الإثنين 22 يوليو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

هوامش على حرب غزة إسـرائيل تحكـــم بريطانيا والولايات المتحدة

عاشت «إسرائيل» سنوات طويلة منذ تأسيسها عام 1948 وحتى قبل ذلك وهى تضمن تمامًا ولاء ومساندة ودعم كل من بريطانيا العظمى والولايات المتحدة!



كلتاهما ساندت إسرائيل بالمال والسلاح والتغاضى عن كل إرهاب قامت به إسرائيل ضد الشعب الفلسطينى.

ولم يحدث أبدًا أن قامت مظاهرة واحدة ضد إسرائيل طوال كل هذه السنوات سواء فى أمريكا أو بريطانيا!

وكان آخر ما يخطر على بال «إسرائيل» أن تقوم كل هذه المظاهرات الغاضبة فى الولايات المتحدة الأمريكية ضد حربها البربرية الهمجية ضد «غزة» بدعوى محاربة «حماس»!

كانت إسرائيل وأحزابها وحكومتها واثقة تمامًا أن المواطن الأمريكى «فى جيبها» ومساند وداعم لها فى كل ما تفعله من مجازر، فعلى مدى سنوات طويلة نجحت إسرائيل فى تضليل وخداع المواطن الأمريكى عندما سيطرت تمامًا على كل وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية، ولم تسمح لأى صوت يمكن أن يوجه لها كلمة نقد!

سنوات طويلة وكل من وصل إلى البيت الأبيض من رؤساء أمريكا كان حريصًا كل الحرص على ألا يُغضب إسرائيل ويهود الولايات المتحدة الممسكين بزمام كل الإعلام منذ سنوات بعيدة!

وما فعلته إسرائيل مع الولايات المتحدة سبق أن فعلته مع بريطانيا صاحبة وعد بلفور الشهير «2 نوفمبر سنة 1917» بإنشاء وطن قومى لليهود فى فلسطين، وبَعدها بعام أصبحت فلسطين خاضعة للحكم العسكرى البريطانى، ثم قامت بتعيين «هربرت صموئيل» أول مندوب سامى لها فى فلسطين ليحول وعد بلفور إلى حقيقة واقعة وفتح أبواب الهجرة اليهودية على أوسع نطاق.

والمثير للدهشة أن «ونستون تشرشل» الزعيم البريطانى عندما كان وزيرًا للمستعمرات سنة 1921 قال: إذا صار اليهود أغلبية فى فلسطين فى غضون عدة أعوام؛ فمن الطبيعى أن يتسلموا الحكم فيها!! وهو حدث ينسجم بصورة خاصة مع أصدق مصالح الإمبراطورية البريطانية!

كان هذا ما يردده تشرشل فى الخفاء ولزعماء الصهاينة، لكنه يكذب ويخدع العرب عندما يصرّح فى الكتاب الأبيض أن حكومته لا تفكر فى جعل فلسطين يهودية! بينما كان اليهودى الصهيونى «بن جوريون» يؤكد لمن حوله: إن مقصد وعد بلفور وهدف الانتداب يظلان قصاصات من الورق ما لم نعمل على استحضار اليهود إلى فلسطين وتهيئة الأرض للاستيطان على  نطاق واسع!

وعندما ثار أهل يافا ضد اليهود وهاجموا المستعمرات اليهودية بعد أن فاض بهم الكيل، لم تتردد القوات البريطانية واليهود فى قتل المتظاهرين الفلسطينيين، وزادت ثورة الأهالى ضد اليهود والإنجليز.

ولم يعد هناك شك أن بريطانيا تراوغ وتخدع العرب وأنها تعمل على تأمين أغلبية يهودية فى فلسطين ونفذت تصريح أو وعد بلفور بالحديد والنار؛ بل وصل الأمر إلى أن النائب البريطانى «وليم بيتس» صرّح فى مؤتمر صحفى: لو قامت إسرائيل بالاعتداء على الدول العربية فإن حزب العمال سيكون مسرورًا جدًا!

ويعترف «بن جوريون» قائلاً: إن العرب لا يهتمون بمشاعر البريطانيين نحوهم لأنهم يرغبون فى التخلص منهم، إن هدفهم الرئيسى هو طرد البريطانيين وإنهاء سلطتهم، إذن فبماذا يهتمون؟

لكن اليهود ليس بمقدورهم أن يكونوا غير مكترثين، إن بريطانيا تحمينا وتفكر فينا وعلينا أن نكون فى الصفوف الخلفية؛ بل يجب أن نشكل ميليشيا يهودية للدفاع عن أنفسنا والخروج لتدمير الإرهابيين العرب (يقصد مقاومة الأهالى لأعمال العنف اليهودية)، وهذا ليس بالأمر السهل دون الاتفاق مع بريطانيا ودون معونتها!

