الثلاثاء 16 أبريل 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

صاحبة الجلالة.. فاطمة اليوسف

«سيداتى، سادتى، أقدم لكم السيدة فاطمة اليوسف التى عرفتموها  دائمًا باسم روزاليوسف، أقدمها لكم وقد ملأت أسماعكم على مدى ثلاثين عامًا، أقدمها لكم وقد أعجبتم بها كفنانة اعتلت خشبة المسرح، وصعدت سلمه فى خطى ثابتة، حتى أصبحت كبيرة فنانات الشرق فى العصر الذهبى للمسرح. أقدمها لكم وقد أعجبتم بها كصحفية أخرجت للعالم العربى جريدة باسمها كانت نواة النهضة الصحفية العربية ولا تزال حتى اليوم، مدرسة يتخرج فيها كل كاتب وصحفى ناجح، وأقدمها لكم كسياسية، درست السياسة العربية وجاهدت وقاست مع كل وطنى حرّ يعمل على رفعة شأن بلاده».



 

بهذه العبارات قدم الكاتب إحسان عبدالقدوس فى برنامج إذاعى له عام 1957 تلك السيدة التى كان وجودها حدثًا استثنائيًا فى الحياة الاجتماعية المصرية حينها؛ بل على مدار عقود كان اسم «روزاليوسف» وحده يعنى «المعركة» فهى أول الصحف المصرية بل العربية التى اختارت أن تسبح خارج التيار وأن تنشئ مدرستها المتفردة فى فن الصحافة.. مدرسة تقوم على الاشتباك.. حرية القلم.. الإبداع.. فهى بطاقة التعارف الأقوى لكل صاحب قلم وكلمة.. وكانت «الست فاطمة» كما كان تُدعى، هى أول من فتح باب الإبداع الحر أمام أجيال من أصحاب الكلمة، فـ«روزاليوسف» كانت ولا تزال «ختم الجودة» لكل صحفى اختار أن يكافح لتعتلى كلمة الحق فوق أى منبر وفوق سماء الحريات.

طريق متشابك

فاطمة محيى الدين اليوسف، الشهيرة بفاطمة اليوسف ولدت فى لبنان عام1897 لأب من أصول سورية وأم توفيت بعد ولاتها، ترك الاب ابنته عقب ولادتها فى رعاية أسرة مسيحية كانت تدللها باسم روز. وعندما انقطعت أخبار الأب تبنت العائلة الطفلة الصغيرة وأخفت عنها حقيقة عائلتها. غير أنها علمت بالحقيقة عندما أكملت عامها العاشر بأنها مسلمة وليست مسيحية وأن اسمها هو فاطمة وليس روز. فوافقت روز ظاهريًا على السفر مع صديق العائلة.

وفى الإسكندرية  كانت  بداية  الفنانة  «روزاليوسف» حيث سافرت مع عائلتها بالتبنى الى مدينة الفن العربى وقتها، واختارت أن تستقر فيها، اكتشفها الفنان عزيز عيد، وهو الذى أخذ بيدها فى دنيا الفن وبدأت العمل ككومبارس حتى سنحت لها الفرصة واختارها عزيز عيد لدور سيدة عجوز رفضته كل ممثلات الفرقة. وقد أدت دورها بعبقرية لاقت استحسانًا كبيرًا من الجمهور.

لُقِّبت «روزاليوسف» بلقب «سارة برنار الشرق»، الفنانة الفرنسية الشهيرة، لكنها اعتزلت الفن بعد تدهور حال المسرح، ووفق أقوال الست فاطمة «إن الفنان يجب أن يترك المسرح قبل أن يتركه المسرح».

وفى أحد أيام شهر أغسطس عام 1925 كانت فاطمة اليوسف تجلس فى وسط مدينة القاهرة بمحل حلوانى يُدعى «كسَّاب»، وتتحدث مع بعض أصدقائها عن حال الفن، وتطرق الحديث إلى حاجة السوق الصحفية إلى صحافة فنية محترمة، وفجأة لمعت فى رأسها فكرة، توقفت عندها بُرهة، ثم قالت لأصدقائها: لماذا لا أُصدر مجلة فنية؟ واتخذت القرار، وخلال أسبوع واحد فقط حصلت على الترخيص.

