
نبيل عمر
الحرب فى غزة.. الأوقات الحاسمة وخط النهاية!
يبدو أن الحرب فى غزة اقتربت من الفصول الحاسمة، سبعة أشهر طويلة جدًا من الدم والدمار الشامل واستنزاف موارد الحياة فى غزة ماديًا وإنسانيًا، دون نتائج حاسمة، وبالطبع لن نصدق كلام بنيامين نيتانياهو عن اقتراب إسرائيل بخطوة واحدة من النصر الكامل، فهذه تصريحات فنية من على خشبة مسرح رئيس الوزراء الإسرائيلى إلى جمهوره من المتطرفين والمتشددين فى صالة العرض، تصريحات درامية أكثر منها حقيقية، فوضع القضية الفلسطينية إقليميًا ودوليًا وإعلاميًا وإنسانيًا يختلف كليًا عن وضعها قبل الحرب، والقتال فى أى حرب هدفه «صناعة واقع» أكثر فاعلية وتمكينًا وجنيًا للمكاسب الاقتصادية والسياسية والجغرافية للطرف المنتصر على حساب الطرف المنهزم، وليس بعدد القتلى والمصابين وحجم الدمار الذى تحدثه آلة حرب ترتكب جرائم ضد الإنسانية، فى المقابل استردت فلسطين بعضًا من الحياة الدافقة، بعد أن عاشت سنوات فى غيبوبة تامة على أجهزة التنفس الصناعى، يتوقع الكثيرون موتها فى أى لحظة. وحياة فلسطين النشيطة تعنى مأزقًا وجوديًا لإسرائيل.
بالطبع يدرك قادة إسرائيل ذلك جيدًا، ويلمسون «الحقائق» على أرض الواقع، خاصة أن جيش الإبادة الإسرائيلى مارس وحشيته فى غزة منذ أول يوم بعد السابع من أكتوبر، وسط قدر من الغرور المفرط والتفاؤل المكلل بالعار، حتى لو أعلنوا أن نزهة القتال قد تطول بضعة أشهر، حتى يفككوا أنفاق حماس ويجبروها على الاستسلام أو الموت، أو على أقل تقدير تخرج على الملأ منزوعة السلاح راضخة لشروط إسرائيل، لكنهم وجدوا أنفسهم بعد سبعة أشهر وسط أكبر قدر من التخريب ارتكبه جيش منظم فى التاريخ، دون أن يفرجوا عن كل أسراهم الذين أمسكت بهم حماس، ودون أن يفتتوا خردلة فى عزيمة الشعب الفلسطينى ليهجروا أرضهم، وهذا هو الأخطر.
من هنا يمكن أن نفهم هجوم إسرائيل الأخير باللواء 401 على معبر رفح الفلسطينى والسيطرة عليه، بالرغم من الانتقادات الدولية الواسعة له، وفى وسط مفاوضات مستعرة على هدنة جديدة قد تؤدى إلى وقف القتال، مقابل الإفراج عن هؤلاء الأسرى الذين أمضوا أكثر من مائتى يوم فى أنفاق غزة، فى ظروف فى غاية الصعوبة والخطر.
والسؤال الذى أجابت عنه كل برامج الذكاء الاصطناعى بـ«نعم» دون تردد: هل تستكمل إسرائيل مهمتها «باهظة الثمن» فى ضرب رفح التى يتكدس فيها أكثر من مليون فلسطينى فى 64 كيلومترًا مربعًا، بمعدل يتجاوز خمسة عشر ألف نسمة فى الكيلو المربع الواحد، وحسب مساحة الكرة الأرضية وعدد سكانها، يتراوح المعدل ما بين 14 إلى 15 شخصًا فقط فى الكيلومتر مربع.؟!
أول هذه الأثمان هو معاهدة السلام مع مصر، ومصر كانت واضحة من أول رصاصة فى الحرب ولها موقف ثابت ضد تهجير أهل غزة بالقوة المسلحة وإعدام كل سبل الحياة فى القطاع، وتكلمت مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا ودول العالم المعنية عن مخاطر توسيع دائرة الحرب.
ولا تستطيع إسرائيل أن تخسر معاهدة السلام مع مصر، فهذا بمثابة انقلاب استراتيجى حاد فى أمن المنطقة، لا تستطيع إسرائيل أن تمضى فيه دون موافقة مباشرة وحاسمة من الولايات المتحدة الأمريكية، وبالاتفاق معها على بدائل تحد من تجدد «المخاطر» المباشرة على أمن إسرائيل.
لكن فى ظل العنت الإسرائيلى وجرائم جيشها، تجمد مشروع القرن بين الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج العربى، وهو المشروع الذى يتيح مرونة أكبر لإسرائيل فى التعامل مع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وهو مشروع ليس الهدف منه «السلام» مع بقية الدول العربية بقدر ما يتيح احتواء أكبر للدول العربية الغنية وربطها بمصالح مباشرة مع إسرائيل، بهدف «إضعاف» القيمة الاستراتيجية لدول الطوق المحيطة بالدولة الصهيونية، خاصة بعد نجاح الغرب فى تفكيك سوريا وتمزيق العراق، وفشله فى مصر، وتوفير «مدد اقتصادى» دائم.
