الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

القذائف المصرية زلزلت الإسرائيليين المدرعات والمدفعية.. جحيم فوق رؤوس الأعداء

«أعتقد أننى وزملائى أُرسلنا إلى هذه المعركة لنكون طعامًا للدبابات»، هكذا وصف أحد الجنود الإسرائيليين معركة «المزرعة الصينية»، إحدى أشرس المعارك خلال حرب أكتوبر المجيدة، التى سطَّرت بطولات خالدة لأبطال القوات المسلحة المصرية من المشاة، وسلاحى المدرعات والمدفعية، اللذين تخصصا فى صب الجحيم فوق رؤوس الأعداء.



وفى ذكرى النصر من كل عام سنتذكر سويًا الأمجاد  والبطولات، فـ«وادى الموت» سيظل شاهدًا على معارك الدبابات الكبرى، و«خط بارليف» على نهاية أسطورتهم، وصوت الرئيس الراحل أنور السادات يتردد فى آذاننا: «العين بالعين والسن بالسن والعنق بالعنق».

ما كانت حرب أكتوبر المجيدة لتخلد فى ذاكرة المصريين والعرب دون بطولات وتضحيات أبطال القوات المسلحة، فتاريخ الأمم يُسطِّره أهم أحداثها،  ونحن أمة تاريخها العظيم لا يمكن أن يسجل انكسارات دون انتصارات، فكان انتصار السادس من أكتوبر 1973، إحدى أهم العلامات البارزة فى تاريخ مصر، برد الاعتبار وتحرير أرض الفيروز، فى ملحمة تبارت وتلاحمت فيها جميع أطياف الوطن، وكل أذرع القوات المسلحة، لتكتب درسًا من دروس العبقرية العسكرية، التى حطَّمت أساطير إسرائيلية للأبد، وخلال هذا التقرير نستعرض ما قدمه سلاحا المدفعية والمدرعات خلال ملحمة النصر.

سلاح المدفعية.. نيران لا تتوقف

لم تبدأ بطولات المدفعية من حرب أكتوبر فقط؛ بل كانت ممتدة من دورها الكبير خلال حرب الاستنزاف، فى رفع الروح المعنوية لقواتنا المسلحة، حينما قامت بتنفيذ قصفة نيران مركزة قوية فى 8 سبتمبر 1968، ضد جميع الأهداف المعادية على طول مواجهة قناة السويس وبعمق 10 كيلو مترات؛ وذلك بغرض تدمير الخط الدفاعى الأول الذى بدأ العدو الإسرائيلى بناءه على الجانب الشرقى للقناة وتكبيده خسائر فادحة، ما بين إسكات 17 بطارية مدفعية، وتدمير 6 بطاريات مدفعية، و19 دبابة، و27 دشمة مدفع ماكينة، و8 مواقع صواريخ أرض أرض، و4 مخازن وقود ومنطقة إدارية، وذلك ردًا على العدوان الغاشم بقصف الزيتية بمدينة السويس.

ومنذ اليوم الأول لحرب أكتوبر، لعب سلاح المدفعية والمقذوفات المضادة للدبابات دورًا مهمًا؛ حيث بدأت مهامه عقب الضربة الجوية التى استمرت لدقائق، لتفتح من بعدها نيران المدفعية فى أكبر تمهيد نيرانى بطول الجبهة، بقوة نحو 2200 مدفع بمعدل 170 دانة فى الدقيقة الواحدة، الأمر الذى أربك قوات العدو الإسرائيلي، مما أتاح تأمين مرور قوات الصاعقة والمشاة إلى الضفة الأخرى للقناة؛ حيث قامت المدفعية بتدمير مدرعات العدو خلال المراحل الأولى لإنشاء الكبارى، وضرب التمركزات ومراكز السيطرة ومحطات الرادار الخاصة بالعدو الإسرائيلى.

