الأحد 30 نوفمبر 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

البرنامج أربك أهل الشر

دولة التلاوة يكشف عورات «الظلاميين»

هجوم إخوانى سلفى على مذيعة البرنامج لإعادة إنتاج احتكار الدين
هجوم إخوانى سلفى على مذيعة البرنامج لإعادة إنتاج احتكار الدين

لم يمر أسبوع واحد على انطلاق برنامج «دولة التلاوة»، حتى تحوّل إلى ساحة مفتوحة بين تيارين الأول: يضم صفحات وقنوات محسوبة على جماعة الإخوان والسلفية الحركية، والثانى جمهور واسع احتفى بالبرنامج واعتبره نقلة نوعية فى تقديم القرآن الكريم بصورة شبابية.



تصدر الهجوم تيار إخوانى سلفى ركز نيرانه على مذيعة البرنامج، مطالبا بتغييرها بدعوى «عدم ملاءمة ظهور المرأة» فى برنامج قرآنى، فى تكرار لخطاب قديم طالما وُظِّف لإرباك أى تجربة إعلامية دينية لا تخضع لرؤية تلك الجماعات.

 هجوم منظم

رغم أن البرنامج يعتمد على القراء الشباب وتقييم لجان التحكيم، فإن الانتقادات كما رصدها المتابعون انصبتّ على مُقدمة البرنامج، عبر حملات مكثفة على منصات التواصل تدّعى أن وجود مذيعة «يمسّ هيبة القرآن» و«يتعارض مع الأدب الشرعى».

 

 

 

كما بدا الهجوم منسقًا؛ إذ ظهرت منشورات متزامنة على صفحات تابعة للإخوان فى تركيا وبريطانيا، إضافة إلى صفحات دعاة للسلفية اعتادوا مهاجمة أى مساحة إعلامية لا تتوافق مع تصورهم الضيق للتدين.

من جانب آخر، اعتبر خبراء فى الإعلام الدينى هذا النمط من الهجوم محاولة لجرّ البرنامج إلى معركة شكلية لإبعاد الأنظار عن النجاح الجماهيرى للبرنامج، الذى أتاح الفرصة لظهور أصوات شابة خطفت الأضواء من أصحاب الخطاب المتشدد ومحتواهم التقليدى.

 خطاب مُكرر

حمل الهجوم الملامح نفسها التى استخدمتها الجماعات ضد مبادرات مشابهة خلال السنوات الماضية وهى التركيز على المرأة، والتشكيك فى مقاصد البرنامج،والادعاء بأن «القرآن لا يُقدَّم فى صورة مبهجة أو جماهيرية».

وهو خطاب يراه المتخصصون محاولة لإعادة إنتاج «احتكار القداسة»؛ فالجماعات اعتادت تقديم  نفسها كجهة وحيدة تفهم «ضوابط التلاوة»، بينما الواقع يكشف أن مدارس التلاوة المصرية أوسع وأعمق وأرحب من هذا الضيق.

 تفاعل غير مسبوق

فى المقابل، شهدت منصات البرنامج تفاعلًا غير مسبوق، مع ارتفاع نسب المشاهدة مما جعل البرنامج فى قوائم الترند، خاصة مع الانتشار الواسع لمقاطع الفيديو التى نقلت بُكاء المتسابقين أثناء قراءة القرآن وانبهار لجنة التحكيم بهم.

تحوّل هاشتاج «دولة التلاوة» إلى مساحة دعم جماعى لفكرة أن القرآن يمكن تقديمه بإخراج حديث يجذب الشباب، دون أن يفقد روح الخشوع أو أصالة المدرسة المصرية.

واعتبر الجمهور أن الهجوم، ما هو إلا محاولة لإفساد فرحة طال انتظارها بعودة المسابقات القرآنية إلى الشاشات، ورفض ما وصفوه بـ«الوصاية» على الذوق العام أو على كيفية تقديم القرآن.

 أسباب الهجوم 

ويبقى هناك سؤال مهم: لماذا أزعجهم البرنامج؟ وهو ما فسره البعض عبر وسائل التواصل بأن إزعاج البرنامج للجماعات يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية أولها: استعادة الدولة لقيادة المشهد القرآنى، عقب عقود حاولت فيها الجماعات المتشددة استغلال التلاوة ببناء نفوذ اجتماعى.

