
هاني لبيب
مصر أولا.. قمة البحرين.. وبوصلة الفرصة الأخيرة.. تقدير موقف لأخطر معاهدة سلام فى العصر الحديث
يأتى انعقاد قمة البحرين فى ظروف معقدة وملابسات خلافية على خلفية جدل التعامل مع الأزمة «الفلسطينية -الإسرائيلية» التى تشهد تصعيدًا يوميًا مستمرًا منذ 7 أكتوبر الماضى وإلى الآن. وتعود أهمية قمة البحرين لتزامنها مع أخطر توقيت وأهم تحدٍّ يواجه القضية الفلسطينية. وهو ما يجعل انعقادها.. يمثل تحديًا أخيرًا واختبار بقاء لجامعة الدول العربية فى استثمار ما ينتج عنها من مواقف وقرارات وتوصيات.. لدفعها لحيز التنفيذ بعيدًا عن الشجب والإدانة والتأييد والأسف. وهو ما من شأنه أن يعيد للقمم العربية التى بدأت منذ سنة 1946 أهميتها الحقيقية فى مصير الشعوب العربية ومستقبل دولها.
نحتاج إلى اعتماد التركيز على المساحات والمصالح السياسية والاقتصادية المشتركة.. كمعيار للتعاون والشراكة العربية، بعيدًا عن طرح مفاهيم الوحدة العربية بشكلها التقليدى بعد كل تلك الكوارث التى أصابت دول المنطقة العربية، وتلك الحالة من الشعور بالعجز ليس فقط أمام العالم؛ بل أمام شعوب تلك الدول التى انقسمت على ذاتها، وتحولت أراضيها لساحة للاقتتال الداخلى لأبنائها قبل غيرهم. وفى الوقت نفسه، يدعون غيرهم للحرب بالوكالة، والغاء الاتفاقيات السياسية ودق طبول الحرب.
استراتيجيات التحدى
ما يحكم العلاقات «المصرية - الإسرائيلية» هو معاهدة كامب ديفيد، وهى معاهدة السلام وملاحقها وبروتوكولاتها التى تم توقيعها منذ أكثر من 45 عامًا فى 26 مارس سنة 1979 على مرتكزات قوية تحقق مصالح الطرفين. وتمثل تلك المعاهدة الإطار الحاكم فى العلاقات الثنائية بين الطرفين، والتى استطاعت الصمود والاستمرار رغم التحديات الشائكة التى مرت بها وواجهتها خلال كل تلك السنوات. فضلًا عن شائعات الحرب التى تصل إلى استخدام الأسلحة النووية.. دون أى اعتبار لمفاهيم العلاقات الاستراتيجية.
رغم كل التحديات منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد؛ فإن الاتصالات بين مصر وإسرائيل لم تنقطع.. خاصة أن مصر شريك أساسى فى غالبية الاتفاقيات والمفاوضات «الفلسطينية - الإسرائيلية». وربما تكون أكثر الفترات تجميدًا فى العلاقات الثنائية على مستوى القيادة السياسية هى الفترة التى صاحبت وصول بنيامين نتنياهو لرئاسة مجلس الوزراء فى ديسمبر 2022، وتشيكله لحكومة ائتلاف الأحزاب اليمينية الصغيرة المتطرفة.
منذ 7 أكتوبر 2023 وبسبب التصعيد المستمر، كان من الطبيعى أن تحدث حالة من التوتر المعلن فى العلاقات المصرية - الإسرائيلية. وتجلى هذه التوتر بإعلان مصر مؤخرًا.. دعمها ومساندتها إلى جنوب إفريقيا فى اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.
مواقف مصرية.. أمام الإسرائيلية
منذ اللحظة الأولى لما أطلقت عليه حركة حماس فى 7 أكتوبر 2023 بأنه «طوفان الأقصى».. لم تغير مصر من لغة خطابها السياسى المرتكز على:
- رفض سياسة العقاب الجماعى.
- رفض تصفية القضية الفلسطينية.
- رفض تهجير الشعب الفلسطينى إلى سيناء، بل واعتباره «خط أحمر».
- ضرورة إدخال المساعدات الإنسانية إلى داخل قطاع غزة.
- فتح معبر رفح بصورة دائمة سواء لحركة عبور الأفراد أو المساعدات الإنسانية.
