
هاني لبيب
مصر أولا.. ليست مجرد تعويضات من بريطانيا وإسرائيل.. حقوق الشعب المصرى التاريخية المنسية.. قضية رأى عام!
الخارجية البريطانية: نشعر بالصدمة من الفظائع التى تتعرض لها بوتشا ومدن أوكرانية أخرى.
صدر التصريح السابق خلال هذا الأسبوع. والحقيقة.. فقد تأثرت به جدًا لمدَى حرص الحكومة البريطانية على الحفاظ على حقوق الإنسان والدفاع عنها، وهو أمرٌ مرغوب ومطلوب، وأصبح لا غبار فى النقاش حوله أو عنه، ولكن تبادَر إلى ذهنى سؤال أرّقنى كثيرًا وهو: هل تستطيع الحكومة البريطانية بشجاعة أن تعتذر للشعب المصرى عمّا فعله احتلالها لبلادنا؟ وهو ما ينطبق أيضًا على إسرائيل؛ خصوصًا فى استغلالها للبترول المصرى؟
من أهم الكتابات والتصريحات التى تناولت هذا الموضوع مؤخرًا هو ما ذكره د. محمد أبوالغار فى عدة مقالات على صفحات «المصرى اليوم». ومن أهم ما جاء فيها أن القروض التى قدمتها مصر إلى بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى، والتى كان من المفروض تسديدها.. تبلغ 3 ملايين جنيه استرلينى لدفع أجور الفلاحين المصريين الذين التحقوا بفيلق العمال المصرى المصاحب للقوات البريطانية بالإجبار والسخرة فى الحرب لشراء محاصيل ومواد من السوق المحلية. وقد أجبرت بريطانيا الحكومة المصرية حينذاك على التنازل عن القرض عام 1917. وهو تنازل غير جائز لأنه تم تحت ضغط الاحتلال البريطانى.
وقد استندت المعلومات السابقة على كل من: كتاب د. أرون چاكس «أستاذ التاريخ الاقتصادى بنيويورك» بعنوان «احتلال مصر» الصادر سنة 2020، والذى قدّر قيمة القرض الآن بـ 250 مليون جنيه استرلينى؛ بل يؤكد أن ما تستحقه مصر هو 5 مليارات جنيه استرلينى.. إذا دققت فى طريقة الحكومة الإمبريالية البريطانية فى صياغة النظام النقدى. وأيضًا كتاب كايل أندرسون بعنوان «الفيلق المصرى.. الكشف عن أهوال مخيفة» الصادر سنة 2021 عن جامعة تكساس الأمريكية.
كان ما سبق.. مدخلًا للنقاش مع صديقى عصام حمدى «المستشار القانونى المتخصص فى الاتفاقات البترولية والعقود الدولية)، والذى نبّهنى لتقرير رسمى أصدرته الهيئة المصرية العامة للبترول بخصوص استيلاء إسرائيل على 170 مليون برميل زيت بالمخالفة لما هو ثابت رسميًا بالمستندات الدولية. وبناءً على هذا التقرير تقدّمت مصر بشكوى للأمين العام للأمم المتحدة.. تطالب فيها بالتعويضات عمّا قامت به إسرائيل. وهو يمثل اعتداءً مسلحًا واستغلالًا غير قانونى لثروات سيناء.
