الجمعة 16 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

تحليل

المشهد السياسى والانتخابى فى 2025

حراك.. وتوازنات.. وضرورة الإصلاح التشريعى



 

يشكل  المشهد السياسى والانتخابى فى مصر خلال عام 2025 انعكاسا لتطور الحياة السياسية على الرغم من التحديات التى تواجهها الدولة على المستوى الداخلى والإقليمى وكذلك الدولي. إلا أن الدولة المصرية عزمت على تنفيذ التزاماتها الدستورية بداية من الانتخابات الدستورية فى 2023 ثم استكمال الفصل التشريعى الثانى والمقرر انعقاده فى يناير 2026.

 

فقد اتسم النظام السياسى بقدرته على إدارة التنافس العام ضمن إطار قانونى وسياسى واضح. فالانتخابات البرلمانية لم تعد مجرد انتخاب ممثلين عن الشعب، بل تحولت إلى مؤشر على التزام الدولة بمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص واحترام إرادة الناخبين الحرة، كما تعكس قدرة المؤسسات السياسية على ضمان انتقال السلطة بشكل سلمى ومنضبط يعبر عن رغبات المواطنين دون ضغوط أو تدخلات خارجية.

حراك سياسى واجتماعى

شهدت مصر مع انطلاق انتخابات مجلس النواب لعام 2025 حالة من الحراك السياسى والاجتماعى، إذ أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات الجدول الزمنى لبدء العملية الانتخابية، والتى بدأت بالمرحلة الأولى فى الخارج يومى 7 و8 نوفمبر، وفى الداخل يومى 10 و11 نوفمبر، وسط منافسة على 568 مقعدًا موزعة بالتساوى بين النظام الفردى والقوائم المغلقة المطلقة، مع تخصيص نسبة لا تقل عن 25 % للمرأة، وإتاحة الحق لرئيس الجمهورية فى تعيين ما يصل إلى 5 % من أعضاء المجلس، ليصل إجمالى النواب إلى 596 عضوًا.

استندت العملية الانتخابية إلى القانون رقم 85 لسنة 2025، الذى عَدل بعض أحكام قانون مجلس النواب وقسم الدوائر الانتخابية بما يضمن تنظيم مراحل التصويت على المستوى الفردى والقائمة، مع فرض معايير لتعددية التمثيل الاجتماعى شملت الشباب والعمال والفلاحين والمسيحيين والأشخاص ذوى الإعاقة والمصريين المقيمين فى الخارج. فقد قسم الانتخابات على مرحلتين انتخابيتين على مستوى المحافظات، حيث شملت المرحلة الأولى 14 محافظة، شملت كبرى محافظات الصعيد وشمال الدلتا، مع تنظيم القوائم الانتخابية لتغطية دوائر قطاع غرب الدلتا وقطاع شمال ووسط وجنوب الصعيد، فيما شملت المرحلة الثانية 13 محافظة تغطى بقية المناطق الحضرية والصناعية، مع ضمان تمثيل النساء والشباب والعمال والفلاحين والأشخاص ذوى الإعاقة والمصريين المقيمين فى الخارج.

توازنات سياسية

لى مستوى القوائم المطلقة، شهدت الانتخابات توافقًا بين الأحزاب المؤيدة والمعارضة والمستقلين ضمن قائمة انتخابية واحدة هى «القائمة الوطنية من أجل مصر» التى ضمت 14 حزبا ومستقلين وأعضاء تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، وقد هيمن حزب مستقبل وطن على رأس هذه القوائم بحصوله على نحو 120 مقعدًا، أى ما يمثل حوالى 42.3 % من إجمالى مقاعد القوائم، تلاه حزب حماة الوطن بحوالى 19 %، وحزب الجبهة الوطنية بنسبة 15.5 %، وحزب الشعب الجمهورى، فى حين جاءت أحزاب المعارضة بمقاعد محدودة مثل حزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى بحوالى 3.17 %، وأحزاب العدل والإصلاح والتنمية والوفد المصرى بنسبة تمثيل ضئيلة لكل منها.

يعكس هذا المشهد بوضوح طبيعة التوازنات السياسية فى مصر، حيث تجمع العملية الانتخابية بين تعزيز التمثيل النسبى للأحزاب المؤيدة من جهة، وبين منح مساحة للأحزاب المعارضة، من جهة أخرى، مع التأكيد على معايير الشمولية فى التمثيل الاجتماعى لكافة فئات المجتمع.