أما السبب الثانى، فيتمثل فى أن البرنامج يقدم نموذجًا إيمانيًا جذابًا لا يتبنى الخطاب الحاد، وهو ما يختلف تمامًا عن خطاب الإخوان والسلفية القائم على المنع والتقييد والجدل.

بينما كان السبب الثالث، هو حضور المرأة فى برنامج دينى، وهو ما يمثل كسرًا مباشرًا لخطاب الجماعات التى تبالغ فى تضخيم مسألة ظهور المرأة، رغم عدم وجود دليل شرعى يمنع ظهورها فى البرامج الدينية أو الثقافية.

 

 

 

 بين الهجوم والتنمر 

رغم الضغوط الشديدة، لم تُصدر الجهة المنظمة أى بيان يلمّح لتغيير المذيعة أو التجاوب مع الانتقادات، فى رسالة واضحة بأن البرنامج لن يخضع لابتزاز الجماعات، وأن البرنامج ما ضٍ فى تقديم نموذج إعلامى قرآنى متوازن.

 رد الأوقاف 

فيما قالت وزارة الأوقاف المصرية أن الهجمة التى يشنها المتشددون على برنامج «دولة التلاوة» ليست سوى انعكاسٍ لأزمة أعمق فى بنية هذا الفكر، وهى فقدان القدرة على تذوّق جمال القرآن وتحويل العبادة إلى ممارسة جافة لا تعرف الروح ولا المحبة.

وأكد الدكتور أسامة رسلان المتحدث الرسمى لوزارة الأوقاف عبر صفحته الرسمية أن هذا التشدد لا يرتبط بخلاف علمى أو فقهى كما يُروَّج، بل هو نتاج جفاف روحى ينزع عن الدين جوهره الجمالى، ويختزل العلاقة مع القرآن فى أداء آليّ يخلو من الذوق، رغم أن النبى (صلى الله عليه وسلم) أسس للأصل الشرعى الجامع بقوله: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ».

وشدد أن رفض هؤلاء لفنون التلاوة ليس موقفًا فقهيًا بقدر ما هو عدم قدرة على استقبال الفن القرآنى الراقى الذى حفظته الأمة عبر علم التجويد والتغنى المشروع؛ فقد جاءت النصوص النبوية لتؤكد أن تحسين الصوت بالقرآن جزء من تعظيمه، منها حديث: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ»، وحديث: «ما أذِنَ الله لشيء ما أذن لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن».

وأضاف متحدث الأوقاف أن المدرسة التى تنتج هذا الرفض هى مدرسة تميل إلى تجفيف كل ما يتصل بالجمال، سواء فى التلاوة أو فى التراث والعمران والآثار، وهى نظرة مادية تُسقط المعنى وتبقى على القشرة، ولا تختلف فى جوهرها –كما قالت الوزارة– عن النظرة العلمانية المتطرفة التى تنزع القداسة عن الدين؛ فكلا الاتجاهين يفقد القدرة على رؤية الجمال كمدخل إلى الإيمان.

 واختتم قائلا بأن «دولة التلاوة» لا تقدم مجرد أصوات جميلة، بل تعيد إحياء الذوق القرآنى الذى افتقدته بعض التيارات المتشددة، وتثبت أن الجمال جزء أصيل من العبادة، وأن الدين نور يُذاق قبل أن يكون علمًا يُحفظ.

ورأى محللون ومتابعون أن الهجوم لم يعدُ عن كونه «حقدًا وغلًا» وأنه لا علاقة بالحلال والحرام، بل محاولة لتوظيف الدين فى الصراعات الأيديولوجية».

نشر محمود الأزهرى، (أزهرى وخريج كلية الدعوة) على صفحته الشخصية: «أيام ما كانت المسابقات القرآنية بالمقامات الموسيقية كانت حلال عند الإخوان والوهابية، برنامج المزمار الذهبى كان نفس فكرة برنامج #دولة_التلاوة، ومع ذلك لم يحصل عليه حملات الهجوم اللى بنشوفها دلوقتى، الهجوم الحالى مجرد حقد وغل، ومش له علاقة بالحلال والحرام، لأنهم مجرد تجار دين».

 هجوم مزدوج

من جانبه قال محمود لبيب الأزهرى، أحد المتابعين الأزهريين عبر صفحته الشخصية على موقع فيسبوك: إن «برنامج دولة التلاوة أحدث إزعاجًا شديدًا لطائفتين من الناس وهما الوهابية وذيولها، والطائفة الثانية العلمانية وذيولها».

