هيام عباس: مصر أم السينما العربية.. ولم أشعر يومًا بالغربة
آية رفعت
ممثلة فلسطينية حملت الفن على كاهلها وجعلت من حياتها رحلة سينمائية تتخطى الحدود، عادت إلى القاهرة لتتلقى تكريمًا عن مشوارها الفنى الطويل. التكريم هنا، فى مصر، ليس مجرد جائزة؛ بل انعكاس لأول حلم شاهدته عبر شاشة التليفزيون فى طفولتها، ولحظة تأكيد أن الفن الذى حملته فى قلبها منذ الصغر وجد أخيرًا مكانه ليزهر ويُحتفَى به.
وفى حوارها مع «روزاليوسف» تفتح «هيام» قلبها وتتذكر تأثير السينما المصرية عليها منذ طفولتها حتى وقتنا هذا..
كيف استقبلت تكريمك مؤخرًا بمهرجان القاهرة السينمائى؟
- التكريم بالنسبة لى لحظة عزيزة جدًّا، وشرف كبير أن أحصل عليه من مهرجان القاهرة تحديدًا؛ فمصر والسينما المصرية هما أول ما فتح لى باب الحلم. أنا نشأت فى قرية لم يكن فيها شىء، إلى أن دخل التليفزيون بيتنا، ومن خلاله عرفت أن هناك عالمًا اسمه السينما والتمثيل، وأن هناك قصصًا تُروَى وشخصيات تُخلَق. ربما لم أكن واعية للحلم وقتها، لكن تلك الأفلام كانت بدايتى، واليوم، أن تعود هذه الدائرة لتكتمل هنا فى مصر، وأن أحصل على تقدير من مصر أمّ السينما العربية؛ فهذا شعور لا يُوصَف، كأن حياتى وجدت لحظتها المناسبة لتستقر فى مكانها الصحيح.
لو تحدّثنا عن بداياتك.. كيف بدأت موهبتكِ الفنية فى الظهور؟ وهل تقبّل أهلكِ رغبتك فى دخول هذا المجال منذ البداية؟
- منذ طفولتى لم أكن أحلم بأن أكون ممثلة بالمعنى المهنى، لكننى كنت مولعة بكل ما له علاقة بالفنون. كنت أشارك فى كل الأنشطة المدرسية: أغنى، أطبل، أرقص، وأمَثّل. أى نشاط يحمل جانبًا جسديًا أو يُحفّز الخيال والإبداع كنت أذهب إليه دون تردد. كانت تلك المساحة الأولى التى شعرت فيها بأننى أتنفس.. الصعوبة بدأت حين كبرت. أنا ابنة عائلة مثقفة؛ أمى وأبى مُعلّمان، ومن الطبيعى فى بيئتنا أن يُنتظر منّى دراسة «مهنة محترمة» كما نسميها: طب، قانون، تعليم وغيرها من مهن تليق بالمقام الاجتماعى لعائلتى، لكننى كنت أشعر من داخلى أننى «معجونة» لشىء آخر، وأن طاقتى الحقيقية موجودة فى الفن.. واللحظة التى أخبرت فيها أهلى أن هذا الطريق ليس طريقى كانت صعبة للغاية.. فى مجتمعنا الفلسطينى فى ذلك الوقت لم تكن هناك صناعة فنية أو مسرحية بالمعنى الحقيقى، وكانت فكرة أن تصبح فتاة ممثلة تبدو كأنها «كارثة» أو خروج عن المألوف، لم يكن الأمر سهلًا لا على أهلى ولا عليّ، لكننى كنت مؤمنة بأننى لا أنتمى لأى شىء آخر سوى الفن.
وكيف جاءت اللحظة التى اكتشفتِ فيها أن التمثيل قدَرُكِ الحقيقى؟
- قرار التمثيل لم يكن واضحًا منذ البداية، ولم تكن الظروف مهيّأة أصلًا. فى فلسطين فى ذلك الوقت لم تكن هناك مدارس أو معاهد للتمثيل يمكن الالتحاق بها، لذلك اتجهتُ لدراسة التصوير من باب السعى لفهم أى شكل من أشكال الفن.. ومن خلال عملى هذا صادفت المخرج الراحل «فرانسوا أبو سالم»، مؤسّس مسرح الحكواتى الذى عرض عليّ دورًا فى جولة مسرحية بفرنسا لتعويض ممثلة اعتذرت، وطلب منّى تجربة الدور. فى اليوم التالى كنتُ على خشبة المسرح. وكانت تلك اللحظة فاصلة.. لأننى فهمت فيها تمامًا أنه لا عودة إلى الوراء. فالتمثيل لم يعد خيارًا؛ بل قدرًا.. لأننى وجدت نفسى.
عملتِ ككاتبة ومخرجة وممثلة.. أيّ مجال هو الأقرب إليك اليوم؟
- بصراحة؛ الأمر يختلف حسب المرحلة التى أعيشها. فى الفترة الحالية أشعر أننى أقرب إلى التمثيل؛ لأن الأدوار تأتى باستمرار ولدىّ مشاريع متتابعة تجعل من الصعب أن أتوقف وأتفرغ للكتابة أو الإخراج.. أمّا الكتابة؛ فهى تحتاج ذهنًا صافيًا ومساحة واسعة من الوقت، وهذا شىء غير متوافر الآن مع كثرة المهرجانات والالتزامات والطلبات. مع ذلك، ما زلت أحب الكتابة جدًا، وقد أعود إليها يومًا ما عندما تسمح الظروف، وبالنسبة للإخراج؛ فهو يأتى عادة بعد الكتابة، لكن هذا لا يعنى أننى لن أخرج عملًا مكتوبًا من قبل آخرين إذا وجدت مشروعًا يشدّنى. كل شىء بالنسبة لى مرتبط بما هو مفتوح أمامى فى كل مرحلة.