وقد ساهم ذلك فى نجاح تنفيذ مراحل العملية الهجومية، الأمر الذى ساعد قوات العبور المتتالية على الاقتحام ومهاجمة جميع حصون خط بارليف، وإسقاط النقاط المعادية شرق القناة، وفى تلك اللحظات الصعبة لعبت الصواريخ المضادة للدبابات دورًا مؤثرًا فى تدمير دبابات العدو وعناصره المدرعة، وقد اشتركت مدفعيتنا وصواريخنا بمختلف الأسلحة الجديدة المتطورة؛ حيث تم تزويد سلاح المدفعية المصرية بالعديد من الأسلحة الثقيلة والدقيقة قبيل الحرب، مثل المدافع عيار 130 مليمترًا و155 مليمترًا و240 مليمترًا، كما تم تزويدها بالصواريخ الأكثر تطورًا المضادة للدبابات والعديد من الأجهزة والمعدات الفنية الحديثة الخاصة بالاستطلاع وإدارة النيران، ومن بين الأسلحة التى أرهبت قوات العدو الإسرائيلى،  المدفع المحمول المضاد للدبابات «ساغر»، وهو سلاح سوفيتى صغير الحجم، لديه قدرة تدميرية كبيرة، كانت كفيلة بإدخال الرعب على الجنود بمدرعات العدو، فوصف بأنه السلاح الصغير الذى كسر غطرسة الإسرائيليين.

سلاح المدرعات.. المُناور الأكبر

يعد سلاح المدرعات من الركائز الأساسية للانتصار بحرب أكتوبر؛ إذ كان له دور مؤثر وملموس فى التصدى للمحاولات التى قامت بها قوات العدور الإسرائيلى لاختراق الجبهة، واستطاع إيقاف تقدمها وإلحاق خسائر فادحة فى صفوفها، فعلى الرغم من تفوق العدو الإسرائيلى على الجيش المصرى فى التسليح وقوة وسرعة الدبابات؛  فإن رجال المدرعات المصرية تمكَّنوا من تحقيق إنجازات ضخمة وانتصارات تاريخية. 

يوم 6 أكتوبر تقدَّمت كتائب الدبابات المصرية فى سيناء، بعد أن عبرت فوق الجسور المنصوبة، وانضمت لفرق المشاة التى سبقتها بالعبور، وبدأت تأخذ دورها فى مساندة القوات فى حصار نقاط  العدو الحصينة فى خط بارليف، والاستيلاء عليها، وقدمت بمدافعها معاونة نيرانية فعالة متحركة لقوات المشاة الزاحفة فى تدمير الدبابات الإسرائيلية، وقد تعاونت المدرعات المصرية مع وحدات صواريخ المشاة من طرازات «أربى جى» و«ساغر» وأوقعوا خسائر جسيمة فى صفوف الدبابات الإسرائيلية بلغت 120 دبابة فى اليوم الأول وحده. 

وقامت كتيبة  مدرعة برمائية مصرية «602» من قوات لواء «130» مشاة أسطول بالتوغل حتى قرب منطقة المضايق فى محاولة لمهاجمة بعض الأهداف الإسرائيلية المنعزلة، وواجهت الكتيبة ثقل قوات العدو المدرعة فى المنطقة، وبسبب فارق التسليح لم توفق الكتيبة فى مهمتها رغم الشجاعة الفائقة التى أبداها جنود الكتيبة بتسليحها الضعيف، ومع ذلك لم تتعرض الدبابات المصرية عامة لخسائر كبيرة فى اليوم الأول للقتال فلم تزد خسائرها على إصابة وتعطُّل 26 دبابة فقط. 

بحلول صباح يوم 7 أكتوبر أتمت الدبابات المصرية حشدها فى سيناء وتوزيعها على فرق المشاة الخمس؛ حيث بلغت نحو  800 دبابة و13 ألف سيارة ومركبة ومدرعة مرافقة مساندة، وبحلول 8 أكتوبر، شاركت الدبابات المصرية فى قطاع الجيش الثانى، الفرفة الثانية مشاة فى معركة تدمير الكتيبة 190 المدرعة الإسرائيلية بقيادة العقيد «عساف ياجوري» وأسره، وقتل الجنرال «ألبرت ماندلر» أكبر وأشهر قائد إسرائيلى فى معارك الدبابات.

