الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
الحرب فى غزة.. الأوقات الحاسمة وخط النهاية!‏

الحرب فى غزة.. الأوقات الحاسمة وخط النهاية!‏

يبدو أن الحرب فى غزة اقتربت من الفصول الحاسمة، سبعة أشهر طويلة جدًا من الدم ‏والدمار الشامل واستنزاف موارد الحياة فى غزة ماديًا وإنسانيًا، دون نتائج حاسمة، وبالطبع ‏لن نصدق كلام بنيامين نيتانياهو عن اقتراب إسرائيل بخطوة واحدة من النصر الكامل، فهذه ‏تصريحات فنية من على خشبة مسرح رئيس الوزراء الإسرائيلى إلى جمهوره من المتطرفين ‏والمتشددين فى صالة العرض، تصريحات درامية أكثر منها حقيقية، فوضع القضية الفلسطينية ‏إقليميًا ودوليًا وإعلاميًا وإنسانيًا يختلف كليًا عن وضعها قبل الحرب، والقتال فى أى حرب ‏هدفه «صناعة واقع» أكثر فاعلية وتمكينًا وجنيًا للمكاسب الاقتصادية والسياسية والجغرافية ‏للطرف المنتصر على حساب الطرف المنهزم، وليس بعدد القتلى والمصابين وحجم الدمار ‏الذى تحدثه آلة حرب ترتكب جرائم ضد الإنسانية، فى المقابل استردت فلسطين بعضًا من ‏الحياة الدافقة، بعد أن عاشت سنوات فى غيبوبة تامة على أجهزة التنفس الصناعى، يتوقع ‏الكثيرون موتها فى أى لحظة.‏ وحياة فلسطين النشيطة تعنى مأزقًا وجوديًا لإسرائيل.



بالطبع يدرك قادة إسرائيل ذلك جيدًا، ويلمسون «الحقائق» على أرض الواقع، خاصة أن ‏جيش الإبادة الإسرائيلى مارس وحشيته فى غزة منذ أول يوم بعد السابع من أكتوبر، وسط ‏قدر من الغرور المفرط والتفاؤل المكلل بالعار، حتى لو أعلنوا أن نزهة القتال قد تطول ‏بضعة أشهر، حتى يفككوا أنفاق حماس ويجبروها على الاستسلام أو الموت، أو على أقل ‏تقدير تخرج على الملأ منزوعة السلاح راضخة لشروط إسرائيل، لكنهم وجدوا أنفسهم بعد ‏سبعة أشهر وسط أكبر قدر من التخريب ارتكبه جيش منظم فى التاريخ، دون أن يفرجوا عن ‏كل أسراهم الذين أمسكت بهم حماس، ودون أن يفتتوا خردلة فى عزيمة الشعب الفلسطينى ‏ليهجروا أرضهم، وهذا هو الأخطر.

من هنا يمكن أن نفهم هجوم إسرائيل الأخير باللواء 401 على معبر رفح الفلسطينى ‏والسيطرة عليه، بالرغم من الانتقادات الدولية الواسعة له، وفى وسط مفاوضات مستعرة على ‏هدنة جديدة قد تؤدى إلى وقف القتال، مقابل الإفراج عن هؤلاء الأسرى الذين أمضوا أكثر ‏من مائتى يوم فى أنفاق غزة، فى ظروف فى غاية الصعوبة والخطر.‏

والسؤال الذى أجابت عنه كل برامج الذكاء الاصطناعى بـ«نعم» دون تردد: هل تستكمل ‏إسرائيل مهمتها «باهظة الثمن» فى ضرب رفح التى يتكدس فيها أكثر من مليون فلسطينى فى ‏‏64 كيلومترًا مربعًا، بمعدل يتجاوز خمسة عشر ألف نسمة فى الكيلو المربع الواحد، وحسب ‏مساحة الكرة الأرضية وعدد سكانها، يتراوح المعدل ما بين 14 إلى 15 شخصًا فقط فى ‏الكيلومتر مربع.؟!