والأخطر من ذلك تلك التفاصيل المذهلة التى رواها الدكتور «فلاح خالد على» فى كتابه الوثائقى «فلسطين والانتداب البريطانى 1939- 1948» حيث يكشف عن التواطؤ البريطانى مع الصهاينة فيقول:

«التقت المصالح البريطانية والمصالح الصهيونية، فبالنسبة لبريطانيا وجدت نفسها بحاجة إلى عدد كبير من الرجال ووجدت فى يهود فلسطين أناسًا راغبين؛ بل تواقين لمحاربة ألمانيا النازية، وبالنسبة للصهيونية وجدت أن تجنيد اليهود فى فلسطين فى وحدات عسكرية سيساعد على تكوين نواة جيش يهودى يمكن أن يجابه المقاومة العربية عندما ينادى بالدولة اليهودية!

وزاد تطوع اليهود فى الجيش البريطانى إلى 15 ألف يهودى، وأنشئت مدرسة خاصة سرية لتدريب عصابات الهاجاناه فى إسرائيل وتغاضت بريطانيا عن تهريب الأسلحة من أجل تأسيس الجيش اليهودى.



حرصت بريطانيا أن تطمئن العرب فى كل البيانات والتصريحات التى تصدر عن قادتها على طمأنة العرب على مصير فلسطين، وتصدر الكتاب الأبيض عام 1939 تقول فيه: إن الهدف الذى ترمى إليه هو أن تشكل خلال عشر سنوات حكومة فلسطينية مستقلة ترتبط مع المملكة المتحدة بمعاهدة، ويجب أن تكون هذه دولة يساهم العرب واليهود فى حكومتها على وجه يضمن المصالح الأساسية لكل من الطرفين!

وبمجرد صدور الكتاب الأبيض هاجمت الدوائر الصهيونية بل وأعلنت الحرب على حكومة الانتداب البريطانى فى فلسطين، واعتدت على سكك الحديد وقوارب الشرطة، واحتارت السلطات وفرضت منع التجول وباتت تنتظر التعليمات من لندن!!

فى ذلك الوقت كان يهود وصهاينة فلسطين قد أنشأوا بعض إذاعات محلية تبث بياناتهم، وتفاصيل العمليات الإرهابية التى يقومون بها لترويع أهالى فلسطين، وكانت «صوت إسرائيل» هى أول محطة إذاعة لحركة المقاومة اليهودية وتعمل تحت إدارة الوكالة اليهودية!

وتزايدت موجات المطالبة بتأليف الجيش اليهودى ليس فى بريطانيا وفلسطين فحسب بل فى الأوساط الأمريكية أيضًا، وتألفت لجنة «أنجلو أمريكية»، من أجل تأسيس الجيش اليهودى الذى سيحارب لبقاء اليهود، وفى سبتمبر 1944أعلنت وزارة الحربية البريطانية أن الحكومة قررت الاستجابة إلى مطالب الوكالة اليهودية لتشكيل لواء يهودى،  وكان الشعور السائد بين أعضاء الوزارة البريطانية أنهم لم يعودوا يفكرون فى إنشاء دولة فلسطينية موحدة حسب ما جاء فى الكتاب الأبيض!!

ويعترف الزعيم الصهيونى «وايزمان» فى مذكراته: كان هناك اتفاق سرّى بموجبه تسلمنا بريطانيا فلسطين خالية من العرب عام 1934 لكن ذلك كان مستحيلاً لأن اليهود كانوا أقلية لا تتجاوز نسبتهم ٪7  بالنسبة لعدد السكان، وهيأت حكومة الانتداب كل التسهيلات لهجرة يهودية واسعة والإقامة فى فلسطين والحصول على جنسيتها!

ومن دون مواربة يعلن «تشرشل» وزير المستعمرات البريطانى وقتها أن قيام دولة يهودية على ضفاف نهر الأردن تضم أربعة أو خمسة ملايين من اليهود سيكون فى مصلحة الإمبراطورية البريطانية!

ولم تتوقف عمليات العنف والإرهاب الصهيونى لحظة واحدة فى فلسطين سواء ضد سكان فلسطين أو قوات الانتداب البريطانى، وزادت عمليات اغتيال الضباط الإنجليز حتى وصل إلى اغتيال اللورد «موين» نفسه وزير الدولة البريطانى فى 6 نوفمبر 1944.



