الثلاثاء 5 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
مصر أولا.. الحوار الوطنى واستعادة الهوية المصرية.. تحدى مواجهة 50 عامًا من تديين المجال العام وتطييف المجتمع وسلفنته دينيًا

مصر أولا.. الحوار الوطنى واستعادة الهوية المصرية.. تحدى مواجهة 50 عامًا من تديين المجال العام وتطييف المجتمع وسلفنته دينيًا

فى اعتقادى، أن نتائج الحوار الوطنى وتوصياته العملية من شأنها أن تمثل مَرحلة مرجعية فى إعادة صياغة الوعى الوطنى للعقل الجمعى المصرى وترسيخ قواعد الدولة المدنية المصرية وثوابتها.. بعيدًا عن سيطرة الأفكار المتشددة والمتطرفة التى ترسّخت على مَدار سنوات طويلة، وهى الأفكارُ التى لا نزال نعانى منها إلى الآن، والتى لم تتم مواجهتها فكريًا وسياسيًا ووطنيًا.. بالقدر الذى يجب أن يكون. ولذا أكتب ثانية عن أهمية تناوُل ارتباط الإصلاح السياسى بالإصلاح الفكرى. 



تؤكد هذه المرحلة- كما كتبتُ على صفحات مجلة «روزاليوسف» فى 21 مايو 2022- أنها مَرحلة التركيز على الإصلاح السياسى؛ لأنه بَعد مرور أكثر من 12 عامًا على أحداث 25 يناير.. لا نزال نعانى من حالة التجريف الفكرى، التى تمّت تدريجيًا على مدار أكثر من نصف قرن مضت. وهو الأمْرُ الذى نتج عنه عدم وجود نخبة سياسية وثقافية وإعلامية واجتماعية وفنية حقيقية. وهو حُكم ليس على الإطلاق.. فلا تزال هناك فئة قليلة نادرة وباقية من أصحاب الكفاءة والاقتدار والخبرة.

لقد بدأتْ مسيرة الإصلاح مع ثورة 30 يونيو العظيمة، التى كانت بمثابة انطلاق تأسيس الدولة المدنية المصرية.. ولذا من الطبيعى أن يكون التركيز خلال الفترة المقبلة على الوعى الفكرى ونفاذ القانون والعدالة الناجزة والمساواة المرتكزة على قيم المواطنة.

رصدت خلال الفترة الماضية العديد من الأزمات والتحديات المختلفة، التى تمثل فى الحقيقية مدَى تأثير أزمة الوعى فى المجتمع المصرى من جهة، ومدى حاجتنا فائقة الأهمية للإصلاح الفكرى من جهة أخرى.

التعدد 

ما أثير مؤخرًا على مسألة تعدد الزوجات، وبعيدًا عن المرجعية الدينية لهذا الأمر، التى صرّح بها د.أحمد الطيب «شيخ الأزهر» بوضوح شديد لا لبْس فيه عن حقوق المرأة.. نستطيع أن نرصد ردود الأفعال الذكورية المتخلفة فى محاولة اختزال الأمر باعتبار المرأة سلعة للاستهلاك الجنسى حسب رغبات الرجل. ومحاولة استدعاء نصوص وتفسيرات لتوظيفها فى محاولة إضفاء الشرعية على قهر المرأة وظلمها من خلال أوهام تكريمها والحفاظ على حقوقها.

ما تقوم به العقلية الذكورية لا علاقة للدين بها. إنها محاولات ومراوغات السيطرة وامتلاك المرأة باعتبارها حقًا حصريًا للرجل فقط سواء لعائلتها أو لزوجها أو لأخواتها أو للمجتمع، ليس لها حق الاختيار.. بقدر ما لها من الاستسلام لنزوات الرجل وأنانيته المفرطة.

محرم الفنادق 

رفض أحد فنادق الساحل الشمالى إقامة فنانة معروفة فيه لأنها «سينجل». وذلك رُغْمَ تصريح عبدالفتاح العاصى «مساعد وزير السياحة والآثار للرقابة على المنشآت الفندقية» أن الفنادق الخاضعة لإشراف الوزارة لا تمنع أى نزيل بنتًا أو سيدة أن تقيم دون زوجها أو والدها، وأى فندق يقوم بذلك يُعَرّض نفسَه للمساءلة القانونية. ولا توجد تعليمات من الدولة بذلك. كما أصدرت وزارة الداخلية بيانًا من قبل نفت فيه وجود أى تعليمات خاصة بمنع إقامة السيدات اللاتى تقل أعمارهن عن 40 سنة فى الفنادق دون محرم.

السؤال الآن: إذا كان هذا هو الوضع القانونى؛ فكيف لهذه الفنادق اتخاذ مثل تلك الإجراءات التى تسىء للمرأة وللدولة المصرية أمام العالم؟ ومَن الذى أشاع تلك الفكرة الخبيثة؟

التعصب الكروى

 لستُ من هواة كرة القدم نهائيًا، ولا تستهوينى مُشاهدتها؛ ولكنى أفخر بوجود محمد صلاح كلاعب مصرى دولى على مستوى العالم. ولا أستطيع فهم تلك الموجات من الهجوم عليه حتى على المستوى الشخصى بهذا الشكل الفج.. لدرجة أن بعض الهجوم عليه يصل لحد التخوين والتشكيك. رُغم أن الرياضة فى نهاية المطاف هى تنافس بين الفوز والخسارة حسب الكفاءة والمهارة. ولكننا نتعامل بأقصى درجات التعصب الذى يصل لحد العنف الفكرى فى مدى قبولنا للهزيمة ورفضها.