قبل بدء العملية الانتخابية، بدا المشهد متأثرًا بعدة سمات أساسية، كان أبرزها غياب التنافسية السياسية الحقيقية فى عدد من الدوائر الانتخابية. فقد لوحظ غياب العديد من الشخصيات السياسية والخبرات البرلمانية عن المنافسة سواء على مستوى القوائم أو على المستوى الفردي. على سبيل المثال، ارتكزت القوائم الكبرى على تحالف «القائمة الوطنية من أجل مصر» التى ضمت 14 حزبًا ومستقلين، بينما اقتصرت المقاعد البارزة على أحزاب محددة، أبرزها حزب مستقبل وطن، يليه حزب حماة الوطن، حزب الجبهة الوطنية، فى حين حصلت أحزاب المعارضة على تمثيل محدود مثل حزب المصرى الديمقراطى وأحزاب العدل والإصلاح والتنمية والوفد المصرى بثمانية مقاعد لكل منها. 

هذا التركز فى التمثيل جعل أحزابا متحالفة فى قائمة واحدة دون اختلاف فى البرامج، بينما غابت رموز سياسية شبابية أو مستقلة مؤثرة يمكن أن تخلق منافسة حقيقية داخل الدوائر.

مشاركة المرأة

أما على مستوى تمثيل النساء، فقد تم تخصيص ما لا يقل عن 25 % من المقاعد للقوائم، إلا أن مشاركة المرأة فى الدوائر الفردية كانت محدودة، ولم تحقق تأثيرا ملموسا على تمثيلها فى المقاعد الفردية بينما حصلت على 50 مقعدا ضمن القاهرة الكبرى 40 مقعدا ضمن مقاعد غرب وشرق الدلتا و50 مقعدا وسط وشمال الصعيد، وهو ما حد من دورها فى المشهد السياسى مبكرًا. كما غاب الشباب عن حضور مؤثر داخل الأحزاب الرئيسية، وهو ما انعكس على قدرة العملية الانتخابية على دمج جيل جديد من السياسيين القادرين على تنشيط الحياة الحزبية وتعزيز التمثيل المجتمعى المتوازن.

ومع انطلاق التصويت فى المرحلة الأولى، شهدت العملية الانتخابية العديد من المخالفات الإجرائية والتنظيمية؛ بداية من انسحاب بعض المرشحين قبل ساعات من بدء التصويت مثل المرشحة نشوى الديب، شراء الأصوات، الدعاية الانتخابية أمام المقرات الاقتراع، استغلال وسائل التواصل الاجتماعى للإضرار بسمعة المرشحين، الإنفاق خارج الحسابات البنكية المخصصة للدعاية، بالإضافة إلى تفاوت بين نتائج فرز اللجان الفرعية وبين ما أعلنته اللجان العامة من نتائج مجمعة نهيك عن منع مندوبين المرشحين من الحصول على صور رسمية من كشوف الفرز فى بعض اللجان، وهو ما يمثل مخالفة إجرائية «ترحل» الشكوك حول صحة النتيجة إلى المرحلة النهائية.

هذه المخالفات دفعت الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى الكتابة على صفحته، معلنًا إعادة النظر فى إجراءات بعض الدوائر وإلغاء أخرى بعد رصد الاختلالات تؤثر بشكل واضح وصريح على معايير النزاهة والشفافية التى يجب أن تتمتع بهم العملية الانتخابية وحماية إرادة الناخبين، ما يعكس حرص الدولة على توفير بيئة انتخابية عادلة.

فى الوقت ذاته؛ ألغت المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة نتائج نحو 30 دائرة بحكم من المحكمة الإدارية العليا، 19 دائرة أخرى بقرار من الهيئة الوطنية للانتخابات بسبب المخالفات الانتخابية ليصبح الإجمالى ٤٩ دائرة باطلة من أصل ٧٠ دائرة؛ ما أدى إلى تأجيل إعلان النتيجة النهائية من 25 ديسمبر إلى 10 يناير 2026.