السؤال: ما هو السند القانونى لطلب تدخُّل الأمين العام للأمم المتحدة، على الرغم من وضوح نصوص اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل فى 1979 بأنه فى حالة وجود مطالبات مالية بين الدولتين يتم حسمها عن طريق لجنة مطالبات للتسوية المتبادلة لجميع المطالبات. وأنه يتم حل الخلافات عن طريق المفاوضة، فإذا لم يتيسر الحل عن طريق المفاوضة يتم الحل عن طريق التوفيق أو تحال إلى التحكيم على غرار ما حدث فى قضية استرداد طابا؟
الأساس فى مطالبة إسرائيل بالتعويضات هو قرار الأمم المتحدة رقم 3314 الصادر بالجلسة 29 فى 14 ديسمبر 1974، والذى يفسر ما قامت به إسرائيل من استخدام القوة المسلحة ضد سيادة الدولة المصرية وسلامتها الإقليمية متنافيًا مع ميثاق الأمم المتحدة، ووصفه بكونه عملًا عدوانيًا، بالإضافة إلى قرارات الجمعية العامة أرقام 1803 فى 18 ديسمبر 1962، و3005 فى 15 ديسمبر 1972، و3516 فى 15 ديسمبر 1975. وهى جميعها تؤكد على حق سيادة الدولة على مواردها الوطنية. والقرار 3336 فى 17 ديسمبر 1974 الذى أكد أن جميع التدابير التى اتخذتها إسرائيل لاستغلال ثروة الأقاليم العربية المحتلة ومواردها البشرية والطبيعية وغيرها من الموارد.. هى تدابير غير مشروعة.
قدّم المجلس الاقتصادى والاجتماعى بالأمم المتحدة للجمعية العامة فى دورتها الثانية والثلاثين المنعقدة بتاريخ 11 أكتوبر 1977 بناءً على تكليف من الجمعية العامة تقريرًا عن الآثار الاقتصادية التى لحقت بالدول والشعوب العربية نتيجة حرب 1967 ونتائجها، وبالنسبة لمصر تضمّن التقرير:
1- استند التقرير على تقرير معهد التخطيط القومى المصرى.
2 - فقدان مصر ما يساوى نحو سنة كاملة تقريبًا من النمو، وأن احتمالات النمو التالية تعرضت للتعويق لسببين: - الزيادة الكبيرة فى النفقات الدفاعية.
- الخسائر الرأسمالية الناجمة عن الأعمال العسكرية.
3 - أن التقرير لم يشتمل على الخسائر والأضرار التى أصابت القوات المسلحة.
4 - أن نفقات الدفاع زادت من 7,4% فى المتوسط فى الفترة 60/1961 إلى 64/1965 إلى 13% فى 69/1970، ثم إلى 19% فى 1973، و20% فى 1974.
5 - تم تصنيف الخسائر الناتجة عن الحرب وفترة الاحتلال إلى خسائر رأسمالية مباشرة من خلال الأضرار التى لحقت بالأصول الثابتة والمخزونات. وخسائر رأسمالية غير مباشرة من خلال التكاليف الرأسمالية الناجمة عن نقل الوحدات الإنتاجية من المناطق المتأثرة والزيادة فى التكاليف بسبب التأخير فى تنفيذ المشاريع الرأسمالية بسبب الحرب والاحتلال.
بالإضافة إلى الخسائر فى الدخل، وهى عبارة عن الدخل المقدر أنه فقد نتيجة للطاقة الإنتاجية المعطلة. والزيادات فى تكلفة الإنتاج التى سببها تكلفة الشحن واستخدام مدخلات إحلالية بديلة، فضلًا عن خسائر الفرص الضائعة، والتى تتعلق بالدخل غير المحقق نتيجة لتأخر تنفيذ المشاريع الاستثمارية والخسارة فى الدخل الناتجة عن تخفيض الاستثمارات.
6 - تم إعداد هذا التقرير بأسعار سنة 1975؛ حيث كان يبلغ سعر الدولار الواحد 0.39 جنيه.
7 - إن الخسائر فى الأراضى المحتلة «سيناء وغزة» لم يتوافر عنها معلومات وقت إعداد هذا التقرير.
8 - لم تشمل الخسائر السابقة قطاعَى قناة السويس، والبترول.
خسائر قناة السويس..
بلغت الخسارة فى إيرادات أنشطة القناة عن الفترة بين 1967 و1975 نحو 3,450 مليار دولار، وذلك بافتراض ثبات عمق القناة واستمرارها دون تعميق خلال تلك الفترة. وبلغت تكاليف إصلاح القناة لإعادة الافتتاح نحو 288 مليون دولار. وبلغت زيادة تكاليف النقل البحرى 31 مليون دولار. وبلغت خسائر أنشطة إصلاح السفن وبيع بضائع للركاب وأطقم السفن نحو 168 مليون دولار.
