الأربعاء 18 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

حضارة وحدت العالم

250 بعثة أجنبية.. لاكتشاف الآثار المصرية

منذ فجر التاريخ، ظلت أرض مصر منارةً للعلم والمعرفة ومهدًا لحضارة أبهرت العالم، وعلى مرّ العصور كانت آثارها شاهدًا على عبقرية الإنسان المصرى القديم، تجذب إليها أنظار العلماء والباحثين من مختلف أنحاء العالم.



ومن هنا وُلدت فكرة البعثات والمعاهد الأجنبية التى جاءت إلى مصر لاكتشاف أسرارها، وفهم لغتها القديمة، والاقتراب من عبقرية الفراعنة فى العمارة والفن والعقيدة.

واليوم، وبعد أكثر من قرنين من البحث والعمل، أصبحت تلك البعثات والمعاهد الأجنبية جزءًا أصيلًا من المشهد الأثرى والعلمى فى مصر، وشريكًا رئيسيًا فى الحفاظ على تراثها، ونقل خبراتها إلى الأجيال الجديدة من الأثريين المصريين.

والبعثات والمعاهد الأجنبية العاملة فى مصر واحدة من أهم جسور التعاون الثقافى والعلمى، فهى لا تقتصر على التنقيب عن الآثار فقط، بل تمتد لتشمل البحث، الترميم، التوثيق، وتبادل الخبرات فى مجال علم المصريات.

واليوم، وعبر شبكة واسعة من المعاهد الأجنبية العاملة فى مصر، يستمر التنوع العلمى والثقافى ثريًا، يعزز مكانة مصر كأكبر متحف مفتوح فى العالم.

وتضم مصر عددًا كبيرًا من المعاهد الأجنبية المتخصصة فى دراسة الآثار والحضارة المصرية، منها: المعهد الفرنسى للآثار الشرقية، والمعهد الألمانى، والمعهد النمساوى، والمعهد الإيطالى، والمعهد السويسرى، والمركز البولندى لآثار البحر المتوسط، والمعهد الفلمنكى الهولندى، ومركز البحوث الأمريكى، وجمعية استكشاف مصر. وقد أسهمت تلك المؤسسات، بالتعاون مع المجلس الأعلى للآثار ووزارة السياحة والآثار، فى تحقيق إنجازات علمية وأثرية كبرى.

ومع مرور الزمن، تعددت مهام البعثات الأجنبية، فلم تعد قاصرة على التنقيب فقط، بل أصبحت تهتم بالصيانة والترميم والتوثيق، وإدارة المواقع الأثرية، بما يعكس تطور الفكر الأثرى العالمى.

وفى محطات تاريخية لتلك المعاهد، احتفل المعهد الفرنسى بمرور 100 عام على انتقاله إلى مقره بالمنيرة عام 2007، وأيضًا احتفل المعهد الألمانى بمرور 100 عام على عمله فى مصر عام 2007.

أما المركز البولندى لآثار البحر المتوسط فظل يعمل لمدة 70 عامًا على نشاطه فى مصر، خاصة فى معبد حتشبسوت بالدير البحرى.

والمعهد الهولندى والفلندى، احتفل أيضا بمرور 40 عامًا على تأسيسه، بعد أن دعم مشاريع أثرية مهمة فى سقارة، والفسطاط، والكاب، والبرشا.

وتعمل اليوم أكثر من 250 بعثة أجنبية فى مصر من فرنسا، وألمانيا، والنمسا، وبولندا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، وسويسرا، والتشيك، وإسبانيا، واليابان وغيرها، فى مواقع متعددة مثل دهشور، سقارة، الأقصر، أسوان، الفيوم، وتونة الجبل بالمنيا.

تلك البعثات تمتلك إمكانيات علمية وتقنية هائلة، وتعمل على تدريب الكوادر المصرية من خلال المنح الدراسية، وورش العمل، والمدارس الميدانية فى علوم الحفريات والترميم.

ومن أبرز الأمثلة: المنح السنوية التى يقدمها المعهد الألمانى لعلماء الآثار الشباب، ومنح المعهد النمساوى للمشرفين المصريين لدراسة علم المتاحف فى فيينا، وورش الترميم المتخصصة التى تنظمها البعثات الفرنسية والبولندية.

كما ساهمت تلك البعثات فى اكتشافات مبهرة، مثل تمثال بسماتيك الأول فى المطرية، وأعمال الترميم الكبرى فى معبد أمنحتب الثالث بكوم الحيتان، وحفائر سقارة والأقصر وأسوان.

ويمثل المتحف المصرى الكبير تتويجًا للتعاون الأثرى والعلمى بين مصر وشركائها الدوليين، فمنذ بدء العمل فيه لعبت البعثات والمعاهد الأجنبية دورًا أساسيًا فى إنجاز المشروعات الكبرى داخله، لا سيما فى مركز الترميم المتكامل الذى يُعد الأكبر من نوعه فى الشرق الأوسط وإفريقيا.

وشارك فى تجهيز هذا المركز وتدريب كوادره عدد من أهم المعاهد الأجنبية وخبراء اليابان الذين دعموا مشروع الترميم، ونقل القطع الأثرية من المتحف القديم إلى الجديد، فضلا عن فرق ألمانيا وفرنسا وإيطاليا التى ساهمت فى تطوير تقنيات متقدمة للحفظ والتحليل.