ميدان فيكتوريا 

قامت جمعية «نصر الإسلام» منذ عدة سنوات بتطوير ميدان فيكتوريا (نسبة إلى سيدة يونانية بالاسم نفسه) بشبرا، ووضعت لافتات بعد تغيير اسم ميدان، وتحويله إلى ميدان نصر الإسلام (الترعة البولاقية سابقًا) لطمس اسم فيكتوريا نهائيًا. رُغم أن تغيير الاسم لم يطرح داخل أروقة محافظة القاهرة من خلال لجان التسميات المسئولة عن إطلاق الأسماء على الشوارع، أو تغييرها فى حالة الضرورة القصوى. كما تم تغيير اسم شارع طوسون «حفيد محمد على» بشبرا إلى شارع محمد بن فضل الله العامرى، ولا يوجد أيضًا ما يفيد تغيير اسم الشارع فى المحافظة، أو مطالبة أحد بتغييره.

لماذا تصمت وزارة التنمية المحلية ومحافظة القاهرة أو رئاسة حى الساحل من الأصل على ما يحدث منذ سنوات.. ليس فقط لكونه تجاوزًا لسيادة القانون فى الشارع المصرى؛ لكن ليدق ناقوس الخطر؛ حيث يمكن أن تكون هذه الظاهرة مؤشرًا خطرًا على فكرة الاستقطاع حسب مفهوم جماعات الإسلام السياسى وفرض الأمْر الواقع.

سيارات متدينة

 عودة الملصقات ذات الصبغة الدينية على السيارات.. رُغم اختفائها لبعض الوقت.. فى إيحاء لدين صاحب السيارة بشكل فج؛ حيث انتشرت فى الفترة الأخيرة الكثير من الكتابات على خلفية السيارات- خصوصًا سيارات النقل والميكروباصات - سواء كملصقات أو بالكتابة اليدوية، مثل: «على بركة أم النور» و«البطل الرومانى» أو «على دين محمد» و«مسلم موحّد بالله».

ما سبق؛ يحتاج لتحرك قانونى حازم وسريع من إدارات المرور التابعة لوزارة الداخلية؛ لأنها محاولات لاختلاق أزمات وتوترات طائفية.. من شأنها تقسيم المجتمع المصرى.

رياضة ومأكولات دينية 

تصدير مسميات ذات دلالة دينية لممارسات اجتماعية تربوية وتجارية واستثمارية لا صلة لها بالدين، وعلى سبيل المثال: النوادى الاجتماعية والرياضية للأطفال والشباب المنتشرة الآن تحت اسم «نادى الطفل المسلم» و«نادى السيدة العذراء». وهكذا.. «عسل نحل الدير» و«عسل نحل المدينة»، وشركة «العِلْم والإيمان» وشركة «المناهرى»، و«المكتبة الإسلامية» و«مكتبة الراعى الصالح».

ما سبق؛ هو الخطر الحقيقى الذى يحول الحياة اليومية البسيطة للمواطن المصرى لحياة ذات ملامح دينية تقبل أصحاب دين محدد، وتستبعد غيرَه. وتتحول المنافسة التجارية إلى صراع دينى، وتتحول الأنشطة الرياضية إلى منافسة دينية لانتصار أصحاب دين على الدين الآخر. 

 نقطة ومن أول السطر..

جاء الاحتلال الفرنسى والإنجليزى لمصر، وتأثرا بثقافتنا بدرجة أكبر بكثير مما تأثرنا نحن بهما مثلما حدث فى دول أخرى مجاورة. وفى المقابل.. حدث تغلغل للأفكار الإخوانية والسلفية المتشددة من جانب، وللأفكار البدوية الصحراوية التى تم فرضها على مجتمعنا بخطط منظمة ومُحكمة من جهة اخرى. وهى الأفكار نفسها التى تراجعوا عنها الآن وتبرأوا منها.

أفكار كلها ضد قبول الاختلاف

أفكار رسخت لتديين المجال العام وتطييف المجتمع وسلفنته دينيًا؛ لنكفّر المختلفين عنا سواء فى الرأى أو النوع أو الدين.. وطمس قيم التسامح وقبول الاختلاف والتعددية. والترويج لنشر خطاب الكراهية والتمييز والإقصاء والاستبعاد والتهميش والتنمر.. بداية من التشكيك فى كل ما يحدث، ومرورًا بالتخوين، وصولًا إلى التكفير غير المعلن. وتكون المحصلة النهائية حالة من السخط الافتراضى المنتشر فى الشارع على الحكومة والدولة تدريجيًا.

استهدفوا تغيير الهوية المصرية، وارتكزت ثورة 30 يونيو العظيمة على مشروع متكامل لاستعادتها.. وحانت الآن مَرحلة الوعى بها.