اختارت اسم شهرتها «روزاليوسف» عنوانًا للمجلة وكان محمد التابعى أول أصدقائها الذى تولى رئاسة تحرير المجلة «الفنية» حينها، وقد قالت «روزاليوسف» إنها مستعدة لبيع كل ما عندها من أجل تدبير مبلغ 12 جنيهًا التى يتكلفها إصدار مجلة فى 3000 نسخة، وهكذا كان.. وصدرت «روزاليوسف» التى ظلت مجلة فنية لقرابة العامين أو أكثر ثم اتجهت إلى معترك الحياة السياسية واختارت فى البداية تأييد حزب الوفد غير أن تأييدها للحزب كان محدودًا وناقدًا، وهكذا سرعان ما وجدت السيدة نفسها تخوض أعنف المعارك ضد ورثة سعد زغلول فى ذلك الحزب، لا سيما منهم مصطفى النحاس ومكرم عبيد. وهنا انفتحت معركة الوفد ضد «روزاليوسف»، لكن السيدة لم تكن وحدها، إذ وقف إلى جانبها عباس محمود العقاد ومحمود عزمى اللذان راحا يكتبان المقالات العنيفة ضد الوفد وحكومته، فما كان من الوفد إلا أن جمع أنصاره وهاجم مبنى المجلة حيث راح المتظاهرون يقذفون المبنى بالحجارة، فما كان من فاطمة اليوسف إلا أن جابهت الجمهور شارحة وجهة نظرها فى أسلوب ممارسة مصطفى النحاس للحكم.

لكن إن كانت السيدة قد انتصرت فى تلك اللحظة، فسرعان ما خسرت على المدى الأبعد، حيث أدت مقاطعة الوفد والحكومة لها إلى خسائر مالية ضخمة أوردتها مورد الإفلاس فأودعت السجن، لكنها خرجت منه أكثر تصميمًا وراحت تخوض معركتها الصحفية والسياسية، ضد الوفد والإنجليز والقصر.. وهنا كان أول طريق المعارك السياسية أمام «الست فاطمة».

 الحرب والكلمة

بعد أزمة الوفد خاضت فاطمة اليوسف العديد من المعارك السياسية على صفحات مجلتها التى تحولت الى منبر للسياسة العربية فى عام 1927، وكان أبرز معاركها الصحفية عام 1930 عندما تم تعطيل الدستور دافعت «روزاليوسف»،  بالكلمة  والرسم  عن  الشرعية، وهو ما استفز رئيس الوزراء محمد محمود باشا،  فصادر المجلة، وبعدها - فى حكومة إسماعيل صدقى - عندما ألغى دستور 1923 - كانت المجلة أقوى المدافعين عنه، وهو ما دعا صدقى باشا لإلغاء ترخيصها.

لم تستسلم  فاطمة  اليوسف  لكل تلك الملاحقات والمصادرات فكانت تسارع للحصول على ترخيص لمجلات بأسماء مختلفة، وبحسب الكاتب الصحفى، شفيق أحمد على، فإنها فى تلك الفترة أصدرت ثلاث مجلات وهى: الرقيب (وقد ألغت الحكومة رخصتها بعد 4 شهور فقط) ومجلة «صوت الحق» (وقد صودرت بعد العدد الأول) ثم مجلة «مصر الحرة» (ولحقت بأخواتها سريعا أيضا) وكانت فاطمة اليوسف - بتأمل أسماء ما أصدرته من مجلات - تعتبر أنها فى مهمة وطنية، أو ما أسمته «شرف الجهاد والدفاع عن قضية مصر».

 السجن طريق رؤساء التحرير

بعد سنوات من المعارك السياسية دخل الكاتب الشاب إحسان عبد القدوس معترك والدته، وبدأت كتاباته تتسم بطابع «معارك روزا» ففى عام 1945 نشرت مجلة «روزاليوسف» مقالًا للصحفى الشاب إحسان عبدالقدوس يهاجم فيه السفير البريطانى بعنوان: «الرجل الذى يجب أن يذهب».

وجاء فى التفاصيل، وفق ما نقله الكاتب محمد توفيق: «من حق إنجلترا أن تتمسك بفخامة اللورد «كيلرن» سفيرًا لها فى مصر، ولكن من حق مصر أيضًا أن تطالب بسحبه من منصبه، وإبداله بغيره، فقد فشل فى مهمته كسفير لبلده لدى بلد آخر مستقل له سيادة».