وكان هناك تعاون وثيق بين المجلس الأعلى للآثار والبعثات الأجنبية فى توثيق القطع العملاقة، مثل تمثال رمسيس الثانى، وكنوز مقبرة توت عنخ آمون.

ومن خلال تلك الشراكات، تحوّل المتحف المصرى الكبير إلى مركز دولى للتعاون الثقافى والمعرفى، ليس فقط لحفظ الكنوز الأثرية، بل لتطوير الفكر العلمى فى هذا المجال، وإعداد جيل جديد من المتخصصين المصريين قادر على قيادة العمل الأثرى بمعايير عالمية، وأثمر هذا التعاون عن نقل وتوثيق وترميم مئات القطع الأثرية وفقًا لأحدث المعايير الدولية فى حفظ التراث.

 مركز الترميم

وفى مركز الترميم بالمتحف المصرى الكبير، تتجلى تلك الشراكة بأوضح صورها، فقد ساهمت البعثات الأجنبية فى تدريب جيل جديد من المرممين المصريين على أحدث التقنيات فى ترميم الأخشاب، والبرديات، والمنسوجات، والمعادن، والتماثيل الضخمة. كما نُظمت ورش عمل متخصصة حول أساليب الترميم الدقيق، والتحليل المجهرى، واستخدام أجهزة القياس الحديثة. 

وكان الدعم العلمى والتقنى الذى قدمته المعاهد الأوروبية عاملًا رئيسيًا فى إنجاز مشروع نقل وترميم تمثال رمسيس الثانى، وأعمال ترميم مقتنيات مقبرة توت عنخ آمون، التى تُعرض لأول مرة فى قاعات العرض الجديدة.

فضلًا عن قيام تلك المعاهد بتنظيم ندوات علمية ومعارض مؤقتة داخل المتحف المصرى الكبير، عرضت خلالها نتائج مشروعاتها الميدانية فى مصر.

 تلاقى الحضارات 

تقول د.مارلين دى ماير، مديرة المعهد الفلمنكى الهولندى بالقاهرة، إن المتحف المصرى الكبير ليس فقط واجهة للآثار المصرية، بل مركز عالمى لتلاقى الحضارات والعلوم.

وأشارت إلى أن المعهد الهولندى يشارك فى مشروعات بحثية متعلقة بالنقوش والبرديات، إلى جانب دراسة تقنيات الحفظ فى البيئات الجافة مثل بيئة الجيزة.

يعد هذا التعاون امتدادًا لتاريخ طويل من العلاقات العلمية بين مصر والمعاهد الأجنبية، التى تعمل فى البلاد منذ أكثر من قرنين، وأسهمت فى الكشف عن كنوز وادى الملوك وسقارة والأقصر وأسوان. واليوم يتطور دورها إلى دعم التنمية المستدامة للتراث، والتعليم، وبناء القدرات المصرية فى علم المتاحف.

 مجموعة تل الفرخة

نجحت البعثة البولندية فى «تل الفرخة» فى اكتشاف مجموعة متنوعة من الآثار المهمة، منها تمثالان خشبيان نادران من عصر نقادة الثالثة، و33 مقبرة تعود لعصر ما قبل الأسرات أغلبها لأطفال، بالإضافة إلى أقدم مصنع للجعة فى مصر من عصر نقادة الثانية والثالثة، ومنطقة صناعية تضم ورشًا لتصنيع الفخار والأدوات الحجرية.

وأكد د.عبدالرحيم ريحان، خبير الأثار المتخصص فى آثار سيناء والآثار القبطية، أن المتحف الكبير يضم مجموعة آثار تل الفرخة التى كشفت عنها البعثة البولندية من منطقة آثار الدقهلية عام 2017، وتضم «صلايات» وأوانى فخارية، وعددا من السكاكين المختلفة الأحجام.

وأضاف أن الشراكات الأجنبية بالمتحف المصرى الكبير أسهمت فى رفع كفاءة الكوادر المصرية، وتوفير فرص تدريب متميزة فى الخارج، فضلًا عن إدخال تقنيات رقمية حديثة فى توثيق المجموعات الأثرية.

وأكد أن وزارة السياحة والآثار تتجه فى المستقبل إلى توسيع هذا التعاون العلمى، من خلال إنشاء برامج مشتركة مع الجامعات والمعاهد الأجنبية، وتأسيس مدارس ميدانية أثرية داخل المتحف لتدريب الطلاب المصريين على أحدث طرق البحث والترميم. كما يجرى العمل على إطلاق منح دراسية جديدة فى مجالات علم المصريات، وعلم المتاحف، وإدارة التراث. 

وأوضح أن الدور الذى تلعبه المعاهد والبعثات الأجنبية اليوم فى المتحف المصرى الكبير، يؤكد أن الحفاظ على التراث الإنسانى مسئولية مشتركة، تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، فالمتحف ليس فقط مشروعًا مصريًا، بل رسالة حضارية من مصر إلى العالم، تُجسّد التعاون الدولى فى أبهى صوره، وتؤكد أن الحضارة المصرية القديمة لا تزال مصدر إلهام ومعرفة لكل الشعوب.