الأربعاء 7 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
التفكير خارج الصندوق

ع المصطبة

التفكير خارج الصندوق

نردد كثيرًا مصطلح التفكير خارج الصندوق، فى حين علينا أن نعرف أولًا ما هو الصندوق حتى نفكر خارجه، فى رأيى أن الصندوق هو كل تقليد لنجاحات الآخرين وكل محاولة لتكرار ما سبق أن فعلناه أو فعله غيرنا، فى حين أن التفكير خارج الصندوق لا يعنى فقط الخروج عن المألوف أو الإتيان بما هو مستحدث، بل قبل كل ذلك إدراك ما لدينا من قدرات وأدوات وحسن استخدامها على أكمل وجه.



وحتى لا يصبح ما سبق من كلمات مجرد تنظير، سأذكر بعض الأمثلة على التفكير خارج الصندوق.

فى الصين حاول الصينيون منافسة أوروبا وأمريكا واليابان فى مجال صناعة السيارات لكنهم ظلوا أسرى تفوق تلك الدول فى تكنولوجيا المحركات، إلى أن جاءتها الفرصة فى مجال السيارات الكهربائية ومن خلال محاولاتهم تقليد سيارة «تسلا» الكهربائية وجدت الصين نفسها تبدع وتتفوق فى مجال تكنولوجيا صناعة البطاريات لتضع نفسها على قمة هرم هذه الصناعة، لم يكن يتخيل أحد أن تنافس البطاريات تلك المحركات، فغاية ما كان يتصوره المتفائلون أن يتم تصنيع بطاريات للسيارات الملاكى الصغيرة، لتخرج لنا الصين بسيارات دفع رباعى وسيارات نقل وتتفوق البطاريات على المحركات بالضربة القاضية.

ما فعلته الصين كان تفكيرًا خارج الصندوق وفوق كل ذلك استغلال لما لديها من أدوات وأيضًا استشراف للمستقبل الذى يعتمد على فكرة التخلى عن الوقود الأحفورى والاعتماد قدر الإمكان على الطاقة النظيفة.

نموذج آخر للتفكير خارج الصندوق لكن هذه المرة من الهند، حيث وجد رئيس الوزراء الراحل راجيف غاندى، عند توليه مقاليد الحكم أن شرائح كثيرة فى بلاده تعانى الفقر فى ظل الانفجار السكانى (الهند الآن تفوقت من حيث عدد السكان على الصين) لم يعلق الأزمة على شماعة الانفجار السكانى بل نظر إلى سكان دولته باعتبارهم ثروة بشرية، وتفتق ذهنه عن فكرة بسيطة لكنها غاية فى العبقرية، اعتمدت فكرته على استغلال طاقات الشباب بأقل تكلفة مادية من خلال توظيف هذه الطاقات فى مجال البرمجيات، فالأمر لا يحتاج سوى عقل بشرى وجهاز كمبيوتر لا أكثر ولا أقل، لتنافس الهند الولايات المتحدة وأوروبا فى مجال صناعة البرمجيات، لتصبح لديها عاصمة راسخة فى هذا المجال ووادى سيلكون هندى فى مدينة بنجالور.

وأصبحت صناعة البرمجيات فى الهند قوة عالمية رائدة، مدفوعة بقاعدة كبيرة من المواهب الهندسية والتقنية، ونظام تعليمى قوى، وسياسات حكومية داعمة، وبنية تحتية متطورة، مما أدى إلى نمو هائل فى الصادرات والتوظيف فى مجالات مثل الذكاء الاصطناعى، والحوسبة السحابية، والأمن السيبرانى، وتطوير التطبيقات المخصصة، لتصبح مركزًا رئيسيًا لخدمات تكنولوجيا المعلومات وتعهيد العمليات على مستوى العالم.

عبقرية هذه التجربة أنها حولت ما كان ينظر إليه كونه مشكلة (الانفجار السكانى والفقر) إلى ميزة وفرصة للنمو الاقتصادى، فتم استغلال هذه الثروة البشرية بالشكل الأمثل، وكذلك الاستفادة من رخص الأيدى العاملة فى تقديم برمجيات تنافس مثيلاتها الغربية بأسعار أقل. 

هناك أيضًا قصة متداولة وإن كنت لا أستطيع تأكيدها أو نفيها إلا أنها ذات مغزى فى مجال حديثنا عن التفكير خارج الصندوق، فالمعروف أن أقلام الحبر الجاف تعتمد فى عملها على الجاذبية الأرضية لذلك إذا تركنا قلمًا مقلوبًا سوف يتسرب من أنبوبته الحبر مرة أخرى، ويقال إن رواد الفضاء كانوا يعانون من مشكلة انعدام الجاذبية أثناء تدوين ملاحظاتهم خلال رحلاتهم الفضائية، وخصصت الولايات المتحدة ملايين الدولارات من أجل الأبحاث الهادفة لصناعة قلم لا يتأثر بانعدام الجاذبية، فى المقابل وجدت روسيا الحل بتكلفة زهيدة جدًا وذلك باستعمال القلم الرصاص بدلًا من الجاف.