أول هذه الأثمان هو معاهدة السلام مع مصر، ومصر كانت واضحة من أول رصاصة فى ‏الحرب ولها موقف ثابت ضد تهجير أهل غزة بالقوة المسلحة وإعدام كل سبل الحياة فى ‏القطاع، وتكلمت مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا ودول العالم المعنية عن ‏مخاطر توسيع دائرة الحرب.‏

ولا تستطيع إسرائيل أن تخسر معاهدة السلام مع مصر، فهذا بمثابة انقلاب استراتيجى حاد ‏فى أمن المنطقة، لا تستطيع إسرائيل أن تمضى فيه دون موافقة مباشرة وحاسمة من الولايات ‏المتحدة الأمريكية، وبالاتفاق معها على بدائل تحد من تجدد «المخاطر» المباشرة على أمن ‏إسرائيل.‏

لكن فى ظل العنت الإسرائيلى وجرائم جيشها، تجمد مشروع القرن بين الولايات المتحدة ‏وإسرائيل ودول الخليج العربى، وهو المشروع الذى يتيح مرونة أكبر لإسرائيل فى التعامل ‏مع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وهو مشروع ليس الهدف منه «السلام» مع بقية الدول ‏العربية بقدر ما يتيح احتواء أكبر للدول العربية الغنية وربطها بمصالح مباشرة مع ‏إسرائيل، بهدف «إضعاف» القيمة الاستراتيجية لدول الطوق المحيطة بالدولة الصهيونية، ‏خاصة بعد نجاح الغرب فى تفكيك سوريا وتمزيق العراق، وفشله فى مصر، وتوفير «مدد ‏اقتصادى» دائم.‏

ومصر معنية الآن بحماية أهل غزة، وبالدرجة الأولى حماية أمنها القومى، وترى فى ضرب ‏رفح ما يدفع الفلسطينيين إلى الفرار من الموت إلى الحدود المصرية، وهو ما يهدد بنسف ‏معاهدة السلام التى تعتبرها ركنًا قويًا فى الأمن الإقليمى، وهو ما يفسر أسباب إدانة وزارة ‏الخارجية المصرية لاستيلاء إسرائيل على معبر رفح، باعتباره تصعيدًا خطيرًا، كما يفترض ‏أن تكون رفح الفلسطينية منطقة حدودية منزوعة السلاح.‏ ولهذا حاولت إسرائيل أن تبرر عملية الاستيلاء على المعبر، بأنها جاءت ردًا على هجوم ‏حماس على معبر كرم أبوسالم الذى قتل فيه أربعة جنود إسرائيليين، وأنها عملية محدودة ‏للغاية، ضد أهداف محددة ولن تطول المدة، دون أن تقدر المدة التى تقصدها.‏

والسيطرة على معبر رفح يؤدى بالضرورة إلى تأثيرات متعددة..‏

أولاً: تحكم إسرائيل الكامل فى تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة وفى إجلاء المصابين فى ‏حالات حرجة إلى مصر للعلاج، أى هى باتت قادرة على تأزيم الظروف الإنسانية لأهل ‏القطاع أو تحسينها حسبما تريد.‏

ثانيًا: الضغط على حماس فى جولات المفاوضات الحالية بالقاهرة بشأن وقف إطلاق النار، ‏لكى توافق على المقترحات الإسرائيلية، وكانت حماس قد قبلت صيغة لوقف إطلاق النار، ‏وعقد هدنة طويلة نسبية، مقابل تبادل الإفراج عن الأسرى والمعتقلين، وتعهدات دولية بإنهاء ‏الحرب والانسحاب الكامل من غزة وإعادة إعمارها، لكن إسرائيل لم تقبل الصيغة، وطلبت ‏تعديلاً فيها، وأرسلت وفدا إلى مصر لاستكمال المباحثات، لإثبات حسن النية لمصر، وأن ‏سيطرتها على المعبر مؤقتة، لكن دون أن تتخلى عن فكرة الحرب.‏

