
هاني لبيب
مصر أولا.. الخط الفاصل.. تلقين وتبعية أم مشاركة وحشد وتلاحم.. عيد الشرطة المصرية.. بين 25 يناير و30 يونيو!
رغم مرور 12 عامًا على أحداث 25 يناير 2011 و10 سنوات على ثورة 30 يونيو العظيمة.. لايزال البعض يحاول عقد مقارنات قصرية بينهما.. فى محاولة لاستغلال التحديات الاقتصادية التى نعانيها لترجيح كفة 25 يناير دون تناول تداعياتها وآثارها السلبية على حياتنا بالكامل.
سيظل 25 يناير هو عيد الشرطة المصرية فى الذاكرة الوطنية المصرية. ودون التهوين من أى تجاوزات.. فقد استطاعت وزارة الداخلية المصرية القيام بمراجعة شاملة سواء فى إعادة صياغة علاقة رجل الشرطة بالمواطن المصرى، أو بإعادة النظر فى جميع مجالات عملها وأدواتها. وهى مسيرة طويلة من الإنجازات والطموحات والتمنيات.. تم تحقيق بعضها ولا يزال البعض الآخر فى طور التنفيذ. بدأت الوزارة مسيرة التغيير والتحديث ولا تزال.
تاريخ..
نجح القائمون على الإعداد والتنظيم لأحداث 25 يناير 2011 على استهداف تدريجى لوزارة الداخلية.. وتم استثمار الإطار الذى يحكم علاقة رجل الشرطة بالمواطن المصرى.. بشكل موجه لترسيخ صورة محددة.. تم توظيفها لصالح سحب رصيد الثقة بينهما، ونجحوا فى تصدير ذلك إعلاميًا على القنوات الفضائية ومن قبلها على السوشيال ميديا. وأذكر هنا الحملات الكثيفة المنظمة بعد تفجير كنيسة القديسين مارمرقص الرسول والبابا بطرس خاتم الشهداء بالإسكندرية فى صباح يوم 1 يناير 2011، حيث قتل 20 مواطنًا مسيحيًا مصريًا أثناء خروجهم من الكنيسة.. باتهام اللواء حبيب العادلى (وزير الداخلية الأسبق) بالتخطيط لهذا التفجير.. استكمالًا لمخطط التشويه وفقد الثقة بين وزارة الداخلية والمجتمع المصرى.
تكرر الأمر بعد أحداث 25 يناير 2011 حينما قامت جماعة الإخوان الإرهابية مع بعض الحركات الاحتجاجية بنشر الشائعات وترسيخها فى العقل الجمعى الشعبى باعتبارها حقائق لكسب التعاطف من جهة، وتأجيج مناخ الفوضى من جهة أخرى. وقد اجتهد القائمون على أحداث 25 يناير 2011 كثيرًا لتشويه وزارة الداخلية تحديدًا، وتخصيص تمويلات ضخمة لتحقيق هذا الهدف، ويمكن تحديد تلك الصورة من خلال التركيز المستمر على التجاوزات الفردية لبعض رجال الشرطة باعتبارها سياسة وزارة الداخلية ضد المواطن المصرى، وتضخيم الأمر.. سواء بنشر معلومات مغلوطة وغير دقيقة، أو بالضغط على الوجدان الشعبى بالحديث عن قضايا التعذيب، دون تقديم دليل رسمى وقانونى عليها. فضلًا عن المحاولات المستمرة فى تصوير رجال الشرطة وكأنهم ليسوا من أبناء هذا المجتمع بسلبياته وإيجابياته، وبقيمه ومبادئه.
تحملت وزارة الداخلية بعد أحداث 25 يناير 2011 النصيب الأكبر من خسائر مرحلة الفوضى ومحاولة إسقاط الدولة. ولكن لأنه فى نهاية الأمر هى وزارة تمثل صمام الأمان للمجتمع.. قامت وزارة الداخلية بإعادة تقييم دورها من خلال جهود ضخمة مستمرة.. أسفرت عن تطوير مناهج كلية الشرطة، وتطوير دور الشرطة فى المجتمع اتساقًا مع شعار «الشرطة فى خدمة الشعب»، وتطوير أدوات الشرطة فى مواجهة الإرهاب ومكافحة جرائم الفوضى، وتيسير تقديم الخدمات الإلكترونية لإصدار الأوراق الرسمية. والملاحظ أن هناك قاعدة تنفذ بتفعيل القانون ورصد جميع التجاوزات التى يثبت ارتكاب بعض أفراد جهاز الشرطة لها وتحويلهم للنيابة واتخاذ عقوبات رادعة والتى يترتب عليها حبس بعضهم وإحالة البعض الآخر إلى التقاعد.
ظهرت الحقيقة بالكامل تدريجيًا.. بعد ثورة 30 يونيو 2013 حتى استطاع المجتمع المصرى.. كشف حقيقة ما حدث معلوماتيًا للمنفذين والمخططين والممولين. ولذا لن يتبقى لهم سوى إحداث انقسام افتراضى كل عام بالحديث عن 25 يناير و30 يونيو فى مقارنة لإثبات كون 25 يناير ثورة أم لا.
مقارنة..
أعتقد تمامًا أن المقارنة بين أحداث 25 يناير وثورة 30 يونيو.. هى مقارنة غير متكافئة لعدة أسباب، منها:
1 – فى 25 يناير 2011، استغل البعض فيها أخطاء بعض رجال وزارة الداخلية وتوجهاتهم لإسقاط الدولة المصرية. أما فى ثورة 30 يونيو 2013، فاستعاد الإنسان المصرى كرامته باحترام وتقدير من وزارة الداخلية قبل غيرها.. بعد أن انحازت مع القوات المسلحة المصرية لصالح بقاء الدولة المصرية متماسكة.
