الثلاثاء 5 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

روايــة سوناتا عزيزة "الحلقة الرابعة"

 عزبة السعداوى 2008



سطع ضوء باهر فى السماء وبقى ثوانى خاطفة مرت فيها على أهل العزبة كأنها دهر طويل، مس الضوء الباهر كل البيوت والنوافذ والحقوق الواسعة بشعاع من نور وهاج، سرعان ما انطفأ لتعود العزبة لحالها ويعود الليل وظلامه لطبيعتهما الموحشة.

كنت وقتها أجلس على فراشى، أحدق إلى اللا شىء مثلما أفعل طيلة وقت طويل لم أعرف متى بدأ ومتى انتهى، كنت مريضة كما أظن، أحدث نفسى فى رأسى بكلمات غير مفهومة لى ولعقلى، كنت مريضة ويرانى الآخرون أمامهم، بقايا إنسانة بلا وعى ولا إدراك، التهم المرض المتوحش عقلها ووجودها فدائمًا ألمح الشفقة والحزن فى أعينهم أوقات انتباهى القصيرة النادرة.

ارتفع صوت التكبيرات والدعاء من البيوت المتراصة بعضها بجوار بعض فى شوارع وحارات العزبة الصغيرة، تلتمس النجاة والحماية من العلى القدير.

دخلت فرحانة غرفتى خائفة، الحقينى يا عزيزة هانم، لا مطر ولا رعد بس السماء نورت وطفت، وكأن لمبة نايلون واتحرقت، ابتسمت، خير إن شاء الله، لم تفهم سر هدوئى وغادرت الغرفة وهى تتمتم بالآيات المنجيات، لتحفظها وتحفظنى وتحفظ البيت وأصحابه.

تركت فراشى، وخرجت بخطوات بطيئة إلى الشرفة، أبحث عن ذيل النجم الساطع الذى توهج فى السماء فجأة وانطفأ، لم أجده ولم أجد إلا النجوم الساطعة الساكنة مكانها منذ آلاف السنوات الضوئية، تذكرت الجدة فيتا ووجهها الهرم وتجاعيد الزمن ترسم عليه إشارات وعلامات لمن يبصر ويدرك، تذكرت عينيها اللامعتين فى مثل تلك اللحظة من زمن بعيد، وهى توصى بناتها وحفيداتها بملء الأطباق الكبيرة بالماء، وتوزيعها بين جذوع الأشجار فى الغابة، انتظارًا للروح التى ستفارقهم قريبًا، علها تعود عطشى تبحث عن مائهم فتجده، فتسكن فى حضنهم للأبد ولا تغادرهم.

كدت أنادى فرحانة وأوصيها ألا تنسى أن تملأ الأطباق بالماء، بعدما يخلو البيت عليها وعلى عزيزة، بعد رحيلى الذى اقتربت ساعته، أوصيها أن تملأ الأطباق بالماء البارد الطاهر، وتوزعها على سور الشرفة، وفى الحديقة بين أشجار الورد والمشمس والياسمين، لأجدها وقت أن أعود عطشى لحبهم وبيتى ووجودى بينهم، لكنى لم أفعل، خفت على فرحانة من الحزن، وآثرت أن أتركها تعيشه بطريقتها، وقت هطول أمطاره على قلبها بعد رحيلى المحزن.

حدقت وقتها إلى السماء العالية ونجومها الساطعة، أبحث عن الشهاب الذى يبحث عنى، ليخبرنى بسرى الذى عرفته الجدة فيتا والأصداف الذهبية وحكايات العشيرة، والذى تناقله أبناؤها حتى وصلنى هنا الآن فى عزبة السعداوى وقلبى الهرم، لم أجد الشهاب الآفل ولا شاهدت سطوعه الوهاج، وفى نفس اللحظة كأننى رأيت وجه لطفى يتوهج فى السماء يطمئننى بابتسامته الحانية، لقرب ساعة القرب بيننا بعدما طال الغياب.