- وقف الحرب، وعدم التصعيد بما يؤثر سلبًا على قنوات التواصل والعلاقات.
- التمسك بالحل السياسى من خلال المفاوضات المباشرة والمكثفة.. باعتباره المسار الوحيد لحل القضية الفلسطينية فى سبيل تنفيذ حل الدولتين.
وفى المقابل، تمسك بنيامين نتنياهو «رئيس وزراء إسرائيل» بتحقيق عدد من الأهداف التى لم يغيرها فى أى مرحلة، بل تشدد فى التمسك بها، على غرار:
- استمرار العمليات العسكرية على غزة، وتوسيع رقعة عملياتها على الأرض.
- القضاء على حركة حماس عسكريًا.. مهما كان الثمن.
- منع عودة حركة حماس إلى حكم القطاع مرة أخرى.
- فرض رؤية محددة لكيفية إدارة قطاع غزة.. عقب الحرب.
- رفض عودة السلطة الوطنية الفلسطينية لتولى حكم قطاع غزة.
وزاد نتنياهو فى تشدده.. بتأكيده على ضرورة استكمال الحرب حتى الوصول إلى مدينة رفح الفلسطينية، وهزيمة ما تبقى من كتائب حركة حماس وقياداتها. وهو ما يعنى أن تلك الحالة ستستمر لعدة شهور مقبلة.. مما يمكن نتنياهو من استعادة مكانته السياسية التى تراجعت ما قبل 7 أكتوبر2023 إلى أدنى مكانة لها داخل المجتمع الإسرائيلى.
اتفاقية ومعاهدة
من الأهمية هنا، أن نذكر أنه عند خلفية كل أزمة، تخلط الكثير من الكتابات فى الحديث بين اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة كامب ديفيد. ومع الملاحظة أن القاسم المشترك بينهما هو عقدهما فى المنتجع الرئاسى كامب ديفيد بولاية ميريلاند، والذى حمل سياسيًا اسم واحدة من أهم إنجازات السلام فى القرن العشرين. وهو ما تم بين الرئيس المصرى «أنور السادات» ورئيس الوزراء الإسرائيلى «مناحم بيجين» تحت رعاية وضيافة الرئيس الأمريكى «جيمى كارتر» ودعمه.
اتفاقيات كامب ديفيد تعود إلى سنة 1978، وهى تتكون من اتفاقيتين: الأولى تحمل عنوان «إطار السلام فى الشرق الأوسط»، والثانية تحمل عنوان «إطار الاتفاق لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل». وهما بهذا الشكل تمثلان معًا إطارًا محددًا للمبادئ العامة التى ستكون المرجعية الأساسية التى ستحدد معاهدة كامب ديفيد سنة 1979، والمعروفة بـ«معاهدة السلام».
اتفاقيتا كامب ديفيد
الاتفاقية الأولى «إطار السلام فى الشرق الأوسط»: وهى توثق الفترة الزمنية التى اجتمع فيها كل من: السادات وبيجين وكارتر خلال الفترة من 5 إلى 17 سبتمبر 1978. وقد نصت على دعوة أطراف النزاع العربى - الإسرائيلى الأخرى للانضمام إليهم.
أقرت الاتفاقية قاعدة متفقًا عليها للتسوية السلمية للنزاع بين إسرائيل وجيرانها.. ارتكازًا على قرار مجلس الأمن رقم 242 و338 الصادرين عن مجلس الأمن عامى 1967 و1973. واللذين يقران دون تحديد أسماء الدول.. مبدأ عدم جواز استيلاء إسرائيل على الأرض العربية بطريق القوة من جانب، ومبدأ ضرورة اعتراف العرب بوجود دولة إسرائيل داخل حدود آمنة ومعترف بها من جانب آخر.
أقرت الاتفاقية مبدأ إجراء مفاوضات فى المستقبل بين إسرائيل وأى دولة مجاورة مستعدة للتفاوض بشأن السلام كشرط لتنفيذ بنود ومبادئ قرارى مجلس الأمن المذكورين. ونصت الاتفاقية على أن السلام يتطلب احترام السيادة والوحدة الإقليمية والاستقلال السياسى لكل دولة وحقها فى العيش فى سلام داخل حدود آمنة ومعترف بها، وأن دعم هذا الاتجاه من شأنه أن يقود التحرك نحو عصر جديد من التصالح فى الشرق الأوسط بتأكيد التعاون على تنمية التطور الاقتصادى، والحفاظ على الاستقرار والأمن.
