بين الرغبة فى التحرر والخوف من الالتزام
الزواج العرفى لماذا يلجأ إليه جيل «ألفا»؟
نرمين ميلاد
تدق أرقام «الزواج العرفى الرسمية» ناقوس الخطر، وبحسب خبراء فإنها تعكس أزمة فى منظومة القيم داخل المجتمع، ورغم تراجع الظاهرة وفقًا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، إلا أنها مازالت تشكل مخاطر نفسية وقانونية واجتماعية كبيرة.
حسب الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فقد بلغ عدد حالات التصادق المسجلة (إقرار الطرفين بحدوث الزواج وإعلان رغبتيهما فى توثيقه) نحو 98 ألفًا و582 حالة بنهاية 2024 بنسبة %10.5 من جملة العقود، مقابل 103 آلاف و657 حالة فى 2023 بنسبة تراجع بلغت %4.9.
ووفقا للإحصائيات الرسمية تتركز الظاهرة بشكل كبير بين الفئة العمرية 18 - 30 سنة، وبين طلاب الجامعات والشباب محدودى الدخل الذين يلجأون للزواج العرفى بسبب تكاليف الزواج الرسمى المرتفعة، وقدرت بيانات النشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق لعام 2024 إجمالي عدد عقود الزواج فى مصر بنحو 936 ألفا و739 عقدا عام 2024، مقابل 961 ألفا و220 عقدا عام 2023 بنسبة انخفاض بلغت 2٫5 ٪.
أزمة حقيقية
ويؤكد الدكتور أيمن عبد العزيز، منسق مبادرة «مودة» بوزارة التضامن الاجتماعى لمجلة روزاليوسف، أن الرقم المعلن «مرعب» ويعكس أزمة حقيقية فى منظومة القيم وبنية الأسرة، ويتسق مع ما أشار إليه الرئيس عبدالفتاح السيسى قبل 6 سنوات خلال مؤتمر الشباب بجامعة القاهرة، عندما أكد أن مصر تواجه مشكلة كبرى تتمثل فى ارتفاع معدلات الطلاق، وهو ما استدعى توجيه وزارة التضامن الاجتماعى للتعامل مع جذور الأزمة لا مظاهرها فقط.
وأضاف أن التحدى الأعمق لا يقتصر على الزواج أو الطلاق، بل يمتد إلى خلل واضح فى منظومة القيم، لأن بنية المجتمع لم تعد مسئولية الأسرة وحدها، بل تشارك فيها أطراف أخرى، مثل الأصدقاء والشارع ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى، وهو ما ينعكس سلبًا على بناء الإنسان.
وأشار إلى أن نحو نصف الحالات وربما أكثر، ينتج عنها أطفال، ليبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: ما مصيرهم؟ خاصة أن الزواج عرفى وغير موثق وغير معلن مجتمعيًا، ويقوم على أساس هش، وغالبًا ما ينتهى بالفشل، مع غياب للمشورة الأسرية، وعدم الرجوع للمؤسسات الدينية مثل الأزهر الشريف والكنيسة ووزارة الأوقاف.
ناقوس خطر
وأضاف «عبدالعزيز» أن تلك العلاقات تدق ناقوس الخطر، لأن أطرافها شباب سيكونون جزءًا من عملية بناء مصر فى المرحلة المقبلة، وحياتهم الزوجية تقوم على مفاهيم مغلوطة عن الحب.
وأوضح أن القرآن الكريم لم يذكر الحب بين رجل وامرأة إلا مرة واحدة، فى قصة سيدنا يوسف وامرأة العزيز، وارتبط ذلك بالشهوة، بينما تقوم أسس الزواج فى الإسلام على السكن والمودة والرحمة، مستشهدًا بقوله تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة».

وتابع: جوهر الزواج هو السكن النفسى، والمودة والرحمة هما الأساس الحقيقى للاستقرار، ومن هذا المنطلق تعمل مبادرة «مودة» على تصحيح المفاهيم الخاطئة حول الحب والإعجاب والزواج، وتقدم وعيًا حقيقيًا بمسئوليات تكوين الأسرة وتربية الأبناء، والتعامل مع المشكلات الأسرية.
ويربط «عبدالعزيز» بين تلك الظواهر وبين تفكك الأسرة وغياب أحد الوالدين أو كليهما، لأن كثيرًا من الأطفال لم يعيشوا فى بيئة صحية تعرّفهم بأسس بناء الأسرة القائمة على زواج سليم منذ البداية.
وقال إن بناء المجتمع يبدأ من استقرار الأسرة، التى تقوم أساسًا على الأب والأم، ليس جسداً فقط، بل أدوار واحتواء.
دولة التلاوة
أشار منسق مبادرة «مودة» إلى أن العنف والقسوة فى التربية وغياب احتواء الأبناء ومصاحبتهم، يدفعهم للبحث عن ذلك خارج الأسرة، والطفل يمر بثلاث مراحل عمرية، كل منها سبع سنوات: الأولى للتربية وغرس القيم، والثانية للتوجيه والملاحظة بحب، والثالثة للمصاحبة وفهم التوجهات ومعرفة ما يشاهدونه ويتلقونه عبر مواقع التواصل الاجتماعى.
