عبور «القاهرة» للعام الجديد
روزاليوسف
مع دخول مصر عامًا جديدًا، لا يمكن قراءة المشهد فقط بما تحقق على الأرض، بل ربما الأهم ما تجنبته القاهرة، فبين خرائط تعاد صياغتها بالقوة، وعواصم انجرفت إلى حروب مفتوحة أو انهيارات ممتدة، تدخل مصر عامها الجديد وهى ما زالت فى موقع الدولة الصامدة لا الضحية.
لم تكن السنوات الماضية مجرد مرحلة عابرة، بل اختبار قاس لطبيعة القرار وقدرته على الصمود، ضغوط إقليمية متلاحقة، ومحاولات متكررة لتوريط القاهرة فى مواجهات عسكرية مباشرة، عبر أكثر من بوابة.. حدود ملتهبة، أزمات إقليمية مفتوحة، واستفزازات محسوبة أرادت دفع مصر إلى مربع الاستنزاف.
كان واضحا أن هناك من يتمنى أن تُستدرج القاهرة إلى صراع لا يخدم مصالحها، أو أن تجبر على اتخاذ مواقف انفعالية تفقدها قدرتها على المناورة.
لكن ما حدث فعليا هو أن مصر اختارت مسارا أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة على المدى القصير، وهو التمسك بالثوابت دون الانزلاق، والحضور دون التورط.
لم تدخل حربا، وفى الوقت نفسه، لم تقدم أى تنازلات تمس سيادتها أو دورها الإقليمى أو أمنها القومي. وهو توازن نادر فى إقليم باتت فيه الخيارات غالبا حادة.. إما الصدام الكامل، أو الانكفاء.
الأهم أن القاهرة لم تتراجع عن دورها الإقليمى، بل أعادت تعريفه بهدوء، وظلت لاعبا أساسيا فى الملفات الأكثر تعقيدا، من القضية الفلسطينية، حيث بقى الدور المصرى قائما على منع الانفجار الشامل، إلى ملفات الجوار الإقليمى التى تتطلب قدرة على الوساطة لا تقل أهمية عن القدرة على الردع. هذا الدور، رغم أنه لا يصنع عناوين صاخبة، إلا أنه يحفظ توازنات حيوية فى منطقة تعيش على حافة الانفجار الدائم.
وفى الوقت الذى سقطت فيه عواصم عربية فى فخ الاستفزاز، أو دفعت ثمن قرارات متسرعة، نجحت مصر فى تفادى المصير نفسه، لم تستنزف عسكريا، ولم تحاصر سياسيا، ولم تدفع إلى موقع التابع أو المنخرط قسرا فى صراعات الآخرين، وهذا فى حد ذاته مكسب استراتيجى كبير، لأن الحفاظ على الدولة فى محيط منهار هو إنجاز ضخم.
اقتصاديا، تدخل مصر العام الجديد وهى تقترب من تجاوز ذروة أزمة معقدة ضربت العالم بأسره، لكنها تركت أثرا مضاعفا على الاقتصادات الناشئة. تضخم عالمى، اضطراب سلاسل الإمداد، ارتفاع تكلفة الطاقة، وتشديد السياسات النقدية الدولية، كلها عوامل ضغطت بقوة، وفرضت واقعا اقتصاديا صعبا لا يمكن إنكاره.
لكن المؤشرات الصادرة عن مؤسسات دولية، تؤكد أن الاقتصاد المصرى بدأ بالفعل مرحلة الانتقال من إدارة الأزمة إلى استعادة التوازن. ليس عبر حلول سريعة أو وعود سهلة، بل من خلال مسار تدريجى يتضمن تحسنًا فى ميزان المدفوعات، وزيادة تدفقات الاستثمار، وإعادة ضبط السياسات المالية والنقدية. وهى خطوات بطيئة أحيانا، لكنها أكثر صلابة من القفزات الوهمية.
الحديث هنا لا يدور عن انتعاش فورى، بل عن خروج تدريجى من الأزمة إلى سنوات انفراجة نسبية على المستويين الاقتصادى والسياسى، خصوصًا مع تراجع الضغوط الخارجية وتحسن المناخ الاستثمارى الإقليمى والدولي.
ومع بداية سنة جديدة، ربما يكون أهم انتصار فى هذه المنطقة المشتعلة هو أن تحافظ على حدودك آمنة، وأن تواصل بناء اقتصادك وسط العواصف، وأن تبقى كلمتك ذات وزن فى إقليم تتكلم فيه البنادق أكثر مما تتكلم العقول، فالانتصارات لا تقاس دائما بما نعلنه، بل أحيانًا بما ننجح فى تفاديه.
مصر لم تنتصر لأنها رفعت شعارات كبرى، بل لأنها اختارت طريق الدولة فى زمن الفوضى، اختارت ضبط الإيقاع بدل الانجراف، والحساب بدل الاندفاع، والنفس الطويل بدل رد الفعل السريع. ومع دخولها عامًا جديدًا، قد يكون هذا أحد أهم أسباب بقائها رقما صعبا فى معادلة إقليم لا يرحم الضعفاء ولا المتسرعين.
وبالنظر لكل الاحتمالات المفتوحة فى السنوات السابقة.. يمكننا القول أننا «عبرنا» إلى العام الجديد.