برأيك.. ما أبرز العقبات التى ما زالت تواجه صناعة السينما الفلسطينية حتى اليوم؟
- أصعب ما يواجه السينما الفلسطينية اليوم هو غياب البنية الإنتاجية المستقرة. فمثلاً فيلم (فلسطين 36) نفسه احتاج سبع سنوات لجمع التمويل؛ لأنه عمل ضخم يتطلب ميزانية كبيرة، ويتناول حقبة تاريخية كاملة تحتاج إلى إعادة بناء ديكورات وقرى كاملة من فترة الثلاثينيات. وهذا النوع من الأفلام يفوق ميزانيات معظم الأعمال المعتادة. ورغم أننا كنّا جاهزين للتصوير فى أكتوبر 2023، وبُنيت القرية القديمة بالفعل، جاء السابع من أكتوبر ليوقف كل شىء تمامًا. والنتيجة أن المشروع تعطل عامين كاملين. اضطررنا نبحث عن حلول مستحيلة؛ هل نصور داخل أراضى 48؟ هل نغيّر مواقع التصوير؟ لكن أى تغيير كان يعنى كسرًا لرؤية المخرج وصورته الفنية. ومع ذلك، نجح الفريق فى اللحظة الأخيرة فى نقل الإنتاج إلى الأردن، رغم التكلفة الإضافية الكبيرة. وهناك استطعنا استئناف التصوير خلال مايو ويونيو، ثم استكملنا بعض المَشاهد فى الداخل الفلسطينى والضفة والقدس، حرفيًا كـ«سرقات» تصوير قصيرة بجهود محلية.
بالحديث عن فيلمك الأخير (فلسطين 36) هل تمنّيتِ أن يُعرَض هذا العام ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائى؟
- بصراحة لا أعرف تمامًا سبب عدم مشاركة الفيلم فى مهرجان القاهرة، وربما يرتبط الأمر باعتبارات إنتاجية بحتة. فحين تكون بعض الجهات الداعمة من دول معينة، يصبح من الطبيعى أن يتجه الفيلم للمهرجانات التى ترتبط بهذه المؤسّسات أو تدعمه بشكل مباشر. وبالرغم من ذلك، كنت أتمنى بالتأكيد أن يُعرَض هنا فى القاهرة؛ خصوصًا مع وجودى فى المهرجان هذا العام ووجود أصدقاء لى يقدمون أعمالهم فيه. لكن المهم أن الفيلم يواصل رحلته، وهو الآن يمثل فلسطين فى سباق الأوسكار، وهذا بالنسبة لى مكسب كبير ومصدر فخر.
• هل تغيّرت نظرة الغرب إلى الفنان الفلسطينى عمّا كانت من قبل؟
- أعتقد أن النظرة الغربية للعربى عمومًا شهدت تحوّلًا واضحًا بعد أحداث 11 سبتمبر. حدثت حينها موجة اهتمام معاكسة؛ نوع من الرغبة فى فهم هذا «العربى» وهويته وتوجهاته بعيدًا عن الصور النمطية القديمة. وبدأنا نرى أعمالًا أجنبية تقدّم الشخصية العربية بوجه آخر، أكثر عمقًا وإنسانية. أمّا بالنسبة للفنان الفلسطينى تحديدًا؛ فمن الصعب أن أضع حكمًا عامًّا؛ لأن المسألة واسعة وتتفاوت من تجربة لأخرى. لكن على المستوى الشخصى، لم أشعر يومًا بأن هويتى كانت عائقًا. عندما دخلت إلى المشهد الفنى الغربى، دخلت باسمى ومسيرتى وشهرتى، ولم أواجه نظرة سلبية مرتبطة بكونى فلسطينية.
قدّمتِ فى السينما المصرية مشاركة واحدة فى فيلم (باب الشمس).. لماذا لم تكرّرى التجربة؟
- تجربتى فى (باب الشمس) كانت مختلفة وعميقة جدًا، وربما لهذا ظلّت الوحيدة حتى الآن. العمل مع المخرج المصرى «يسرى نصرالله» كان بالنسبة لى لحظة فارقة؛ فأنا تربيت على سماع أسماء كبيرة مثل «يوسف شاهين»، ولذلك أن يأتينى مخرج مصرى بحجم «يسرى نصرالله» ويختارنى للدور كان أشبه بفوز بجائزة. والفيلم نفسه كان تجربة شخصية للغاية؛ لأنه مأخوذ عن كتابات «إلياس خورى» التى تتناول النكبة وقصص 48، هذه العوامل جعلت مشاركتى فى (باب الشمس) تجربة استثنائية. بعد هذا الفيلم لم تكن الظروف والمشاريع التى عُرضت عليّ تحمل الثقل الإنسانى والفنى نفسه. ومع ذلك؛ أتمنى العودة إلى السينما المصرية؛ لأنها تملك تأثيرًا كبيرًا ويشرفنى العمل فيها.