التدخل القضائى

يُعد هذا التدخل القضائى مؤشرًا على وجود «خلل بنيوي» فى إدارة العملية الانتخابية، لكنه فى الوقت ذاته يعكس قدرة القضاء على ممارسة رقابة لاحقة لإصلاح الخلل الإجرائي.

ومع انتقال العملية الانتخابية إلى المرحلة الثانية، شهد المشهد السياسى تحولات واضحة بداية من الالتزام بضوابط العملية الانتخابية مما جعلها تسير على نحو أفضل مقارنة بالجولة الأولى، ومن ثم تحولت المرحلة الثانية إلى تنافسية جادة تمنح المستقلين حظوظًا أوفر. فقد أسهمت إجراءات إعادة التشكيل فى توسيع نطاق المشاركة السياسية لبعض الأحزاب، خصوصًا تلك التى لم تظهر بشكل بارز فى المرحلة الأولى، كما أعادت التوازن الجزئى بين القوى المؤيدة والمعارضة، على الرغم من أن الهيمنة على المقاعد الكبرى بقيت لصالح الأحزاب الرائدة مثل حزب مستقبل وطن، الذى احتفظ بنحو 42 % من المقاعد الأساسية للقوائم، تلاه حزب حماة الوطن بنسبة 19 %، وحزب الجبهة الوطنية بحوالى 15.5 %، بينما حافظت أحزاب المعارضة على حصتها المحدودة، دون زيادة ملموسة فى التأثير.

فى هذه المرحلة، تم التركيز على تحسين تمثيل المرأة والشباب فى القوائم المعاد تشكيلها، بما يتماشى مع متطلبات القانون الذى يفرض تخصيص نسبة لا تقل عن 25 % للنساء وتوزيع مقاعد محددة للشباب والعمال والفلاحين والأشخاص ذوى الإعاقة. وقد أسهم ذلك فى زيادة عدد النساء فى المقاعد، خاصة فى القوائم المغلقة التى أُعيد ترتيبها، حيث تجاوز تمثيل المرأة 20 مقعدًا فى بعض الدوائر الكبرى، بينما شهدت القوائم الفردية تعزيزًا محدودًا لتواجد المرشحين الشباب، مما سمح بظهور عدد من الوجوه الجديدة القادرة على إضفاء ديناميكية على البرلمان الجديد.

إلى جانب ذلك، شهدت المرحلة الثانية تحسينات فى إدارة العملية الانتخابية على مستوى اللجان، وذلك ضمن الجهود المبذولة لتعويض الفجوات التى أُثيرت خلال المرحلة الأولى. فقد تم السماح بتواجد المندوبين ومتابعى منظمات المجتمع المدنى، وتطبيق ضوابط أكثر صرامة على صناديق الاقتراع والفرز، وهو ما ساهم فى تقليل المخالفات ورفع مستوى الثقة فى النتائج النهائية. ومن الناحية العملية، انعكس ذلك على زيادة نسب المشاركة الشعبية فى بعض المحافظات، إذ بدأ المواطنون فى النزول والتصويت إيمانًا منهم بأن تنعكس أصواتهم وتترجم بشكل حقيقى فى المقاعد المرشحين الذين يختارونهم.

الوعى الانتخابى

كما ظهر مرشحون من المعارضة والمستقلين ضمن الفائزين فى جولات الإعادة،بل تصدر بعضهم للمشهد بشكل مفاجئ، مقابل تراجع أسماء محسوبة على أحزاب كبرى، يشير ذلك إلى أن النتائج هى مؤشر على اتساع دائرة الوعى الانتخابى لدى المواطنين، وسعيهم لاختيار من يمثلهم بحق داخل البرلمان ويدحض تمامًا مزاعم الإقصاء ويؤكد أن صناديق الاقتراع هى الفيصل الوحيد بين المرشحين.

تميزت الانتخابات بتفاوت واضح فى أنماط السلوك الانتخابى بين المحافظات، وهو ما أسهم فى رسم صورة عن المشاركة الشعبية وتأثيرها على المشهد السياسي. فى المدن الكبرى مثل القاهرة، الإسكندرية والجيزة، اتسمت المشاركة الانتخابية بالقيود، وغلب عليها الطابع الفردى أو التصويت الرمزى، إذ كان الناخبون أكثر وعيًا بالسياسات العامة، لكنهم أقل اقتناعًا بجدوى التصويت فى إحداث تغيير فعلي. بالمقابل، فى محافظات الصعيد والدلتا، استمرت العصبيات القبلية والعائلية فى التحكم بخيارات الناخبين، وكان المال السياسى أداة حاسمة فى الحشد، خصوصًا فى القرى والمراكز الصغيرة، ما قلل من أثر المعايير المهنية أو التمثيل البرلمانى الموضوعى على قرار التصويت.