جلست على الكنبة الكبيرة فى الشرفة، أحدق إلى السماء المظلمة وظلال الأشجار والنخيل تتمايل على وهج نجومها الصغيرة الساكنة وسط ضبابها الكثيف، وكأن صوت الجدة فيتا يتسلل لقلبى، يحكى لى ذات الحكاية التى أخبرتنى بها وأنا صغيرة رضيعة فى حضنها، وكأن صوتها يذكرنى بالحكاية القديمة التى نسيتها طفولتى وتاهت ضمن كل ما تاه من ذاكرتى وروحى.

أرانى نائمة فى حضنها فى الغابة الواسعة تظللنا الأشجار العالية، ويداها تعبثان فى شعرى وقت أن سطعت السماء وتوهجت وانطفأ نورها بسرعة، يومها همست الجدة فيتا أن العجوز فونسو حل حصانه من العربة وحممه فى النهر ووزع ملابسه على أحفاده، وأوصى بخيمته لابنه وقت أن يعود من الغربة التى طالت أيامها.

شرحت الجدة فيتا لصبايا العشيرة المتحلقات حولنا، أن العجوز فونسو يستعد للرحيل، وها هو قد قص شعره وحلق ذقنه وارتدى أجمل ملابسه، وسلم عصاه للجد بلوم ليقود بها العشيرة بعد رحيله. سألتها الصبايا وأنا وسطهن صغيرة لا أفهم شيئًا مما يتحدثن فيه، وكيف عرفتِ يا جدتنا ما سيحدث ولم يحدث بعد! ابتسمت الجدة فيتا لهن وهى تعبث فى شعرى الناعم تحت أصابعها الخشنة، وقالت: كل الأسرار مكشوفة لمن يقرأ ويفهم، والشهاب الساطع فى السماء الآن وقت أن أنارت الدنيا بسرعة وانطفأت يجهزنا للحظات الوجع، ويهون رحيل العجوز فونسو على أهله وأحبائه، وقبل أن تلاحقها الصبايا بفضولهن وخوفهن، شرحت لهن أن عشيرتنا، أبناء الأرض الطيبة، أبناء الرياح، توارثت البصيرة منذ أجيال بعيدة، وعرفت أن الشهاب الساطع وقت أن يسقط فجأة من سمائه ويتوهج بالضوء ويخفت، يعلمهم بميعاد رحيل غجرى من أهلنا للسماء، وفونسو كان يعرف ميعاد رحيله وتجهز له، والشهاب أخبرنا بسره وأعدنا له، وعلينا أن نشعل مواقد الطهو ونجهز سلال الفاكهة وننظم أبيات الشعر الحزينة وأغانى الفراق، علينا أن نجهز أطباق الماء لروحه الطيبة وقت أن تعود.

وتلاشى صوت الجدة فيتا بعدما ذكرتنى بالحكاية التى كنت نسيتها وسط فحيح الأشجار العالية فى حديقة السرايا وعلى سورها العالى، والرياح العاتية تكاد تقتلعها من جذورها فى تلك الليلة العاصفة الغريبة.

وكدت أنادى فرحانة لأخبرها أنى ابنة تلك العشيرة التى ورثت البصيرة من أجيال بعيدة، وأن الشهاب الذى توهج فى السماء وانطفأ يخبرنى بميعاد رحيلى الذى أعرف وقته، كدت أناديها لأخبرها بما يتعين عليها أن تستعد له فى الأيام القريبة التى ستوجعها بحزنها، لكنى أشفقت عليها من قسوة ما سأخبرها به، وآثرت أن أتركها لما ستواجهه وقت أن تواجهه فعلاً.

وحينما دقت الساعة دقات السابعة مساءً، عدت إلى صالة السرايا بعدما ودعت الشرفة والحديقة والأشجار، وجلست أمام البيانو وعزفت بفرح وحب «فالس الربيع» الذى انتشرت زهوره الفواحة تزين جدران السرايا وشعرى وأيامى الأخيرة ببهجتها، وعندما انتهيت من الحرف الموسيقى الأخير وصمتت الموسيقى والنغمات، أغلقت البيانو ومسحت بأصابعى على غطائه اللامع الناعم كأنى أربت على خديه أودعه، وعدت إلى فراشى وأغمضت عينى وخلدت للنوم أودع يقظتى الأخيرة التى أعيشها الآن، ووهج الشهاب اللامع يسطع فى الغرفة ويرفع الحجب الثقيلة، ويعدنى للحظة التى أعيشها الآن راضية هانئة سعيدة، وكل حياتى خلفى بكل ما عشته فيها.