وتساءل الأزهري: ماذا سيفعلون عندما يظهر برنامج دولة الإنشاد والمديح؟. وأكد انهم يتجمعون لأجل محاربة المنهج الأزهرى والتراث العلمى الموروث.

 رفض صوفى 

من ناحيته رفض التيار الصوفى هذا الهجوم المصطنع على البرنامج، وأكد الدكتور عبد الحليم العزمى، الأمين العام للاتحاد العالمى للطرق الصوفية، أن الهجوم على برنامج «دولة التلاوة» ليس مجرد اعتراض على محتوى أو فكرة؛ بل هو محاولة لضرب ما يُمثّله البرنامج من روح مصر وهويتها وصورتها أمام العالم.

وقال العزمى: الهجوم على البرنامج سببه أن ما يظهر أمام الناس اليوم ليس هو الهدف الحقيقي… الهدف هو مصر. صورتها… روحها… وهويتها، فالبرنامج ليس مجرد إنتاج إعلامى، بل مرآة تعكس للعالم وجه مصر الأصيل: مصر التى لم تكن يومًا بلدًا للفن وحده، بل بلد التلاوة والعقيدة والعلم والحضارة.. بلدٌ ظلّ عبر التاريخ عمود الديانات ومهبط الرسالات السماوية.

وأضاف العزمى أن «دولة التلاوة» هو أول برنامج منذ سنوات يعيد تقديم مصر بصورتها الأصيلة: مصر التى يتجاور فيها صوت القرآن والإنجيل، وتتجذر على أرضها الحضارة، ويرسخ بين أبنائها العلم والدين.. مصر التى تقول للعالم: «كما نملك الفن… نملك العقيدة التى تنير القلوب، ونملك المبادئ التى تحفظ قدسية العلم والدين».

وردًا على تساؤل: لماذا الهجوم إذًا؟، رأى العزمى أن السبب واضح وهو أن البرنامج يقدم للمرة الأولى شكل مصر الحقيقي..مصر التى لا يريد البعض أن تظهر..لأنها لو ظهرت ستكشف الكثير مما يُراد إخفاؤه.

وأكد أن برنامج « دولة التلاوة» ليس مجرد عرض فنى أو فقرة مسابقات، بل رسالة وهوية وسلاح وعى، يمثّل كل مصرى يريد أن يرى بلده فى مكانها الطبيعى بلدًا كبيرًا… محترمًا… عريقًا… صاحب تاريخ وكلمة.

واختتم العزمى حديثه قائلا: «الهجوم ليس على البرنامج.. الهجوم على فكرة مصر الحقيقية التى عادت لتقف بثبات أمام العالم».

 حملات غير عقلانية

بينما وصف محمد مشعل الإدريسى، عضو نقابة الأشراف، الهجوم بأنه غير مبرر وممنهج، مشيرًا إلى أن بعض الأطراف استهدفت حتى مقدمة البرنامج فى حملات غير عقلانية.

وقال: «بعد النجاح الكبير الذى حققه البرنامج وانتشاره فى الأوطان العربية، فوجئنا بحملة شرسة من قلة من العقول الجديدة، استهدفت البرنامج نفسه وأحيانًا مقدمة حلقاته، الهجوم لا علاقة له بمحتوى البرنامج أو أهدافه، بل هو محاولة لتقويض نجاحه وتشويه دوره الوطنى والدينى».

وأضاف الإدريسي: «دولة التلاوة برنامج دينى مصرى بهوية وطنية، يهدف إلى دعم المواهب الشابة وإحياء التراث القرآنى. الحملات ضد البرنامج لن تؤثر على قيمته أو دوره فى الحفاظ على التراث الدينى والثقافى، وهو نجاح يُحسب للمجتمع المصرى بأسره».

 دعم جماهيرى

لم يقتصر دعم البرنامج على المحللين، بل امتد إلى جمهور المشاهدين عبر منصات التواصل الاجتماعى، حيث عبّر العديد منهم عن رفضهم للحملات ضد البرنامج ومُقدمته، قال أحد المتابعين: «أنا ضد ما يحدث فى برنامج دولة التلاوة، لكن لو الانتقاد فقط بسبب ملابس المذيعة أو الشباب المتسابقين، يبقى ده مجرد تشدد بلا أساس. المذيعة محتشمة وراقية، ولديها ثقافة عالية ومخارج اللغة العربية عندها رائعة، ده غير أنها لا تلون صوتها أو تتلوى فى الحركة مثل باقى المذيعات».