أما فى المدن الجديدة والمناطق الحضرية الحديثة، فكانت نسبة المشاركة منخفضة نسبيًا، رغم أن السكان فى هذه المناطق غالبًا متعلمون وواعون سياسيًا، إلا أن غياب الحراك الميدانى والسياسى الفعّال قلّل من تأثيرهم فى صناديق الاقتراع، ما يعكس فجوة بين الوعى السياسى والقدرة على المشاركة العملية.

أما الشباب، ورغم تمثلهم أكثر من 60 % من عدد السكان، فإن مشاركتهم محدودة جدًا بسبب فقدان الثقة فى التغيير، وغياب الرموز الشبابية المؤثرة، والنظرة السلبية للسياسة، وضعف التوعية السياسية فى المدارس والجامعات. فى المقابل، كانت مشاركة المرأة أكثر انتظامًا رغم توجيهها فى بعض الحالات وفق الأطر الاجتماعية التقليدية.

ختامًا؛ تكشف انتخابات مجلس النواب لعام 2025 فجوة بين الإطار القانونى المنظم للعملية الانتخابية وبين التطبيق العملى، خاصة فى ظل التحديات المتعلقة تراجع التمثيل الحزبى، وظهور خروقات إجرائية، غياب المراقبة الحزبية والمتابعة من جانب مؤسسات المجتمع المدنى فى بعض اللجان، وتُظهر هذه التحديات الحاجة إلى تطوير آليات إدارة العملية الانتخابية وتعزيز الضمانات المؤسسية التى تكفل نزاهتها.

وضع آليات للرقابة

إعادة صياغة قوانين الانتخابات فى مقدمتهم قانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977 لمعالجة ملفات مثل التمويل، والحوكمة الداخلية ووضع آليات للرقابة على مصادر تمويل الأحزاب، ما يضع المعارضة فى مواجهة غير متوازنة مع الأحزاب الأخرى ذات الإمكانات الأكبر.

•يقتضى هذا الواقع إعادة النظر فى النظام الانتخابى القائم، من خلال إدخال تعديلات تشريعية تضمن تعزيز التمثيل الحقيقى للناخبين، وتدعم التواصل المباشر بين النائب ودائرته، بما يكفل إجراء انتخابات برلمانية نزيهة تعكس الإرادة الشعبية، وتسهم فى ترسيخ الاستقرار السياسى وتعزيز الثقة فى المؤسسة التشريعية.

•تعديل بعض أحكام قانون مجلس النواب الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 2014 والقانون رقم 174 لسنة 2020 بشأن تقسيم دوائر انتخابات مجلس النواب، حيث يأخذ فى الاعتبار الاتساع الجغرافى الكبير للدوائر الانتخابية، بما يحول دون قيام تواصل فعلى ومنتظم بين النواب والمواطنين، ويحد من فرص المساءلة الشعبية والمتابعة المباشرة للأداء البرلماني.

•نشر السير الذاتية والبرامج الانتخابية لكل مرشح على موقع رسمى موحد قبل فتح باب التصويت، لتسهيل اختيار الناخب وتمكين المقارنة بين المرشحين.

•تقديم تدريب شامل للمرشحين الشباب على العمل البرلمانى والسياسي.

•إطلاق حملات توعية مركزة فى المدارس والجامعات لتعزيز الثقافة الانتخابية لدى الشباب وربطهم مباشرة بالعملية السياسية بشكل مستمر ليس فقط وقت الانتخابات.

•تعزيز دور منظمات المجتمع المدنى وخاصة المنظمات الحقوقية وفى القلب منه المنظمة المصرية لحقوق الإنسان فى عملية التوعية بأهمية المشاركة فى العملية السياسية، ومتابعة الانتخابات كونها مرآة المجتمع فى نقل الصورة إلى المواطنين من خلال تقريرها المرحلية عن كل جولة، مما يعزز من ثقة المواطنين فى نزاهة وشفافية الانتخابات.