وعدت أحدق إلى اللاشىء، أتمنى لو أخبر فرحانة بما عرفته، لكنى عاجزة عن إخبارها بأى شىء، وتمنيتها لو نادت عزيزة الصغيرة لأخبرها بما عرفته علها تكتبه فى كتابها عنى، لكنى عجزت عن مناداتها، وعجزت عن مناداة فرحانة لأنى ما زلت أحدق إلى اللا شىء، لمحت ابتسامة الجدة فيتا والجد بلوم، ولمحت الجميلة ذات الشال الأحمر، ورأيت لطفى يفتح أحضانه وينتظرنى، وسمعت أغانى شاندور ونواح فرحانة، وتمنيت لو أقول لهم كل ما عرفته فى تلك اللحظة الغريبة التى تخيلت فيها أنى ملكت البصيرة وتملكت الوعى الذى فر منى، منذ بدايات المرض الذى أوشكت نهاياته أن تضع حدًا لوجوى ووجوده، تمنيت كل هذا وأكثر، لكنى نسيت أمنياتى التى بقيت حبيسة عقلى الهلامى وجدران رأسى العظيمة وخرسى الطويل.

مازلت أحدق إلى اللا شىء كما ترانى فرحانة فتبكى وتنتحب حزنًا، وكما ترانى عزيزة الصغيرة فتحبس دموعها أملاً فى شفائى الذى عز عليها وعز علىَّ، وفجأة توهج الشهاب الساطع وسطع فأغلقت عينى من شدة الضوء، ولم أفتحهما مرة ثانية مطلقًا، أو هكذا ظننت!

 عزبة السعداوى 2008

كانت بقايا الليل الثقيل تقاوم النهار الجديد وتتباطأ فى رحيلها، والضوء الشاحب الطازج يحارب عتمة الليل ويغلبها وينتصر عليها، وينشر نوره ببطء على الكون والسماء ونهارى وقت أن أيقظنى صوت لطفى من نومى، وهمس برقة أعرف نغمتها، حان وقت الاستيقاظ يا عزيزتى.

ابتسمت مثلما كنت أفعل دائمًا وقت أن يدللنی فى بدايات النهار وبقايا نومى ما زالت تشاكس أحلامى، فتحت عينى الثقيلتين أبحث عن وجهه، عن ملامحه، عن ابتسامته، كأنى سأجدها فى ركن الغرفة تحت النافذة الكبيرة التى تتسلل منها أشعة الشمس الطازجة كل صباح، ترسم على أرض الغرفة فراشات وابتسامات وعصافير، لكنى لم أجد لطفى ولا ابتسامته، وتمنيت لو غادر الغرفة للشرفة، وكدت أنتظر عودته، بل أناديه، لكن الواقع ويقظته الموحشة داهما رأسى وأكدا لى أنی أعيش الحلم النهارى الذى أدمنته منذ رحيل لطفى من سنوات بعيدة، وأكدا لى بقسوة وصلافة أنه رحل فعلا وأبدا لن يعود.

أيقظنى صوت لطفى، لكنی لم أجد ابتسامته فى ركن الغرفة ولم أجد الفراشات والعصافير على أرضها الخشبية القديمة، ولم أجد الضوء يغمر النافذة ويتسلل منها لحجرتى ولا أشعة الشمس أيضا، حان وقت الاستيقاظ يا عزيزتى، همس لطفى، وأضاف فرحا: جميعهم ينتظرونك فى الصالة وأنا معهم.