وقرّر قادة الصهيونية أن تتحول أنظارهم إلى أمريكا؛ فهى القوة الجديدة الصاعدة بعد الحرب العالمية الثانية، وانحسار قوة الإمبراطورية العظمى، ولعب الدور الأكبر فى ذلك المنظمة الصهيونية العالمية وغيرها.. وبدأ التغلغل المحسوب والمدروس فى أوساط المجتمع وأجهزة الإعلام، وتم تزويد الصحافة الأمريكية بمئات المقالات والبيانات الصهيونية لنشرها، وبلغ عدد المشتركين فى الصحف الصادرة باللغة العبرية نحو 425 ألف عائلة، أى ما يعادل ثلث عدد اليهود الأمريكيين.. إلخ.

ويرصد المفكر والسياسى البارز الدكتور «محمد حسين هيكل باشا» فى كتابه «مذكرات فى السياسة المصرية» بعض هذه الملامح التى لمسها وعاشها بنفسه عندما شارك فى الوفد المصرى الذى سافر إلى نيويورك لحضور اجتماعات بمجلس الأمن فيقول: ركبت البحر إلى نيويورك وألفت الجمعية العامة فى الجلسة الأولى لجنة خاصة لبحث مسألة فلسطين، وبدأ الصهيونيون ينظمون دعايتهم فى صحف أمريكا وفى الجمعية العامة للأمم المتحدة ولم يكن تنظيم هذه الدعاية عسيرًا عليهم، فاليهود فى أمريكا يملكون كل أسباب الدعاية، هم أصحاب الصحف الكبرى وأصحاب محطات الإذاعة الأمريكية المختلفة وأصحاب دور السينما، وهم المتحكمون فى سوق المال الأمريكية أكثر من تحكمهم فى سوق المال البريطانية، وهم إلى ذلك ذوو نفوذ ضخم فى انتخابات رئاسة الجمهورية الأمريكية، فهم الثلث من سكان ولاية نيويورك ولهذه الولاية الكبيرة عدد من الأصوات فى انتخابات الرئاسة ما يحسب كل مرشح حسابه!

لهذا قيل إن انحياز الرئيس «ترومان» إلى اليهود فى تقسيم فلسطين قد كان مرجعه إلى أن انتخابات الرئاسة كانت ستقع فى سنة 1948 أى بعد أقل من عام أو أقل من نظر الجمعية العامة تقرير التقسيم وأنه أراد لذلك أن يكفل أصوات اليهود فى نيويورك بانحيازه إليهم فى مسألة فلسطين!

ولم يقف نشاط اليهود فى حدود نيويورك وصحافتها، ذهبت يومًا إلى واشنطن ونزلت فندق «شورهام» فإذا بى أرى جموعًا غفيرة تزحم ردهاته فسألت: مَن هؤلاء؟ فقيل لى إنهم اليهود يعقدون بالعاصمة الأمريكية مؤتمرًا للدعاية لدولتهم فى فلسطين، وقد استمر المؤتمر ثلاثة أيام جمعت فى أثنائها مبالغ ضخمة لإنفاقها للدعاية للدولة اليهودية وإنشائها فى فلسطين!

ولم يكن مؤتمر واشنطن هذا إلا واحدًا من اجتماعات متوالية تعقد فى البلاد الكبيرة التى يكثر فيها اليهود، وكانت تنتهى بجمع الأموال للدعاية ولغير الدعاية!

باقى جوانب الصورة لما كان يجرى روى بعض منها الأستاذ «محمد حسنين هيكل» فى كتابه «أزمة العروش» صدمة الجيوش «قراءة متصلة فى يوميات الحرب فلسطين 1948»، قال فيه:

أتذكر تجربة شخصية عشتها بنفسى سنة 1946 قبل صدور قرار التقسيم؛ فقد تصادف وجودى فى القدس فى أول مهمة خارجية ذهبت إليها مرسلاً لأخبار اليوم مع زيارة قام بها الدكتور «محمد حسين هيكل باشا» زعيم حزب الأحرار الدستوريين، وحين عرفت أن «هيكل» باشا موجود فى فلسطين؛ فقد بادرت للاتصال به، وكان كعادته كريمًا وحفيًا، وقد تفضل ووجه إليّ دعوة لمرافقته فى بعض أوجُه النشاط التى ينوى القيام بها.