وحذّر من أن اعتماد الشباب على السوشيال ميديا كمصدر أساسى للمعرفة والثقافة، يعد من أسباب انتشار إدمان الإنترنت والمواقع الإباحية والمخدرات، كما أن غياب الإشباع العاطفى داخل الأسرة يدفع الأبناء لإقامة علاقات خاطئة، ويصبحوا نتاج أسر مفككة أو عنيفة، تفتقد لأسس التربية السليمة.
وأشار «عبدالعزيز» إلى صورة المجتمع المصرى قديمًا، حيث كانت القدوة حاضرة فى الأب والأم، وكانت روابط الجيرة قائمة على المحبة والتكافل، وذلك مقارنة بما يمكن وصفه بـ«الغزو الثقافى» عبر السوشيال ميديا، وما يحمله من عادات وسلوكيات دخيلة تستدعى الانتباه لتحولات خطيرة.
وأكد أن مبادرة «مودة» ومنصتها الإلكترونية تتيح للشباب والفتيات الحصول على استشارات مجانية، وطرح تساؤلاتهم عبر خدمة «اسأل مودة» والرد عليها خلال 48 ساعة، إلى جانب الدورات التدريبية والشهادات المعتمدة.
كما أكد على أن نشر القدوة والنماذج الناجحة فى مختلف المجالات يمثل ركيزة أساسية فى بناء الأسرة، معتبرًا أن برنامج «دولة التلاوة» يقدم نموذجًا إيجابيًا مهمًا فى ترسيخ القيم وبناء الإنسان والأسرة على أسس سليمة.

الدفء الأسرى
ويرى د.وليد هندى، استشارى الصحة النفسية، أن الزواج العرفى لم يعد حالات فردية، بل أصبح ظاهرة واسعة الانتشار يرجع السبب الأول لها لغياب الدفء الأسرى، باعتباره أحد أخطر العوامل الدافعة للفتيات نحو البحث عن الإشباع العاطفى خارج إطار الأسرة، لأن الفتاة حين لا تجد الاحتواء الأبوى والحنان داخل بيتها، تبدأ فى البحث عن «الحضن الدافئ» فى الخارج، ويحدث ذلك خاصة إذا نشأت داخل أسرة تعانى من الصراعات والخلافات المستمرة، والمشكلة لا تكمن فقط فى وجود الخلافات بين الزوجين، بل فى فشل الفصل بين الخلافات الزوجية والتعامل مع الأبناء، حيث تختلط الأدوار، ويدفع الأطفال ثمن نزاعات الكبار، ما يخلق بيئة طاردة عاطفيًا وغير آمنة نفسيًا.
ومن الأسباب المتكررة أيضًا للزواج العرفى بحسب «هندى» الاعتقاد الخاطئ بمشروعيته طالما تم توثيقه بورقة عرفية، أو شهد عليه عدد من الأصدقاء، ويغيب أن الزواج فى جوهره، هو ما تعارف عليه المجتمع وأقرّه، مع وجود مأذون ومحاكم مختصة تضمن الحقوق وتحفظ الكرامة الإنسانية.
وأشار إلى بعض المشاهد الصادمة، مثل إقامة حفلات لإتمام زيجات عرفية بدعوى الإشهار، وهو ما يعكس فهماً مغلوطًا لمعنى الإشهار الشرعى والاجتماعى، الذى لا يقتصر على دائرة مغلقة من الأصدقاء، بل يفترض الإعلان الواضح والمعترف به قانونًا ومجتمعيًا.
ثقافة التقليد والشخصية النرجسية
أكد «هندى» أن ما يمكن وصفه بـ «الوهم الاقتصادى» يدفع الشباب نحو الزواج العرفى، حيث يسود اعتقاد بأن الزواج الرسمى مرهق ماديًا ومستحيل فى ظل الغلاء، فى حين تشير التجارب الواقعية إلى عكس ذلك، حيث تتوافر بدائل سكنية متنوعة وأنظمة تقسيط للأثاث والأجهزة، وفرص عمل قادرة مع بعض الاجتهاد على توفير حياة مستقرة، إلا أن ثقافة التقليد ومحاكاة الأقران دون تفكير واقعى، تعمّق من الأزمة.
وحذر «هندى» من خطورة دور بعض رموز الفن والإعلام فى الترويج غير المباشر للزواج العرفى، عبر تقديمه كنمط حياة جذاب أو «موضة»، فضلًا عن بث أعمال درامية تجمل الصورة وتُظهر المتزوجات عرفياً فى حالة سعادة وترف، مقابل الزوجة الشرعية الغارقة فى الأعباء والمسئوليات، وهو ما يخلق تصورًا زائفًا لدى الشباب ويشجعهم على الإقدام على التجربة دون وعى بعواقبها، وعلينا ألا نغفل تأثير أنماط الشخصية غير السوية، مثل الشخصية النرجسية أو الانتهازية أو السيكوباتية، التى تفتقر للضمير والمسئولية، وتقدم اللذة والمصلحة الشخصية على حساب الأسرة والمجتمع، وغالبًا ما تكون الفتاة التى تقدم على الزواج العرفى فاقدة للدعم الداخلى والوازع الأخلاقى، وهو ما يجعلها عرضة للاستغلال والضغط النفسى.