وأضاف المتابع تعليقًا تحليليًا: «أظن أن الانتقادات الفارغة هذه تتناقض مع رفض البعض لظهور المرأة فى البرنامج. آية تقدم نموذجًا للمرأة المصرية المسلمة المثقفة والملتزمة، والبرنامج هدفه إحياء التلاوة، مش التفرقة أو إثارة الفتن».

وقال متابع آخر: «الحقيقة أنا مش متفاجئ من أداء المذيعة آية عبدالرحمن، فهى مذيعة شاطرة متمكنة، ظهورها مميز ولها قبول كبير، اختيارها لتقديم البرنامج كان ذكيًا جدًا لأنها نموذج مشرف وقادرة على إدارة الحوار بكفاءة».

وكتب متابع ثالث على صفحته: «فى بداية البرنامج كنت شايف المذيعة عادية، لكن لاحقًا لفتت نظرى بكاريزما طاغية ومحتوى مميز. رسالتها فى البرنامج تقول إن مصر مسئولة عن نقل القرآن فى القلب والروح، وهذا نموذج ملهم لكل قارئ».

ونشر آخر: «اختيار آية لتقديم البرنامج كان قرارًا موفقًا، فهى متثقفة وملتزمة، وتعرف كيفية إدارة الحوار فى البرنامج، ومفيش حد يقدر يسد مكانها»..

كل هذه التعليقات والتفاعلات تؤكد أن برنامج «دولة التلاوة» يبقى مساحة وطنية وثقافية ودينية تتجاوز الصراعات الأيديولوجية. 

وأن الهجوم على البرنامج من بعض التيارات لم يؤثر على قوته وجماهيريته، بل كشف عن تقدير المشاهدين للبرامج الدينية التى تقدم نموذجًا متوازنًا بين الالتزام الدينى والإنتاج الإعلامى العصرى.

 إشادة فلسطينية رسمية 

وسط هذا الهجوم أشادت وزارة الأوقاف والشئون الدينية بدولة فلسطين الشقيقة ببرنامج «دولة التلاوة» الذى تقدمه وزارة الأوقاف المصرية، مؤكدةً أنه يمثل نموذجًا رائدًا فى خدمة القرآن الكريم وإحياء مدرسة التلاوة المصرية الأصيلة التى أسهمت فى تشكيل الوجدان الروحى للعالم الإسلامى لعقود طويلة.

وقالت الوزارة فى خطاب رسمى موجّه إلى وزارة الأوقاف المصرية إن البرنامج قدّم نهجًا علميًا رصينًا وروحًا إيمانية سامية، ونجح فى الجمع بين التلقى السليم، والتذوق الجمالى للأداء، والتعريف بمسيرة كبار القرّاء المصريين الذين حملوا راية القرآن عبر التاريخ.

 وأشارت إلى أن «دولة التلاوة» أعاد الاعتبار لجماليات المدرسة المصرية الأثيرة، وأسهم فى نشر خطاب وسطى هادئ يلامس القلوب ويغرس روح القرآن فى الأجيال الجديدة.

 ردّ الأوقاف المصرية

من جانبها، أعربت وزارة الأوقاف المصرية عن اعتزازها البالغ بهذه الرسالة، مؤكدةً أنها تحمل مكانة خاصة لأنها صادرة من أشقائنا فى فلسطين الذين تجمعهم بمصر روابط تاريخية ثابتة ومحبة متجذرة فى الوجدان الشعبى.

وأوضحت الوزارة أنها تلقت عشرات الإشادات من مختلف دول العالم عقب الانتشار الكبير للبرنامج وتصدره الترند العربى والعالمى، لكنها آثرت أن تمنح الإشادة الفلسطينية مساحة خاصة تقديرًا لمكانة فلسطين وشعبها.

وجددت الوزارة التأكيد على استمرار رسالتها فى خدمة القرآن الكريم، ودعم المواهب الشابة، وإحياء قيم الإتقان والجمال فى الأداء القرآنى، مشيرةً إلى أن «دولة التلاوة» سيظل مشروعًا وطنيًا يعكس وجه مصر القرآنى المشرق، ويسهم فى صناعة جيل جديد من القرّاء المستنيرين الحاملين لروح القرآن وبهائه. 