2 - فى 25 يناير 2011 شاهد غالبية الشعب أحداثها على شاشات القنوات الفضائية الموجهة.. كمتلقين وتابعين لما يبث، وليسوا مشاركين فى صناعتها. بينما فى ثورة 30 يونيو نزلت المرأة المصرية الشارع، ونزل كبار السن، وقادها الشباب والرجال فى حشد وتلاحم واتفاق.. لم يشهد الشارع المصرى مثله من قبل.
3 – أحداث 25 يناير 2011 تم تضخيمها.. بشكل يوحى وكأن الشعب المصرى كله فى الشارع.. وهو ما ثبت أنه مجرد إيحاء افتراضى.. رغم كونها لم تخرج بعيدًا عن حدود ميدان التحرير. بينما كانت ثورة 30 يونيو العظيمة فى جميع أنحاء القاهرة.. وهو ما شهده العالم أجمع من خلال القنوات التليفزيونية العالمية، وذلك بخلاف ما حدث فى المحافظات.
4 – استهدفت أحداث 25 يناير 2011 إسقاط وزارة الداخلية وبعدها إسقاط الدولة المصرية. بينما استهدفت ثورة 30 يونيو 2013 رحيل مندوب جماعة الإخوان الإرهابية فى رئاسة الجمهورية، والحفاظ على وحدة الدولة المصرية وتماسكها.
مساحات تبدو مشتركة..
1 - ظاهريًا، طالبت أحداث 25 يناير 2011 بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية.. وحقيقتها كانت الاستحواذ على الدولة المصرية والسيطرة على مفاصلها التنفيذية. بينما طالبت ثورة 30 يونيو 2013 بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية مع الأمان والمستقبل لبناء الجمهورية الجديدة.. فتحولت لأضخم تظاهرة شعبية فى تاريخ مصر الحديث.
2 - توهموا أن أحداث 25 يناير 2011 هى بداية لدولة جديدة، وبالفعل كانت بداية لدولة الفاشية الدينية. بينما كانت ثورة 30 يونيو 2013 بداية حقيقية لدولة المواطنة والدولة المدنية المصرية.
3 - يرى البعض أن أحداث 25 يناير 2011 هى الأساس، وأنه لولاها لما قامت ثورة 30 يونيو 2013، وهذا حقهم. ولكن من جانب آخر أعتقد أنها كانت أساسًا وهميًا وافتراضًا فاسدًا. ولذا بعد ثورة 30 يونيو.. بدأت الجمهورية الثانية التى تم بناء مصر فيها بشكل حقيقى مستقبلى.. لا علاقة له بالمراحل السياسية السابقة، ولا مجال للمقارنة.
مساحات مختلفة..
1 – أحداث 25 يناير 2011 تم فيها خطف مصر بشكل مخطط له.. بعيدًا عن إرادة الشعب المصرى. بينما ثورة 30 يونيو 2013 تعود ملكيتها الحصرية للشعب المصرى الذى قادها ووجهها، وهو وحده صاحب ملكيتها الفكرية والسياسية.
2 - ربما تكون السوشيال ميديا هى المؤشر لانطباعات البعض حول ما يحدث فى مصر، سواء بالاتفاق والاختلاف، أو بالتهوين والتهويل والتضخيم فى ردود الأفعال.. غير أنه فى كل الأحوال، تظل هذه الانطباعات تعبيرًا عن آراء البعض، وليس الكل. كما أن الدول فى نهاية الأمر لا تخضع للفيس بوك ولا تدار بـ«بوستاته» و«لايكاته» ولن تخضع له كما حدث فى 25 يناير 2011.
أمنيات..
1 – المعارضة السياسية الوطنية حق المواطن على النظام السياسى.. بشرط أن نعترض دون أن نخرب بلادنا ونسقطها فى براثن الصراعات الوهمية. ولكن فى سبيل الوصول لذلك علينا تقديم بدائل وحلول أفضل. الاختلاف والاعتراض على سياسات الدولة باعتباره من المحظورات والمحرمات، والترويج لذلك هو فكرة فاسدة لمحاولة تصدير الأمر باعتباره رفضًا للرأى المعارض، المرفوض هو الفوضى السياسية والحوارات السفسطائية الجدلية التى تثير الانقسام دون أى فائدة سياسية حقيقية.
2 – يردد البعض أن «التاريخ يكتبه المنتصرون» و«التاريخ يكتبه الأقوياء» و«التاريخ يصنعه العظماء».. ولكنى لا زلت أعتقد أنه مهما حاول هذا أو ذاك صياغة الأحداث التاريخية المهمة بشكل موجه لغرض محدد سواء بالتشويه أو الحذف أو التعديل والإضافة، فإن الحقيقة ستتضح وتظهر ولو بعد حين، لأنه ببساطة لا يمكن إخفاء الحقائق التاريخية والأحداث سوى لبعض الوقت وليس طيلة الوقت.
نقطة ومن أول السطر..
ستظل 25 يناير 2011 مجرد أحداث سوداء مرت على الدولة المصرية و30 يونيو 2013 ثورة استعادت قيمة الإنسان المصرى وكرامته ومكانته. وفى اعتقادى أن 25 يناير هو عيد الشرطة المصرية الحقيقى فى مواجهة أحداث 25 يناير التى نتج عنها سيناريو الفوضى.. تلك الفوضى التى استطاعت ثورة 30 يونيو أن تواجهها بالخروج من مستنقع انهيار الدولة المصرية.
ومن له أذنان للسمع.. فليسمع ويفهم ويوثق، ثم يراجع ويقيم، وبعد ذلك.. يوافق أو يعارض.