ثالثًا: لكن الأخطر أن عملية إسرائيل ترفع من التوتر الإقليمى إلى مستويات أعلى مما كان ‏عليه طول الشهور السبعة الأخيرة، لأنها تفتح أبواب تهديدات كثيرة.‏

وهنا لعبت الولايات المتحدة لعبتها التقليدية، حاولت أن تقلل من خطورة العملية الإسرائيلية ‏ووصفتها بأنها عاجلة ومحدودة، وكشفت عن مكالمة هاتفية من جو بادين الرئيس الأمريكى ‏إلى بنيامين نيتانياهو «يضغط» فيها لعدم مضى إسرائيل قدما فى هجوم برى موسع فى رفح ‏دون خطة ذات مصداقية لحماية المدنيين الفلسطينيين.‏

ورد عليه نيتانياهو بأنه طلب من سكان رفح الشرقية هجرة بيوتهم سيرًا، وفعلاً غادر جزء ‏منهم بيوتهم سيرًا على الأقدام أو على البغال أو فى مركبات محملة بالعفش والإمدادات.‏ ويبدو أن بايدن قبل هذا المنطق المعوج، مع أن غارات الطيران الإسرائيلية على ‏رفح لم تتوقف طيلة الأسابيع الماضية، وكثير من الخبراء والمحللين المحايدين يعتبرونها ‏شريكًا مباشرًا فى كل جرائم الحرب التى ارتكبها جيش الإبادة الإسرائيلى، ويبدو أن أمريكا ‏تتعامل مع العالم على أنه «فاقد التمييز»، ولا يستطيع أن يفهم كذبة الخطة ذات المصداقية ‏لحماية المدنيين فى أى هجوم برى، كيف يمكن حماية مليون فلسطينى مكدسين فى 64 ‏كيلومترًا مربعًا برفح، يعنى 15 شخصًا فى كل متر مربع؟، يا ترى كيف يعيش هذا العدد ‏الكبير فى هذه المساحة الضيقة جدا؟!‏

يبدو أن بايدن يتصور أن الفلسطينيين يعيشون فى عالم افتراضى، يمكن ضربه دون قتلهم، ‏وهو تصريح بالقتل لكن بشروط، فإذا لم يلتزم نيتانياهو بالشروط، فيمكن لبايدن أن يغضب ‏ويزعل وخلاص!‏

ولم تتوقف التصريحات الأمريكية عن هذه المعانى، ويبدو أنها تحاول أن تمسك العصا من ‏المنتصف ظاهريًا، حتى توقف حالة التمرد التى بدأت تتوسع نسبيًا داخل المجتمع الأمريكى ‏وخاصة بين الأجيال الجديدة ضد دعم إسرائيل غير المشروط، بينما ما لا يقل عن 38 مليون ‏أمريكى تحت خط الفقر، أى خمسة أضعاف عدد سكان إسرائيل، وهذه واحدة من أسباب ‏الغضب فى الجامعات الأمريكية.‏

أما الاتحاد الأوروبى فكان أكثر وضوحًا وقال جوزيب بوريل مسئول السياسة الخارجية: إن ‏دعوة الجيش الإسرائيلى لإخلاء شرق مدينة رفح غير مقبولة، لكن دون أن يتخذ الاتحاد ‏الأوروبى أى خطوة عملية، تفسر كيفية رفضه لهذا الإخلاء.‏

قطعًا نحن أمام تطور خطير، بنيامين نيتانياهو ومعه مجلس الحرب المتطرف يريد أن يعلن ‏نصرًا مستحيلاً، فيرتكب مزيدًا من جرائم الحرب ويتحكم فى باب المساعدات أمام ‏الفلسطينيين، ومصر عملت حسابات معقدة فى حالة استمرار التصعيد، لكن تظل الكلمة ‏الأخيرة مع الولايات المتحدة التى باتت اتفاقاتها مع دول الخليج غير قابلة للتنفيذ الفورى فى ‏ظل هذه الظروف، وإذا تأكدت من خسارة محتملة لسياساتها، قد تتعدل الأوضاع، ولا يستطيع ‏أحد أن يتنبأ بما يمكن أن يحدث.‏