وقد صحبته فى لقاءات عربية وحفلات تكريم أقامتها له هيئات شعبية وأدبية وحوار فكرى طويل رتبه له الدكتور «يوسف هيكل» رئيس بلدية «يافا» فى ذلك الوقت!

وعلى جانب آخر؛ فقد كانت لدى «هيكل» باشا ارتباطات مع الطرف اليهودى فى فلسطين، وقد رتب المعنيون بالأمر وقتها- من هذا الطرف- برنامج زيارات للضيف المصرى الكبير، واللافت أنه كان بينها زيارة إلى الجامعة العبرية وزيارة إلى مستشفى هداسا وزيارة إلى معهد «التختيون» وزيارة إلى مستعمرة «بتاح تكفا» وقد زرتها جميعًا فى صحبته!

وأتذكر تعليقًا لهيكل باشا دونته فى أوراقى بعد هذه التجربة المبكرة فى فلسطين فإن هيكل باشا قال وسط تقييم مستفيض:

- ها أنت رأيت الفارق بين الشرق والغرب.. إخواننا العرب أكرموا حواسنا ودعونا معهم إلى غداء وعَشاء وسهر وسمر طويلين، وأمّا الآخرون فقد توجهوا إلى عقولنا.

ويكمل الأستاذ «هيكل» قائلا: وعلى أى حال فقد كان بين الشخصيات التى رأيتها تقابل «هيكل» باشا تلك الأيام أقطاب الوكالة اليهودية وبينهم «دافيد بن جوريون» و«موشى شرنوك» و«إلياهو ساسون»!!

وأتوقف هنا لأعود إلى الوراء قليلا؛ حيث كانت للأستاذ «هيكل» قصة ذات دلالة وقد رواها فى مجلة آخر ساعة - مايو 1953 - وكان رئيسًا لتحريرها وكتب سلسلة تحقيقات بعنوان «حرب فلسطين لأول مرة بلا رقابة» بمناسبة مرور خمس سنوات على تلك الحرب.

كتب الأستاذ هيكل: «لقد عشت حرب فلسطين قبل أن تبدأ هذه الحرب رسميًا، عشت هذه الحرب ذات يوم من أيام شهر مارس 1948 وكنت قد حملت حقائبى وذهبت إليها أبحث عن الحقيقة، وكنت قد سعيت عن طريق بعض المراسلين الأجانب فى فلسطين كى ألتقى ببعض قادة الوكالة اليهودية وكانوا وقتها هم النواة لحكومة إسرائيل، وكنت قد قابلت بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل اليوم.

ثم عاد هؤلاء المراسلون ورتبوا لى موعدًا مع «ساسون» الذى كان وقتها سكرتيرًا شرفيًا للوكالة اليهودية.

وقال لى «ساسون»: إن الجيش المصرى سوف يدخل حربًا رسمية!

وهززت رأسى وقلت له: لا أعرف!

وقال «ساسون»: سوف يضحك الإنجليز عليكم وسوف يقدمون لكم كل إغراء لتدخلوا ثم ينصبون لكم فخًا، إنهم لا يريدون جيشكم هذا الذى تدعون به القدرة على ملء الفراغ فى قناة السويس!

ثم مضى «ساسون»: هل تراهن بعشرة جنيهات؟

قلت: قبلت الرهان!

ويمضى «هيكل» قائلاً: وقد التقيت بساسون بعد ذلك فى باريس فى شهر سبتمبر 1948 وكانت الحرب قد بدأت فعلاً، والهدنة قد فرضت وفى مجلس الأمن مناقشات حول الهدنة وظروف الاعتداء عليها.

ووجدت «ساسون» فجأة أمام قاعة اجتماع اللجنة السياسية فى قصر «شايو» يقول لى: هل رأيت.. ألا تريد أن تدفع الرهان؟

وبعدها فى شهر فبراير فى استنبول وفى مطعم عبدالله المشهور، وكان «ساسون» قد عيّن سفيرًا لإسرائيل فى تركيا، أقبل أحد خدم المطعم يحمل لى ورقة صغيرة كتب عليها: ألا تريد أن تدفع رهانك؟

وقد قال لى الخادم أن السيد الجالس هناك بعث إليك بها!

ورفعت رأسى فى الاتجاه الذى أشار إليه ووجدت ساسون بنفسه ينظر إليّ ويبتسم!».



ولا تزال فلسطين تنتظر حلاً.. ولا تزال إسرائيل تعربد وتدمر، كنا نحلم بتحرير فلسطين كاملة، فأصبحنا نحلم بتحرير غزة من محتليها!!