
هاني لبيب
فى دبلوماسية التأثير دون ضجيج.. مصر والصين على طريق القضية الفلسطينية!
لا ينفصل الوجود الاستثمارى الصينى فى دول العالم عن دورها الدبلوماسى فى السياسات الخارجية. وترسخ تدريجيًا دورها مما جعل البعض يعتقد أنها تحاول أن تكون بديلًا استراتيجيًا للولايات المتحدة الأمريكية فى منظومة العلاقات الدولية وفى مقدمتها مساعى السلام المتعلقة بالصراع الفلسطينى – الإسرائيلى. وتتبع الصين فى هذا الشأن سياسة دبلوماسية التأثير دون ضجيج أو إعلان حتى تحقق أهدافها للإعلان عنها بنجاح.
استطاعت الصين تطوير علاقتها بالعديد من الدول العربية من خلال تحقيق التوازن بين السياسة والاقتصاد (العلاقات التجارية).. خاصة فى ظل توسعها الصناعى الضخم، وما يترتب عليه من احتياجات الطاقة سواء البترول أو الغاز حتى أصبحت الدول العربية بالنسبة للصين تمثل ما يزيد على 40% من إمداداتها بالطاقة.
مبعوث صينى للشرق الأوسط
قامت الصين سنة 2002 بإرسال مبعوث خاص للشرق الأوسط للقيام بجولات دبلوماسية فى المنطقة العربية. وفى سنة 2004، أنشأت منتدى التعاون مع الدول العربية. والذى برزت أهميته مع انطلاق مبادرة الحزام والطريق «طريق الحرير الجديد» بما يتضمنه من أبعاد اقتصادية وسياسية، وجيو استراتيجية وعسكرية.
ومرورًا بأحداث كثيرة، وعقب شرارة الحرب فى 7 أكتوبر 2023، أعلنت وزارة الخارجية الصينية فى 8 أكتوبر 2023: (دعوة الأطراف المعنية إلى إنهاء الأعمال العدائية فورًا من أجل حماية المدنيين وتجنب المزيد من تدهور الوضع). ثم أعلنت ماو نينج «المتحدثة باسم الخارجية الصينية فى 9 أكتوبر 2023»: (نحن نعارض وندين الأعمال التى تضر بالمدنيين). كما أكدت أن (كل هذا يدل مرة أخرى أن الجمود الذى طال أمده فى عملية السلام لا يمكن أن يستمر). وبشكل عام دائمًا ما تؤكد الصين على أنها ليست معزولة عن دول الجنوب، بل تتفق مع العديد منها فى مواقفهم.
فى 17 أكتوبر 2023، قامت بكين باتصالات مكثفة، بدأتها مع السفير الإسرائيلى ببكين. ثم أرسلت مبعوثها الخاص «تشاى جون» للشرق الأوسط فى زيارة بدأها بقطر فى 19 و20 أكتوبر 2023 للتفاوض بشأن مصير رهائن حماس. وفى 21 أكتوبر 2023، جاء إلى مصر للمشاركة فى قمة القاهرة للسلام، ثم ذهب بعدها إلى الإمارات فى 24 أكتوبر 2023، ثم إلى الأردن وتركيا. وربما كان ما سبق، هو الذى جعل وفدًا مكونًا من وزراء خارجية كل من: مصر والسعودية وقطر والأردن وفلسطين.. يبدأ جولته الدولية لشرح وتبادل وجهات النظر حول ما يحدث فى قطاع عزة من بكين فى 20 نوفمبر 2023، وليس من واشنطن أو أحد العواصم الأوروبية المعتاد عليها فى مثل تلك الأزمات. كما أفصحت بكين عن موقفها المتضامن مع الشعب الفلسطينى من خلال إعلانها عن ورقة موقف عن تسوية الصراع الفلسطينى – الإسرائيلى فى 1 ديسمبر 2023.
يتسق الموقف الصينى الرسمى مما يحدث فى غزة مع مبادئ الخارجية الصينية سواء باعتراف الصين بدولة فلسطين، أو من خلال دعمها للموقف الفلسطينى داخل أروقة مجلس الأمن وفى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتمسكها بحل الدولتين. وهو ما أكده «ما شين مين» ممثل الصين بمحكمة العدل الدولية بدفاعه عن حق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولة، كما أوضح الفرق بين الكفاح المسلح من أجل الاستقلال وممارسة الأعمال الإرهابية.
يذكر، أن إسرائيل كانت من أوائل الدول التى اعترفت بجمهورية الصين الشعبية سنة 1950، بينما اعترفت فرنسا بها سنة 1964، والولايات المتحدة الأمريكية سنة 1972. كما اعترفت الصين بالسلطة الوطنية الفلسطينية سنة 1988.
فلسطين على طريق الصين
شهدت العلاقات الصينية- الفلسطينية عدة متغيرات وتحولات منذ ستينيات القرن العشرين. تبنت الصين موقفًا مؤيدًا للقضية الفلسطينية بقوة، ثم ابتعدت فى السبعينيات. وعادت للاهتمام من جديد فى الثمانينيات والتسعينيات، باتخاذ موقف واضحة ومؤيدة للقضية الفلسطينية. لم تقدم بكين الكثير من الدعم العملى للقضية الفلسطينية ربما لأسباب مرتبطة باهتماماتها الإقليمية والدولية، وتوازنات علاقاتها مع إسرائيل.