مشاعر الذنب
تشير دراسات وحالات واقعية – بحسب هندى - إلى أن كثيرًا من الفتيات يعانين مشاعر ذنب حادة واكتئاباً وانخفاضاً فى تقدير الذات بعد انتهاء تجربة الزواج العرفى، وقد يصل الأمر فى بعض الحالات إلى التفكير فى الانتحار، وتلجأ أخريات إلى التدين المبالغ فيه هروبًا من نظرة المجتمع، أو على النقيض قد يلجأن إلى الانحراف السلوكى وإدمان المخدرات والكحول، وتتفاقم المأساة حال حدوث حمل، حيث تواجه الفتاة خطر الإجهاض غير الآمن، وما يترتب عليه من مضاعفات صحية قد تصل إلى الوفاة، فضلًا عن احتمالات التشهير المجتمعى والعزلة والنبذ.
ولا تقتصر الظاهرة على فئة الشباب فقط، بل تمتد إلى نساء كبيرات فى السن يلجأن إلى الزواج العرفى خوفًا من فقدان معاش الأب أو الزوج المتوفى، وكذلك إلى رجال فى مواقع اجتماعية ومناصب مرموقة يخشون على صورتهم العامة، فيلجأون لعلاقات عرفية سرية بدعوى الحفاظ على المكانة الاجتماعية، بينما لا يحمى هذا المسار المكانة، بل يُهددها بالانهيار.

تهديد مباشر للأم والطفل
يرى «هندى» أن الوقاية تبدأ من الأسرة، من خلال فتح قنوات حوار مع الأبناء ورفع مستوى وعيهم، ومناقشة قضايا الزواج بما فيها الزواج العرفى بوضوح وشفافية، دون إنكار أو دفن للرؤوس فى الرمال، لأن التوعية بالمخاطر النفسية والقانونية والاجتماعية، وتقديم نماذج واقعية للنتائج المؤلمة، تمثل خط الدفاع الأول لحماية الشباب.
وأوضح أن الزواج العرفى فى صورته غير الموثقة، يهدر حقوقًا أساسية للمرأة، أبرزها النفقة والمهر ومؤخر الصداق والحق فى إثبات النسب، وهى حقوق يكفلها القانون والشرع فى الزواج الرسمى.
وتبرز خطورة الأمر بشكل أكبر عند النظر إلى الأرقام، حيث شهد عام 2021 نحو 20 ألف حالة لأطفال لجأت أمهاتهم للمحاكم لإثبات النسب، دون أن تتمكن كثيرات منهن من الحصول على حقوق أبنائهن، فى ظل غياب التوثيق القانونى للعلاقة الزوجية.
ويشير «هندى» إلى أهمية الدور الدرامى والإعلامى، حيث شهدت السنوات الأخيرة أعمالًا ناجحة ناقشت قضايا مجتمعية شائكة بوعى ومسئولية، وهو ما يفتح الباب أمام توظيف الدراما بشكل أعمق لتسليط الضوء على أبعاد الزواج العرفى وتداعياته الواقعية.
تراجع نسبى
تقول انتصار السعيد، رئيس مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، إنه رغم وجود مؤشرات على تراجع نسبى فى معدلات الزواج العرفى، إلا أن النسب تؤكد أن الزواج العرفى لا يزال يمثل خيارًا قائمًا لدى شريحة من المجتمع، خاصة فى ظل التعقيدات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة.
وتعود أسباب الزواج العرفى لارتفاع تكاليف الزواج الرسمى، وصعوبة توفير مسكن مستقل، إلى جانب الخوف من رفض الأسرة أو القيود الاجتماعية، فضلًا عن ضعف الوعى القانونى لدى بعض الشباب، والاعتقاد الخاطئ بأن هذا النوع من الزواج يمثل حلًا مؤقتًا أو أقل التزامًا من الناحية المادية.
أما عن المخاطر بحسب رئيس مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، فإن الزواج العرفى له تبعات خطيرة على المرأة والأطفال، فى ظل غياب الحماية القانونية الكاملة، ما يترتب عليه ضياع الحقوق المتعلقة بالنفقة والإثبات القانونى للنسب والميراث، كما يفتح الباب أمام الاستغلال وعدم الاستقرار الأسرى، ويؤثر سلبًا على تماسك المجتمع.
وأكدت على ضرورة تكثيف حملات التوعية الدينية والقانونية، وتبسيط إجراءات الزواج الرسمى، ودعم الشباب اقتصاديًا، إلى جانب تفعيل دور الإعلام والمؤسسات التعليمية فى ترسيخ ثقافة الزواج المسئول، وتشديد الرقابة القانونية للحد من انتشار العقود غير الموثقة، بما يضمن حماية الأسرة وحقوق جميع أطرافها.