وواصل إحسان حديثه عن السفير البريطانى قائلًا: «أعطى لنفسه حقوقًا فاقت حقوق المندوب السامى فى بلد مستعمر؛ فالرجل الذى اقتحم قصر عابدين على رأس فرقة من الدبابات ليس سفيرًا، ولا مندوبًا ساميًا، إنما هو قائد جيش معتدٍ».

وقبل أن يخرج عدد مجلة «روزاليوسف» الذى يحوى هذا المقال، صدر قرار من رئيس الحكومة محمود فهمى النقراشى بمصادرته، لأنه يتضمن «عيبًا فى سعادة سفير بريطانيا»، ولم يتم الاكتفاء بمصادرة العدد، لكن صدر قرار بالقبض على إحسان عبدالقدوس، ووضعه فى السجن بدعوى أن المقال تسبب فى إفساد العلاقات بين مصر وبريطانيا.

ومرت شهور، وخرج إحسان من السجن، وقالت له والدته: «إن كل رؤساء تحرير الصحف قد تعرضوا للسجن، وما دمت قد سُجنت، فإنك بذلك تكون قد قدمت أوراق اعتمادك لرئاسة التحرير».

وفى ذات اليوم وقعت فاطمة اليوسف قرار تعيين إحسان عبدالقدوس لرئاسة تحرير المجلة السياسية الأولى فى العالم العربى  ولم يكن قد أتم عامه السابع والعشرين.

 حرية الخلاف

استمرت معارك «روزاليوسف» تحت رئاسة تحرير إحسان عبدالقدوس وقيادة الست فاطمه حتى قيام ثورة 23 يوليو، رغم وقوف جميع الكتاب فى المجلة وراء الثورة؛ فإن قلم فاطمة اليوسف لم يغض الطرف عن أخطاء الثورة وقيادة الزعيم جمال عبدالناصر، ولم تلتفت إلى أن عبدالناصر كان من أقرب أصدقاء ابنها إحسان، بل كتبت خطابًا عنيفًا إلى عبدالناصر قالت فيه: «إنك بحاجة إلى الخِلاف تمامًا كحاجتك إلى الاتحاد، إن كل مجتمع سليم يقوم على هذين العنصرين معًا، ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وأنت تؤمن بهذا كله لا شك فى ذلك، وقد قرأتُ لك غير بعيد حديثًا تطالب فيه بالنقد، وبالآراء الحرة النزيهة، ولو خالفَتْك، ولكن أتعتقد أن الرأى يمكن أن يكون حُرًا حقًا وعلى الفكر قيود؟».

وواصلت فاطمة حديثها قائلة: «لا تُصدق ما يقال من أن الحرية شىء يباح فى وقت، ولا يباح فى وقت آخر، فإنها الرئة الوحيدة التى يتنفس بها المجتمع ويعيش، والإنسان لا يتنفس فى وقت دون آخر، إنه يتنفس حين يأكل، وحين ينام، وحين يحارب أيضًا».

لم يتحمس إحسان لإرسال هذا الخطاب إلى صديقه جمال، لكن فاطمة أرسلته، وقرأه جمال عبدالناصر، وقرّر أن يردَّ عليها بخطاب آخر جاء فيه: «أنا بطبعى أكره كل قيد على الحرية، وأمقت بإحساسى كل حدٍّ على الفكر على أن تكون الحرية للبناء، وليست للهدم، وعلى أن يكون الفكر خالصًا لوجه الوطن، وأنا لا أخشى من إطلاق الحريات، وإنما أخشى أن تصبح الحرية تُباع وتُشترى كما كانت قبيل 23 يوليو سلعًا تُباع وتُشترى.. ومع ذلك فأين الحرية التى قيّدناها؟».

ونُشر خطاب الزعيم جمال عبدالناصر بتوقيعه على صفحات مجلة روزاليوسف.

ورغم أن إحسان لم يتحمّس لخطاب والدته، وكان يرى أن الثورة ما زالت فى بدايتها، وتحتاج إلى الدعم، لكن فى العام التالى أدرك إحسان أن والدته كانت على حق، حين رأى تغيرًا فى مسار الحُكم فكتب مقالًا بعنوان «الجمعية السرية التى تحكم مصر».

وانتظر رئيس تحرير المجلة أن يآتى إليه الرد لينشره على صفحات «روزاليوسف»؛ ولكن جاءه الرد عبر سيارة تحمل بعض الجنود الذين قادوه ليدخل السجن للمرة الثانية، ولم تبكِ الأم على ابنها بقدر ما دعمته، وأخبرته أن هذه هى «ضريبة الكلمة الحرة»