غادرت فراشى بسرعة وانتعلت شبشبى الفرو الأبيض، وتدثرت بروبى الكشمير النبيتى، وتلفعت بالشال الصوف الأسود، بعدما جدلت شعرى المتطاير ضفيرتين عابثتين علی كتفى كأنى فى «الجاردن دو انفو» ودسست الأمشاط العاجية البنية بالماسات الزائفة التى تسطع عليها، والتى ورثتها لى رشيقة هانم، وسط خصلات شعرى الفضية وخرجت للصالة.

الصالة خاوية منهم ومن أى دفء، بحثت عن لطفى لأسأله أين ينتظروننى لكنی لم أجده كأنه رحل معهم. خذلان موجع تملكنى وكدت أعود إلى فراشى، حتى وقعت عيناى عليه، لم أر غيره شامخا ينتظرنى، لم ألمح ساعة الحائط العتيقة ولم أسمع صوت دقات السابعة مساء، لم أر الجرامافون الخشبى الكبير وبوقه النحاسى الداكن، لم أر المقاعد الخشبية الوثيرة التى تتناثر على جدران الصالة بخيالات الونس القديمة، ولا المنضدة المزينة بالصدف الوهاج والأرابيسك العتيق، فقط رأيته شامخا ينتظرنى، لونه الأبيض يتوهج ويسطع وسط العتمة الآفلة، والضوء الشاحب الواهن المتسلل من تحت عتبات أبواب الغرف المغلقة يرسم على جدرانه مفتاح الصول وأحرف السلم الموسيقى. سحبت الكرسى الصغير الخفيض من أمامه، وفتحت غطاءه الثقيل فابتسمت الأصابع البيضاء والسوداء تحيينى وتلقى علىَّ بطريقتها تحية صباحنا الحانى، تحسست الأصابع بأطراف أناملى كأنى أرد عليها التحية، انتظرت من البيانو العتيق الأبيض أن ينتقى لى معزوفة أبدأ بها يومى الذى أتمناه سعيدا.

ألمح ابتسامة أبى تنير صالة السرايا وقت أن وقف بجوار بيانو الأبنوس العتيق فى قلب سرايا المنيرى وأنا صغيرة، وساعة السرايا تدق السابعة مساء وهو يتابع عزفى لمقطوعة «فالس الربيع»، حين أخبره مسيو جاك فخورا أنى أجيد عزف تلك المقطوعة الصعبة، وأنى قد تعلمتها بسرعة أدهشته. يومها ابتسم أبى فرحا ببراعتى وطلب منى أن أعزف له ذلك الفالس المبهج، ووقف بجوار البيانو ينصت فرحا لموسيقى شوبان بأصابع وإحساس ابنته الموهوبة كما كان يصفنى دائمًا. ارتبكت أصابعى لحظتها قليلا فوق أصابع البيانو، وسرعان ما انهمرت الأمطار الملونة للنغمات من أطراف أصابعى وأصابع البيانو ترسم سحب البهجة فى سماء سرايا المنيرى بحلوان.

مازالت ابتسامة أبى تنير سرايا السعداوى كأنه حل ضيفا عليها، لكنى سرعان ما عدت من أوهام خيالاتى للحقيقة، من طفولة أيامى لشيخوختها، من سرايا المنيرى بحلوان لسرايا لطفى بعزبة السعداوى، ومن البيانو الأبنوس الأسود العتيق فى سرايا المنيرى للبيانو الأبيض الذى أهداه لى لطفى يوم زفافنا، وبدأت اليوم الذى أعيشه الآن بنغمات «فالس الربيع» تشق ببهجتها السحب الثقيلة فى سماء العزبة، وتفتح فوهة كبيرة بين طياتها الشتوية الثقيلة لتخرج منها أشعة الشمس الدافئة سهام فرح ترسم على أرض الصالة حول البيانو وحولى وردا وعصافير.

ألمح لورا والجدة فيتا تبتسمان فرحتين بالموسيقى التى أعزفها، أحييهما بإيماءة صغيرة من رأسى وابتسامة تفهمان معناها ورسالتها، رأس الجد بلوم يتمايل مع النغمات، أما الغجرى شاندور فيمسك الماندولين وتجرى أصابعه فوق الأوتار تشاركنى عزف نغمات الربيع وفالسه المبهج، أحييه والجد بلوم بهزة صغيرة من رأسى على نغمات الفالس فيحييانى بابتساماتهما المحبة على النغمة التالية.

