الأديان كلها ومن مصلحة الطوائف كلها أن تكون هناك أرضية مشتركة، وفى مساحة من قبول الآخر وقبول حق الاختلاف.. هذه المساحات ضرورية، الحوار من الأشياء التى تبنى الجسور، وتفكك خطاب الكراهية ليس فقط بناء الجسور بالمعنى الإيجابى، لكنها تفكك خطاب الكراهية، وتجعله عديم التأثير لأنه خطأ، أنا مع الحوار، وأومِن به وأدعو إليه.
تابعنا تصريحاتك مؤخرًا عن حوار لتوحيد الاحتفال بعيد الميلاد.. هل هناك خطوات لإقرار ذلك؟
- الاختلاف فى مواعيد عيد الميلاد، اختلافات تقاويم، وأتصور أن هناك ثلاث وجهات نظر، الأولى تتحدث عن 25/12 وهناك وجهة نظر تقول 7 يناير، والثالثة تقول لا هذا ولا ذاك وإنما توقيت آخر قريب منهما.
أنا أعتقد أن القضية ليست قضية خطيرة لأنها ليست قضية عقائدية، ولكن قضية تقاويم، إذا نجحت الكنائس فى الوصول إلى حاجة مشتركة خير وبركة، إن لم تنجح فالأمر لا يؤثر عليها.
وهل من الممكن فعلًا توحيد الاحتفال؟
- نعم ممكن، ولكن ليس بسهولة لأنه تم تسييس الموضوع، بمعنى أنه لو أصبح الاحتفال يوم 25 يبقى أنصار 25 انتصروا، ولو 7 يناير يبقى أنصاره انتصروا، تم تسيس الموضوع ولم يَعُد سهلًا الآن، لكن ربما يتغير هذا.
فى مسألة الحوار بين الكنائس، هناك أرضية مشتركة فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية.. ما القضايا الأخرى التى تراها مهمة فى الحوار؟
- فى قانون الأحوال الشخصية كنا متفقين على 95 % من بنود القانون، و5 % الباقية كانت فى قضايا جوهرية مثل قضايا الزواج والطلاق وقضايا بُطلان الزواج، ولحلها خصّصنا بابًا منفصلًا لكل كنيسة؛ لأنها أمور عقائدية بالدرجة الأولى.
الهيئة القبطية الإنجيلية من أكثر الطوائف التى تهتم بالعمل فى المجتمع المدنى.. كيف تطور الأمر خلال السنوات الأخيرة؛ خصوصًا مع اهتمام الدولة الكبير به، وما مردود ذلك على الكنيسة والدولة، وكيف يتم تحديد المناطق التى ستعمل عليها الهيئة؟
- المجتمع المدنى فى مصر تغير بداية من عام 2022 تغيرًا جذريًا كبيرًا جدًا، كان هناك قانون للمجتمع المدنى يشكل تحديات للمؤسّسات والهيئات، لكن القانون الذى صدر فى 2022 كان يدعم المجتمع المدنى.. هذه النقلة فتحت مجالات، وأيضًا إنشاء التحالف الوطنى للتنمية، والهيئة جزء منه.. كل هذه العوامل نقلت المجتمع المدنى فى مصر نقلة كبيرة جدًا، وأصبحت مساحات التعاون بين الدولة ومؤسّسات المجتمع المدنى عالية جدًا، يعنى مثلًا نحن لدينا مبادرة اسمها مبادرة «ازرع»، تقوم بها الهيئة تحت إشراف التحالف الوطنى وبالشراكة مع وزارة التضامن الاجتماعى، ووزارة الزراعة المصرية، وهذا مزيج من العمل المشترك لصالح الأمن الغذائى، والأمن المائى، والأمن القومى، وبغرض زراعة 250.000 فدان قمح، وتوفير تقاوى صالحة وجيدة، هذا فى مجمله عملية تفاعل. أنا أرى أن العلاقة بين المجتمع المدنى والدولة علاقة جيدة للغاية، أمّا بالنسبة لاختيار المناطق؛ فهناك ما نسميه «دراسة قبلية»، ندرس المجتمعات والتوسع الجغرافى، وفى ضوء ما نصل إليه واحتياجات المجتمعات، نحدّد ما هى طبيعة ما نحن ذاهبون إليه.
ما دور الهيئة فى توعية الشباب بمخاطر الهجرة غير المشروعة؛ خصوصًا فى الصعيد؟
- نقوم بعمل برامج تلعب دورًا مباشرًا وغير مباشر فى وقف هجرة الشباب، ولدينا برامج تنموية من شأنها تحسين ظروف الناس، وبرامج اقتصادية تعطى للشباب من ليس لديهم فرص عمل للتقليل من الهجرة.