ومصر معنية الآن بحماية أهل غزة، وبالدرجة الأولى حماية أمنها القومى، وترى فى ضرب رفح ما يدفع الفلسطينيين إلى الفرار من الموت إلى الحدود المصرية، وهو ما يهدد بنسف معاهدة السلام التى تعتبرها ركنًا قويًا فى الأمن الإقليمى، وهو ما يفسر أسباب إدانة وزارة الخارجية المصرية لاستيلاء إسرائيل على معبر رفح، باعتباره تصعيدًا خطيرًا، كما يفترض أن تكون رفح الفلسطينية منطقة حدودية منزوعة السلاح. ولهذا حاولت إسرائيل أن تبرر عملية الاستيلاء على المعبر، بأنها جاءت ردًا على هجوم حماس على معبر كرم أبوسالم الذى قتل فيه أربعة جنود إسرائيليين، وأنها عملية محدودة للغاية، ضد أهداف محددة ولن تطول المدة، دون أن تقدر المدة التى تقصدها.
والسيطرة على معبر رفح يؤدى بالضرورة إلى تأثيرات متعددة..
أولاً: تحكم إسرائيل الكامل فى تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة وفى إجلاء المصابين فى حالات حرجة إلى مصر للعلاج، أى هى باتت قادرة على تأزيم الظروف الإنسانية لأهل القطاع أو تحسينها حسبما تريد.
ثانيًا: الضغط على حماس فى جولات المفاوضات الحالية بالقاهرة بشأن وقف إطلاق النار، لكى توافق على المقترحات الإسرائيلية، وكانت حماس قد قبلت صيغة لوقف إطلاق النار، وعقد هدنة طويلة نسبية، مقابل تبادل الإفراج عن الأسرى والمعتقلين، وتعهدات دولية بإنهاء الحرب والانسحاب الكامل من غزة وإعادة إعمارها، لكن إسرائيل لم تقبل الصيغة، وطلبت تعديلاً فيها، وأرسلت وفدا إلى مصر لاستكمال المباحثات، لإثبات حسن النية لمصر، وأن سيطرتها على المعبر مؤقتة، لكن دون أن تتخلى عن فكرة الحرب.
ثالثًا: لكن الأخطر أن عملية إسرائيل ترفع من التوتر الإقليمى إلى مستويات أعلى مما كان عليه طول الشهور السبعة الأخيرة، لأنها تفتح أبواب تهديدات كثيرة.
وهنا لعبت الولايات المتحدة لعبتها التقليدية، حاولت أن تقلل من خطورة العملية الإسرائيلية ووصفتها بأنها عاجلة ومحدودة، وكشفت عن مكالمة هاتفية من جو بادين الرئيس الأمريكى إلى بنيامين نيتانياهو «يضغط» فيها لعدم مضى إسرائيل قدما فى هجوم برى موسع فى رفح دون خطة ذات مصداقية لحماية المدنيين الفلسطينيين.
ورد عليه نيتانياهو بأنه طلب من سكان رفح الشرقية هجرة بيوتهم سيرًا، وفعلاً غادر جزء منهم بيوتهم سيرًا على الأقدام أو على البغال أو فى مركبات محملة بالعفش والإمدادات. ويبدو أن بايدن قبل هذا المنطق المعوج، مع أن غارات الطيران الإسرائيلية على رفح لم تتوقف طيلة الأسابيع الماضية، وكثير من الخبراء والمحللين المحايدين يعتبرونها شريكًا مباشرًا فى كل جرائم الحرب التى ارتكبها جيش الإبادة الإسرائيلى، ويبدو أن أمريكا تتعامل مع العالم على أنه «فاقد التمييز»، ولا يستطيع أن يفهم كذبة الخطة ذات المصداقية لحماية المدنيين فى أى هجوم برى، كيف يمكن حماية مليون فلسطينى مكدسين فى 64 كيلومترًا مربعًا برفح، يعنى 15 شخصًا فى كل متر مربع؟، يا ترى كيف يعيش هذا العدد الكبير فى هذه المساحة الضيقة جدا؟!
يبدو أن بايدن يتصور أن الفلسطينيين يعيشون فى عالم افتراضى، يمكن ضربه دون قتلهم، وهو تصريح بالقتل لكن بشروط، فإذا لم يلتزم نيتانياهو بالشروط، فيمكن لبايدن أن يغضب ويزعل وخلاص!
ولم تتوقف التصريحات الأمريكية عن هذه المعانى، ويبدو أنها تحاول أن تمسك العصا من المنتصف ظاهريًا، حتى توقف حالة التمرد التى بدأت تتوسع نسبيًا داخل المجتمع الأمريكى وخاصة بين الأجيال الجديدة ضد دعم إسرائيل غير المشروط، بينما ما لا يقل عن 38 مليون أمريكى تحت خط الفقر، أى خمسة أضعاف عدد سكان إسرائيل، وهذه واحدة من أسباب الغضب فى الجامعات الأمريكية.
أما الاتحاد الأوروبى فكان أكثر وضوحًا وقال جوزيب بوريل مسئول السياسة الخارجية: إن دعوة الجيش الإسرائيلى لإخلاء شرق مدينة رفح غير مقبولة، لكن دون أن يتخذ الاتحاد الأوروبى أى خطوة عملية، تفسر كيفية رفضه لهذا الإخلاء.
قطعًا نحن أمام تطور خطير، بنيامين نيتانياهو ومعه مجلس الحرب المتطرف يريد أن يعلن نصرًا مستحيلاً، فيرتكب مزيدًا من جرائم الحرب ويتحكم فى باب المساعدات أمام الفلسطينيين، ومصر عملت حسابات معقدة فى حالة استمرار التصعيد، لكن تظل الكلمة الأخيرة مع الولايات المتحدة التى باتت اتفاقاتها مع دول الخليج غير قابلة للتنفيذ الفورى فى ظل هذه الظروف، وإذا تأكدت من خسارة محتملة لسياساتها، قد تتعدل الأوضاع، ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بما يمكن أن يحدث.