ومن أهم ما تقره الاتفاقية الأولى.. وضع المبادئ التى تم الاتفاق عليها لحل المشكلة الفلسطينية على ثلاثة محاور. الأول: نقل السلطة إلى الفلسطينيين فى الضفة وغزة، لإقامة سلطة حكم ذاتى لمدة لا تتجاوز خمس سنوات. والثانى: إجراء التفاوض على الوضع النهائى للضفة وغزة، وعلى أن يقر الحل الناتج عن المفاوضات بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى. والثالث: هى مرحلة تنفيذ الاتفاق النهائى.
الاتفاقية الثانية «إطار الاتفاق لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل»: نصت فى السطر الأول منها على موافقة مصر وإسرائيل على التفاوض بنية صادقة، وذلك بهدف التوصل إلى معاهدة سلام بينهما خلال 3 أشهر من تاريخ التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد فى 17 سبتمبر 1978. كما نصت الاتفاقية على تطبيق كل مبادئ قرار الأمم المتحدة رقم 242 الخاص بحل النزاع بين مصر وإسرائيل. وعلى أن يتم تنفيذ المعاهدة التى سيجرى التوصل إليها فى فترة بين عامين وثلاثة أعوام من تاريخ توقيعها.
والأهم أنها تنص على المسائل التى اتفق عليها الطرفان:
1 - ممارسة مصر سيادتها كاملة على المنطقة التى تمتد إلى الحدود المعترف بها دوليًا بين مصر وفلسطين خلال فترة الانتداب.
2 - انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من سيناء.
3 - حرية مرور السفن الإسرائيلية فى خليج السويس وقناة السويس.
وتتناول الاتفاقية أوضاع القوات المصرية - الإسرائيلية على جانبى الحدود، ووضع القوات التابعة للأمم المتحدة. ثم تنتقل إلى الانسحاب المرحلى بعد توقيع المعاهدة، وإقامة علاقات طبيعية بعد الانسحاب.
معاهدة السلام «المصرية - الإسرائيلية»
مثلت الاتفاقية الثانية بهذا الشكل.. التمهيد للتفاوض حول معاهدة السلام التى وقعت فى 26 مارس 1979. وهكذا أصبحت المعاهدة، وليس الاتفاقيتين هى المرجع المنظم للعلاقات المصرية - الإسرائيلية، والالتزامات المتبادلة ووسائل حل الخلافات بين مصر وإسرائيل.
نظمت معاهدة السلام أسلوب تعديل وضع القوات الأمنية.. حسبما ورد فى الفقرة الرابعة من المادة الرابعة بأنه بناء على طلب أحد الطرفين يتم إعادة النظر فى ترتيبات الأمن. وجاء بالمادة السابعة من المعاهدة أسلوب تنظيم حل الخلافات بشأن تطبيق أو تفسير المعاهدة من خلال التفاوض، وإذا لم تحل الخلافات بالتفاوض.. تحل بالتوفيق أو تحال إلى التحكيم.
وفى 9 نوفمبر 2021، نجحت اللجنة العسكرية المصرية - الإسرائيلية المشتركة فى تعديل الاتفاقية الأمنية بما يسمح لمصر بزيادة عدد قوات حرس الحدود وإمكاناتهما بالمنطقة الحدودية فى رفح.
نقطة ومن أول السطر
قطعًا فى تقديرى، أنه حق طبيعى للدولة المصرية.. أن تلغى معاهدة السلام إذا حدث أى مساس بأمنها القومى. وهو قرار سياسى استراتيجى.. لا يخضع فى كل الأحوال إلى الحنجورية الناصرية ومواليها من سماحة الشيخ فى جنوب لبنان وغيره، أو أهداف دولة خلافة الإسلام السياسى المزعومة. وقبل ذلك لا يخضع لبوستات الفيسبوك وسذاجة الغوغائيين والفوضويين والعشوائيين من بقايا أحداث 25 يناير 2011.
احترام الدولة المصرية لاتفاقاتها ومعاهداتها والتزاماتها الدولية.. لا يتعارض نهائيًا مع كل الحفاظ على عدم المساس بأمنها القومى.