وبلغت خسارة مبيعات وقود سفن 36 مليون دولار.
كما بلغت الخسائر الرأسمالية غير المباشرة الناتجة عن الزيادة فى تكاليف مشروع تطوير القناة والخسارة فى الدخل نحو 85 مليون دولار. بلغت الخسارة فى الدخل عن عدم تحقق استثمار الأرباح المحتجزة 210 ملايين دولار، وهو ما يعنى أن إجمالى خسائر قناة السويس بلغ 4.268 مليار دولار، ولا يتضمن هذا المبلغ الخسائر الناتجة عن عدم بيع الوقود للسفن العابرة والذى قدّر خلال تلك الفترة بمبلغ 36 مليون دولار.
خسائر قطاع البترول..
استولت إسرائيل على عدد من الحقول المنتجة هى: أبو رديس، وبلاعيم البرى، وبلاعيم البحرى، وسدرة، وفيران، ورأس الحكمة وإكما، وعسل، ومطارما، وسدر. وقد بلغ متوسط إنتاج هذه الحقول سنة 1966 نحو 87.156 برميل يوميًا. وقد بدأت إسرائيل استغلال هذه الحقول فى يوليو 1967، ورفعت الإنتاج إلى 120 ألف برميل يوميًا. ووصل إنتاج الحقول سنة 1975 نحو 92 ألف برميل يوميًا، والذى يغطى 65 % من احتياجات إسرائيل.
وقد تمت إعادة بعض الحقول إلى مصر فى سبتمبر 1975، واحتفظت إسرائيل بحقول غنية فى جنوب سيناء ولم تردها إلى مصر. بلغ إجمالى ما استولت عليه إسرائيل من الحقول 235 مليونًا و518 ألف برميل، كما استولت على 44 ألفًا و455 برميلاً من خزانات الهيئة العامة للبترول.
وهو ما يعنى أن إجمالى ما استولت عليه إسرائيل بلغ 235 مليونًا و562.455 برميل من الزيت الخام.
بلغت خسائر قطاع البترول الأخرى بأسعار سنة 1975 نحو 3.359 مليار دولار.. تمثلت في: الانخفاض فى أسعار التصدير «فوب» لارتفاع تكلفة النقل حول طريق رأس الرجاء الصالح. والتعويضات المدفوعة لشركات البحث. وتكلفة نقل بعض الوحدات من السويس إلى مسطرد. والارتفاع فى تكلفة بعض المشاريع الاستثمارية نتيجة التأخر فى التنفيذ. وخسائر الدخل الناتجة عن توقف عمليات البيع.
على هذا النحو، يكون إجمالى المبالغ التى يمكن المطالبة بها حسب عصام حمدى «المستشار القانونى المتخصص في الاتفاقيات البترولية والعقود الدولية) نحو 30.917 مليار دولار بأسعار سنة 1975. ومع حساب نسب التضخم والفوائد المستحقة، بالإضافة إلى كمية البترول المستولى عليها أو سداد قيمتها بالأسعار الحالية، وقيمة الخسائر التى تكبدتها القوات المسلحة، فضلًا عن قيمة التعويضات لشهداء ومصابى ومفقودى العمليات العسكرية من العسكريين والمدنيين.
نقطة ومن أول السطر..
أعلم جيدًا أنه موضوع شائك سواء فى أسلوب تناوُله، أو فى طريقة معالجته استنادًا للمعلومات الدقيقة، ولكن تظل حقوق الشعب المصرى التاريخية «الأدبية والمعنوية والمادية والسياسية» لدى بريطانيا وإسرائيل هى حقوق لن تسقط بالتقادم، كما أنها قضية رأى عام بالدرجة الأولى، وسيظل استرداد هذه الحقوق هو مسئولية وطنية للمفكرين والسياسيين والمجتمع المدنى المصرى قبل أن يكون مسئولية الحكومة المصرية.