يحسب للصين أنها ظلت متمسكة بمبادئ الزعيم «ماو تسى تونج» فى دعم كل حركات التحرير والنضال ضد الاستعمار سياسيًا. وهو ما طبقته بحذر سياسى فى تعاملها مع القضية الفلسطينية. وقبل ذلك من خلال حرصها على عدم الخوض مطلقًا فى النزاعات الإقليمية على غرار ما يحدث مع إيران من خلال الحوثيين تجاه السعودية، أو ما يحدث مع الإمارات.
صينية عربية
تصنف الصين باعتبارها من أقوى اقتصاديات العالم، كما أنها تمتلك واحدًا من أقوى الجيوش العسكرية عالميًا. وهو ما جعلها ضمن اللاعبين الأساسيين فى العلاقات الدولية بتوازناتها المعقدة والمركبة. وهو ما يفسره كيفن رود «رئيس الوزراء الأسترالى الأسبق» حينما قال: (كان هذا الحضور الاستراتيجى المتنامى سريعًا وملحوظًا. وكانت قدرة الصين على تنفيذ استراتيجيتها بأقل قدر من الإشهار تعتمد على نفوذها الاقتصادى الهائل فى كل عاصمة، وقدرتها على تقليل خطر الوقوع فى شبكة معقدة من التوترات الإقليمية. ومن خلال عدم الانحياز لأى طرف، أقامت الصين صداقات مع جميع الأطراف المتحاربة فى المنطقة، وطورتها وحافظت عليها، كما وازنت بعناية بين علاقاتها مع إيران والدول العربية وإسرائيل).
رباعية مؤثرة
لعل أهم ما يلفت الانتباه فى زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى بكين هو استمرار التنسيق من جانب، والتقارب الدبلوماسى والسياسى المستمر على مدار ما يقرب من 68 عامًا من جهة أخرى. فضلًا عن تواجد عربى رئاسى رفيع المستوى لحضور المؤتمر الوزارى العاشر لـ «منتدى التعاون الصينى العربى» لكل من: الإمارات والبحرين وتونس خلال الفترة من 28 مايو إلى 1 يونيو 2024 حسب وكالة الأنباء الصينية «شينخوا».
من المتوقع أن يكون هذا الحضور رفيع المستوى لتبادل وجهات النظر المختلفة حول القضايا الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط والقضايا الدولية المؤثرة، والتأكيد على تعزيز العلاقات الصينية – العربية بالتركيز على المزيد من الانخراط فى التفاعل مع مشكلات منطقة الشرق الأوسط وأزماتها. ومع الإشارة إلى أنه سيكون هناك موقف مشترك صينى – عربى بشأن القضية الفلسطينية.
شهدت العلاقات العربية – الصينية تطورًا ملحوظًا منذ تولى الرئيس الصينى «شى جين بينج» منذ عام 2013. والذى جسد هذا الاهتمام فى يناير 2016 بمقترحات الشراكة فى مختلف المجالات مع الدول العربية. وهوما وصل حسب بعض التقديرات إلى الوصول لعلاقات شراكة استراتيجية جعلت الاستثمارات الصينية تقفز إلى 250 مليار دولار، وحجم التجارة إلى ما يقرب من نصف تريليون دولار.
مصر على طريق الحرير
تعتبر الصين طبقًا للإحصائيات الرسمية هى واحدة من أكبر شركاء مصر فى مجال التبادل التجارى، والذى بلغ حوالى 30 مليار دولار خلال عام 2023، والملاحظ أن الاستثمارات الصينية فى تزايد مستمر.. خاصة فى مجالات البنية التحتية والطاقة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. بالإضافة إلى افتتاح الصين لمنطقة تجارية حرة فى العين السخنة سنة 2022. وجارى الآن بحث إمكانية إنشاء منطقة صناعية صينية على البحر المتوسط لتلبية احتياجات السوق المحلية والتصدير للأسواق الأوروبية والأمريكية.
مصر هى بوابة الصين لأفريقيا على طريق الحرير الذى يدعم الشركات الصينية لتنفيذ مشروعات استثمارية ضخمة فى أفريقيا من خلال النقل البحرى والبرى، والذى تعد قناة السويس الجديدة التى تم افتتاحها سنة 2019 أحد أهم مشروعات مبادرة الحزام والطريق.
ومن أهم مجالات الشراكة المصرية – الصينية هى العلاقات الثقافية من خلال روابط شعبية تاريخية من خلال المعارض الفنية والمهرجانات الموسيقية وتبادل البعثات التعليمية والبحثية بين البلدين.. مما يسهم فى تعزيز التفاهم الثقافى المتبادل.
نقطة ومن أول السطر
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت الصين لاعبًا رئيسيًا فى معادلة العلاقات الدولية.. وهو ما يمكن أن يحقق شكلًا جديدًا من أشكال التوازن.. بعيدًا عن التحالفات التقليدية القديمة التى نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وما قبل الحرب الباردة وبعدها.