الخميس 23 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

بعد عرض النصف الأول من الجزء الخامس: LA CASA DE PAPEL هكذا تصنع الأساطير

لعام وخمسة أشهُر انتظر متابعو المسلسل الإسبانى (la casa de papel) الجزء الخامس منه، والذى تنتهى فيه أحداث عملية السطو الثانية للعصابة الأكثر شعبية على مَرّ التاريخ. وبعد طول انتظار عرضت «نتفليكس»- فى حركة ماكرة- خمس حلقات فقط على وعد بعرض بقية الحلقات فى الثالث من ديسمبر المقبل.. ووفقًا لذات المَنهج ونفس «الباترون» الذى سارت عليه حلقات الجزءين الأول والثانى لعملية السرقة الأولى، تسير أحداث عملية السرقة الثانية ولكنها هنا ترفع من وتيرة الحماسة بعنف أكبر من الدولة وحالة أنضج لأفراد عصابة الأخيار.



 

تتشابه عملية السطو الثانية والتى تقوم فيها العصابة بسرقة احتياطى الذهب من بنك إسبانيا مع عملية السطو الأولى التى قاموا فيها بطباعة النقود فى دار السّك، وإن امتلأت العملية الأولى بجرعة أكبر من العواطف والحب وطعم الحياة، فالعملية الثانية غلبت عليها المعارك والانفجارات ورائحة الموت.

وكالعادة، يكشف مؤلفو المسلسل عن الوجوه القبيحة للمسئولين والفساد الذى تعيش فوقه واحدة من أجمل وأعرق بلدان أوروبا ـ إسبانيا - وكالعادة أيضًا لا يترددون فى التضحية بأفراد عصابتهم مَهما كانت أهميتهم وشهرتهم وعدد المتابعين لهم؛ حيث نفقد فى الحلقات  الأولى من هذا الجزء بطلة المسلسل والتى يتصدّر اسمها تيتراته «طوكيو - أورسلا كوربيرو» فى تأكيد من صناع المسلسل أنه لا عزيز على الموت ولا صوت يعلو فوق صوت طلقات الرصاص التى تنهى حياة هؤلاء الأبطال واحدًا تلو الآخر. وهو خروج عن المألوف ربما يزيد من تفرُّد المسلسل ونسب نجاحه.

يقع المؤلفون فى الحلقات الجديدة فى مأزق التكرار، والذى ربما يكون مقصودًا فى بعض الأحيان، كى تسير الأحداث فى جميع الأجزاء بنفس التناغم، إلا أنه لا شك  يشير إلى نوع من الإفلاس قد يضر بالعمل أو يضعه فى مأزق تفضيل أجزاء على أخرى.. فى الجزء الخامس، نجد إعادة لعدة حلول أخرجت العصابة من أزمات فى عملية السرقة الأولى، منها تجنيد «بروفسير العصابة - الفارو مورتى» لمفتشة المباحث «إليثيا سييرا - نجوى نمرى» وهو نفس ما حدث مع المفتشة السابقة «راكيل - إتزيار إيتونيو»، كذلك زراعة جهاز تصنت لفضح أفكار وأوامر ومؤامرات المسئولين عن الأزمة والتهديد بفضحهم بها علنًا فى حالة عدم تراجعهم عن الهجوم، أيضًا تضحية «طوكيو» بنفسها كى تنقذ زملاءها وهو الأمر نفسه الذى فعله من قبل «برلين - بيدرو ألونسو» فى نهاية الجزء الثانى..بالإضافة لإثقال الجزء الخامس بقصة لم تظهر أهميتها فى الحلقات الخمس الأولى نعود بها فى «فلاش باك» لـ «برلين» وكيف قام بعملية غسل مخ لابنه البار كى ينضم للعصابة. 

ومع ذلك لا يزال يتمتع المسلسل بالروح نفسها التى حققت له النجاح المدوّى الذى صاحبه منذ عرضه العالمى. الحبكات الصغيرة المتضافرة فى كل حلقة، الخروج من المآزق بمهارة تفوق التصورات، التناغم فى الأداء بين الشخصيات التى يندمج فيها الممثلون لأبعد مدَى، الإتقان فى كتابة وتنفيذ مَشاهد الحركة، الدقة فى الالتزام بالتفاصيل حتى وإن كانت لصور أو عبارات ستظهر أو تقال فى ثوانٍ معدودة.. كل هذه العوامل ساعدت ولا تزال على وصول (la casa de papel) لأعلى مستويات النجاح، وإن كانت هناك أسباب أخرى تتطلب العودة بالزمن قليلا للوراء.