من وجهة نظرك.. كيف يتعامل رجل الدين مع القضايا الاجتماعية والاقتصادية؟
- هناك فارق بين الاهتمام بالشأن العام والعمل السياسى المباشر، الاهتمام بالشأن العام مشاركة، لكن العمل السياسى المباشر مثل الدعوة لانتخاب شخص بعينه فى البرلمان عمل سياسى.. نحن ندعو رجل الدين للاهتمام بالشأن العام، وليس العمل السياسى المباشر.
عندما نتحدث عن العلاقات الخارجية والحوار.. إلى أى مدى ترى أهمية الدبلوماسية الشعبية؟
- الدبلوماسية الشعبية برنامج مهم؛ لأنه يبنى الجسور مع الآخر، والآخر الدولى، عملية تفكك الكراهية وتقدم الصورة الصحيحة لما يحدث فى بلدك، وتتعرف على الصورة الصحيحة لما يحدث فى الخارج لأن الصورة السلبية ليست من طرف واحد، وأهمية هذه البرامج أنها تسعى إلى بناء الجسور، وإلى تقديم الصورة السليمة عن نفسك وفهم الصورة السليمة عن الآخر، لكسر الأنماط السلبية.
بعض القضايا التى طرحت فى الفترة الأخيرة وكانت محل نقاش قضية المسيحية الصهيونية، واللغط الذى أثير حول هذا المفهوم أو هذا الأمر، ما رأيك فيه؟
-بالنسبة لنا فى مصر؛ أنا أصدرت بيانًا وقلت فيه بوضوح أنه لا يوجد فى مصر أى من المذاهب الإنجيلية مرتبطة أو تؤمن أو لها علاقة بما يسمى بالمسيحية الصهيونية.
ما يسمى المسيحية الصهيونية هو تعبير ارتبط بالتيار اللاهوتى المسيحى، ويوجد تياران رئيسيان، أحدهما يسمى بالتيار العهدى ويؤمن بأن كل النبوات المتعلقة بالكتاب المقدس تحققت فى شخص المسيح، وأن الكنيسة هى إسرائيل الروحى الجديد، وأن الكنيسة تحققت فيها كل النبؤات، وبالتالى هذا التيار يمثل أغلبية من الكنائس فى العالم.
ويوجد التيار التدبيرى الذى يقول إن الكنيسة وإسرائيل خطان متوازيان، وسيأتى المسيح ويختطف الكنيسة ثم يحكم مع اليهود الذين يؤمنون به 1000 عام.. هذا التيار دخل منه تيار سياسى وظف النبؤات ويقول نحن نساعد الله فى تحقيقها.. هذا التيار موجود، لكنه لا يمثل الأغلبية، وفى مصر لا يوجد من يؤمن به، والبعض يحاول الخلط بين الإنجيليين بشكل عام، لكننا قلنا إنه لا علاقة لنا بهذا التيار، وأننا مرتبطون بالفكر الذى يساند السلام، ويساند الحقوق التاريخية للشعب الفلسطينى.
فى مصر هناك من يؤمن باللاهوت العهدى، وهناك من يؤمن باللاهوت التدبيرى، لكن لا نؤمن بفكر المسيحية الصهيونية، كل المذاهب بالإجماع عندها موقف موحد وهو فى إطار الفكر الوطنى المصرى.
فى النهاية.. كيف ترى دور مصر الإقليمى؛ خصوصًا فى ظل التحديات الجسيمة التى ش المنطقة؟
- مصر صمام الأمان، وبقدراتها العسكرية والمدنية تلعب دورًا كبيرًا مُهمًا فى حفظ التوازن فى المنطقة، وأنا أتصور أن الدور الذى قامت به مصر فى شرم الشيخ، ودورها المستمر فى دعم القضية الفلسطينية والاستقرار فى الشرق الأوسط، دور مهم للغاية، وبالتالى أنا أتصور أنه دور لا غنى عنه، نفتخر به ونطمئن إليه، ونستند عليه.
كيف ترى مسئولية المؤسّسات الدينية تجاه الأزمات المحيطة بنا؛ خصوصًا أننا رأينا الهيئة الإنجيلية وهى ترسل بعض المساعدات لقطاع غزة؟
- دور إنسانى 100 %، معاناة الناس أيًا كان لونهم وأيًا كان دينهم، وأيًا كان جنسهم تدمع العين.. والمؤسّسات الدينية التى لا تحترم الإنسانية مؤسّسات فى خطر، لقد تألمت كثيرًا لما حدث فى غزة، وأتألم من فقدان أى إنسان.. نحن مع السلام ومع المساعدات الإنسانية التى تُعَبر عن إنسانية الإنسان.