يقترب عرفان بيه من البيانو الأبيض ويستند إلى ظهره العالى متكئًا برأسه على ذراعه، وعلى وجهه ذى الابتسامة التى أحبها منه منذ وعيت أبوته وحبه الجارف، ألمح أشواق ورشيقة هانم تجلسان على الكنبة الكبيرة طرف الصالة، وأشم برفقتهما رائحة البن المحوج الذى تحتسى رشيقة هانم قهوتها النهارية منه كل صباح، يدخل لطفى من الشرفة ويحيى أمى وجدتى ويجلس على أقرب مقعد لهما، فخورا بعزفى وموسيقاى وينتظرنى أن أفرغ من نهاية الفالس ليحطم صمت الصالة بتصفيقه المدوى وصرخات استحسانه مثلما يفعل دائمًا.

ما زالت نغمات الفالس تحلق فى صالة المنزل فوق رءوسهم جميعا، والبهجة أيضا، ألمح ابتسامة مسيو جاك وقت أن جلس بجوارى أمام البيانو حين كنت صغيرة خجلة مرتبكة، وقت أن شاهدته للمرة الأولى فى حياتى، أتذكر ابنهار لطفى بعزفى وقت أن سمعه للمرة الأولى ليلة زفافنا، وكيف أثنى عليه وعلى موهبتى المتميزة كما كان يتفاخر بى دائما، توخزنى نظرات الحسد التى حاصرتنى بها زميلاتى فى المدرسة الفرنسية، وقت أن اختارتنى مدرسة الموسيقى «بريمادونا» لفريق الموسيقى وعازفته الأولى، أتذكر ملامح عزيزة الصغيرة وقت أن أجلستها وهى صغيرة مرتبكة خائفة للمرة الأولى أمام البيانو لأعلمها أن تحب الموسيقى والنغمات وشوبان.

وما زلت فى صالة سرايا السعداوى وما زال النهار طازجا فى ساعاته الأولى، وما زالت موسيقى شوبان تعلو نغماتها أكثر وأكثر تبهج روحى وقلبى، مثل جمال اللحظة التى أعيشها فى رحابة بيتى وصالته الواسعة، وحولى وبجوارى كل الأحباء الغالين الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم. فى الجهة اليسرى تجلس الجميلة لورا بشالها الأحمر وثوبها المزركش وعينيها اللوزيتين، الجدة فيتا العجوز الحانية، الغجرى الوسيم شاندور وماندولينه الصدف الوهاج، الجد بلوم الهرم الحكيم بشعره الفضى ورأسه، على الجهة المقابلة يجلس عرفان بيه ببذلته الأنيقة وسيجاره الفواح، وبجواره أشواق هانم وطيبتها الزاهية وعطرها الفواح، وأمامهما رشيقة هانم بشعرها الفضى الساطع، لطفى يقف على البيانو متكئًا على طرفه العالى يدندن بالنغمات المبهجة التى تسعدنا جميعا وتعلو على نغمات شوبان، يتعجلوننى لألحق بهم ويعدوننى ببقية الحكايات التى صمتت عنها الخطابات وأخفتها عنى الأيام، يتعجلوننى لأنهى آخر مقطوعاتى الموسيقية وآخر نغماتى، ويعدوننى بنغمات نعزفها معا فى رحاب السعادة التى تنتظرنى جميعا، فأطوى صفحات عمرى وبقية أيامى وآخر نغماتى، وألوح للسرايا أوصيها على عزيزة هانم ابنتى التى أنجبتها من رحم حبى، ألوح لسرايا السعداوى وللبلدة الصغيرة ولأهلها الطيبين، وفجأة تدق الساعة العتيقة دقات السابعة، وينتحب البيانو الأبيض وأوتاره على نغمات «سيفمونية الخريف» وأنا أودعهم وداعى الأخير، وأطوى صفحتى الأخيرة وأرحل.