حينما دارت المعارك وانصب اللهيب من كل جانب،  كانت فرقة بعينها من فرق الجيش تسطر سطرًا  جديدًًا  من سطور الأمجاد العظيمة للجيش المصرى، «الفرقة الرابعة مدرعة» من الجيش الثالث الميداني، تخصَّصت فى صب الجحيم فوق رؤوس الأعداء، تعد من أقدم وأقوى التشكيلات المدرعة فى الجيش؛ حيث كانت فرقة نخبة يتم التعامل معها كعصب للجيش الثالث.

وكانت مهام الفرقة تأمين عبور القوات، وبرزت قوتها بتكليف اللواء الثالث المدرع أحد ألوية الفرقة، بالعبور شرقًا نحو منطقة الممرات، ضمن عمليات تطوير الهجوم فى منتصف أكتوبر، وقبل أن تبدأ المعركة واجه اللواء المدرع هجومًا إسرائيليًا قبل وصوله لأهدافه، مما أفقده بعض قطعه، إلا أن المفاجأة كانت فى ثبات اللواء المدرع فى المعركة وتغيير محور الهجوم؛ حيث التفت القوات المصرية حول الجبل فى وادى مبعوق،  وهاجمت القوات الإسرائيلية التى تفاجأت بما حدث .

حينها  ومن مقر القيادة العامة للقوات المسلحة كان الرئيس السادات يتحدث إلى القادة العسكريين على الأرض فى السويس والإسماعيلية، بعد أن حاولت القوات الإسرائيلية تنفيذ محاولات اختراق عبر ثغرة الدفرسوار، جعلت الرئيس يتواصل بنفسه مع الفرق المدرعة فى الغرب، قائلًا: «ثبت الإسرائيليين ولا تجعلهم يتمكنون من التوسع»، تعليمات واضحة  للعميد عبدالعزيز قابيل قائد الفرق الرابعة، التى كانت تناور حينها منفردة ما بين السويس والإسماعيلية، وهى منطقة تحتاج لثلاث فرق لتغطيتها، فى المقابل كانت إسرائيل تحاول الاختراق بثلاث فرق يقودها ماجن، وأدان، وشارون.

واخترقت الفرق الثغرة وكانت معظم المناطق خالية من القوات؛ ولكن أحد الألوية الإسرائيلية بقيادة آمنون رشيف، وقعت فى كمين قرب «المزرعة الصينية»، التى يتمركز بها كتائب للجيش المصرى من الفرقة 16 مشاة بقيادة المشير محمد حسين طنطاوي، وكتائب للفرقة 21 مدرعة، ولتخليص اللواء الإسرائيلى، دفع «أدان» بلوائين مدرعين  مساء 16 أكتوبر فتصيدهما نيران الآر بى جى المصرى، فطلب أدان دعم لواء مظلى، ودفع بعد ذلك لإنقاذ اللواء الإسرائيلى المحاصر، بكتيبة مشاة محمولة جوًا وتم إعطاؤهم معلومات ليست دقيقة، عن قلة أعداد الجنود المصريين فوقعوا بكمين آخر وفقدوا مئات الجنود وعشرات الدبابات.

وبذلك تكون قد شهدت أيام 15 و 16 و 17 أكتوبر، أكبر معارك الدبابات الرهيبة؛ إذ بدأت معارك ثغرة الدفرسوار، وصد الهجمات المضادة فى معارك بين الدبابات المصرية والإسرائيلية، استمرت ثلاثة أيام متصلة، تألق فيها المقاتل المصرى فى معارك الالتحام بالدبابات فوق سيناء والضفة الغربية للقناة، وفى معارك الفرقة 16 مشاة قد حقق رجال المدرعات من عناصر الفرقة 21 المدرعة إنجازات ضخمة على كل المستويات، تطلبت درجة عالية من الكفاءة والدقة  والتدريب الجيد قبل الحرب والقدرة الفنية والمناورة الميدانية، لذا قال الرئيس السادات «إن الثغرة كانت لإسرائيل أشبه بوادى الموت». 

وفى البيان المصرى الصادر عشية وقف إطلاق النار يوم 22 أكتوبر 1973، ذكر اللواء عزت مختار المتحدث العسكرى المصرى -آنذاك- أن العدو الإسرائيلى فقد نحو 600 دبابة و 400 عربة مدرعة.