قبل أربع سنوات، اعتبر هذا المسلسل هو قصة فشل، لمسلسل محلى، بممثلين ليسوا من الصف الأول، حول حكاية تبدو بسيطة ومكررة عن عملية سطو مسلح، لا جديد إذن.. ينجح الجزء الأول ويشاهده 4.5 مليون متفرج فى إسبانيا، ومع عرض الجزء الثانى ورغم أنه يستكمل حكاية الجزء الأول؛ فإنه يلقَى فشلا ذريعًا ويغلق ملف المسلسل ويكاد يذهب فى طيات النسيان، إلى أن تقرر منصة «نتفليكس» شراءه ووضعه فى قائمة المسلسلات العالمية.

من هنا تبدأ حكاية جديدة تمامًا وغير متوقعة مثلها مثل أحداث المسلسل الذى يغرق أبطاله أحيانًا فى محيط من الفشل ولكنهم ينجون وينتعشون. نجا المسلسل وانتعش ويومًا وراء يوم ارتفعت أعداد مشاهديه من جميع أنحاء العالم بجنون، واتسعت دائرة التعلق به لتصل لمحاولات قليلة بائسة لتقليد ما فعله أبطاله فى عملية سطوهم ومن ناحية ثانية أكثر عمقًا، صارت رموز المسلسل (البدلة الحمراء وقناع سلفادور دالى وأغنية بيلا تشاو) مصدرًا لإلهام المحتجين والمؤيدين، المتحمسين والمحبطين، السعداء والتعساء فى شتى بقاع الأرض من فيديوهات الأغانى المصورة وملاعب كرة القدم وصولاً لساحات وميادين التظاهرات والثورات.

ويأتى السؤال: ما الذى دفع مشاهدى المسلسل- وأغلبهم من فئة الشباب حول العالم- لهذا التعلق الشديد به؟ والإجابة تحمل عدة أبعاد، منها بالطبع الحالة الفنية للعمل ككل والذى استمر مع الأجزاء الثالث والرابع والخامس التى أنتجتها «نتفليكس»، ولكن العامل الأهم فى تعلق الشباب بهذا المسلسل أنه عبّر عن احتياجاتهم وأفكارهم المكبوتة وطرح وحاول أن يجيب عن الأسئلة الوجودية التى تشغلهم عن أهمية الحياة وقيمة الحرية ورفض سيطرة الرأسمالية والتمرد على الفاسدين من أصحاب النفوذ والمناصب العليا.

لقد جاء المسلسل فى لحظة كان الشباب فيها فى معظم أنحاء العالم، يعانون من فشل ثوراتهم، ورفض آرائهم وكبت حريتهم والسخرية من احتياجاتهم. وقد أفادت تلك الحالة المسلسل وجعلته يناصر الأفكار التى يصرخ بها الشباب على صفحات وسائل التواصل الاجتماعى ويعزف على نغمة الانتقادات التى توجّه للمسئولين وكيفية كشف وفضح التواءاتهم. وعلى المستوى الفنى ابتعد المسلسل عن السائد والمألوف والمتوقع، وأول بنود الخروج عن القانون الإبداعى هو الانتصار لما مفترض أن يكون شرًا.

طبعًا الحماس والتوحد مع هذا المسلسل ليس من أجل القيام بعملية سطو مسلح مشابهة كتلك التى يرتكبها الأبطال، ولكن لما تمثله تلك العملية وإجراءاتها من تمرد على الصورة الطبيعية المفروضة على حياة البعض رغم أن من يفرضون عليهم تلك الحياة يعيثون فسادًا فى الخفاء. التعاطف مع الأبطال يأتى بسبب لفظ المجتمع لهم، وفشلهم فى حياتهم الخاصة والعملية، عبور المسلسل لحدود المكان ينطلق من الانتصار لمبادئ وثوابت فى النفس البشرية أهمها الصدق والحب والخير فى مقابل الكذب والكراهية والشر. 

فى (la casa de papel) يتجسّد المعنى الحَرفى لتجاوز الفشل والإحباط، فرغم الخطتين المحكمتين لعمليتَى السرقة، وعمل حساب كل صغيرة وكبيرة ودراسة شتّى أنواع الفرضيات والتعامل معها؛ فإنه وكطبيعة الحياة تظهر أحيانًا معوقات تكاد تؤدى إلى الانهيار التام وضياع كل شىء وأهمها أرواح أولئك الأبطال الذين اختاروا الوقوف على حافة الموت لساعات بدلاً من المُضى فى دائرة الحياة لسنين.. ويتمكن السيناريو الذكى من التغلب على أى أزمة مَهما كانت قسوتها، وعلى الخروج من أى ورطة أيًا كان حجمها، والانغماس فى لحظات السعادة والحب مَهما كان قصرها.