الأحد 5 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

كنوز آمال العمدة.. موسى صبرى: أجد نفسى فى المعارك وفى الحب أيضًا!

هو أكثر الصحفيين إثارة للجدل؛ تعددت الآراء حوله وتحولت لاتهامات عديدة، أبرزها أنه عاش صحفيًا للسُّلطة ينشر أفكارها ويشيد بقرارتها وينتقد معارضيها، لكن مَهما تعددت الآراء وانقسمت فلا بُد أن تتفق على أن موسى صبرى كان مَدرسة صحفية رائعة له بصمات على الصحافة العربية الحديثة لن يمحوها الزمن، وتستحق معاركه الصحفية أن تدرَّس للصحفيين جميعًا؛ كبيرهم وصغيرهم، فبها يمكن أن تكون هناك صحافة حقيقية.. وهذا نص الحوار النادر الذى تنشره مجلة «روزاليوسف»..



 

آمال: أبدأ حديثى معك بحقيقة يعرفها كل صحفى فى مصر وقد لا يعرفها أحد من القراء، وهى أنك أفقر رؤساء مجلس إدارات الصحف فى مصر، وهذا فى رأيى شرف ووسام على صدرك.. فكيف حدث ذلك؟

- موسى صبرى: أنا لا أملك إلا راتبى حتى سيارتى اشتريتها بالتقسيط من أخبار اليوم وهى من طراز «فيات 132» وأقيم فى شقة منذ 23 عامًا دون أن أغيّرها، فراتبى يكفى ولله الحمد نفقات حياتى، وهناك إيراد من مبيعات الكتب لكنه محدود، فأنا أصدرت 18 كتابًا، والكتاب الوحيد الذى عاد علىّ بإيراد جيد هو كتاب «وثائق حرب أكتوبر»، ورُغم ذلك فهو إيراد لا يكفى للعَيش أيضًا، لكنه إيراد يساند فى الحياة.

آمال: هل يمكن أن تتسبب الصحافة فى فقر الإنسان؟

- موسى صبرى: نعم، فهناك مَن يراسلون الصحف العربية ويتقاضون مقابلًا مرتفعًا، وأنا طلب منّى أن أرسل مقالات إلى الصحف العربية، وكان مقابل المقالة الواحدة يساوى راتبى فى شهر كامل، ولكنى رفضت؛ بل هاجمت صديقى العزيز يوسف إدريس عندما كتب فى إحدى الصحف العربية عن عدم نظافة مصر، وكتبت أنا مقالة هاجمته فيها، ووجهة نظرى فى ذلك تتلخص فى أنه مادامت الكتابة فى مصر مباحة لنا، وهناك صحف معارضة يمكن أن نكتب فيها أيضًا ثم يأتى مَن ينتقد سياسة مصر أو ينتقد شيئًا فى مصر، هذا النقد المرير وينشره فى جريدة بالخارج وهذه الجريدة لا تستطيع أن تنتقد حكومتها فهذا شىء خاطئ ولا يمكن الموافقة عليه، وأنا أعلم أن المطلوب من المقالات التى تنشر بالخارج أن تتفق مع سياسة هذه الصحف، فإذا كانت سياسة هذه الصحف فى وقت ما هى الهجوم على سياسة مصر فهم يرحبون بمن يهاجم مصر فى الوقت الذى لا يستطيعون فيه مهاجمة حكوماتهم، لكننى أتساءل؛ لو أراد كُتابنا أن ينتقدوا سياسة هذه الدول فهل يمكن نشر هذه الانتقادات فى صحفهم ولو أنى ككاتب مصرى لى رأى فى سياسة هذه الدولة فمن المستحيل نشره فى صحفهم، وهذا فى الوقت الذى يساعدهم فيه الكتاب المصريون بتقديم مثل هذه المقالات التى تنتقد مصر، وأنا أرى أنه يجب على الكاتب المصرى أن ينتشر فى كل مكان، والكاتب المصرى منتشر ومطلوب دائمًا فى الصحف العربية، لكنهم كانوا فى الماضى ينقلون المقالات من الصحف المصرية ويشيرون إلى ذلك.

 

الخلاف السياسى مشروع بشرط التزام الصدق

 

آمال: موسى صبرى كاتب مختلف عليه، له أصدقاء يحبونه حتى النخاع وهم محدودون وله خصومه وطبيعتك ككاتب سياسى لا بُد أن يكون لك خصوم.. فهل هذه المعادلة فى ذهنك؟

- موسى صبرى: أنا مؤمن بأن الكاتب موقف قد يُرضى الناس وقد لا يُرضيهم، لكن أولًا يجب أن يُرضى نفسَه فلا يكتب إلا عن اقتناع وقد يكون مُخطئًا لكن المهم أن يكون مقتنعًا تمامًا بما يكتب، وأنا أرى أن الخلاف السياسى مشروع وأرى أن التعبير عنه مشروع أيضًا بشرط التزام الصدق فى الوقائع وأيضًا أمانة التعبير، ولهذا؛ فإن معظم من أخالفهم فى الرأى أرتبط معهم بعلاقات شخصية رائعة، فمثلًا أنا أختلف فى الرأى مع يوسف إدريس، لكنه فى الوقت نفسه صديق عائلى وزوجته كانت أقرب صديقة لزوجتى وحينما خاض الانتخابات على منصب نقيب الصحفيين وقفت ضده بعنف، وهو يذكر المواجهة التى حدثت بينى وبينه فى الجلسة الأخيرة قبل الانتخابات وكانت جلسة كبيرة فى صالة النقابة جمعت بينه وبين خصمه يوسف السباعى، ومواجهتى معه أسقطته وأهدت المنصب للسباعى، وأتذكر أننى دخلت القاعة ويوسف إدريس فى قمة الانتصار وكان يوسف السباعى يلملم أوراقه استعدادًا للرحيل، وهو قال لى إنه بمجرد دخولى وأنا أحمل فى يدى مظروفًا توجّس منّى خيفة وكنت أحمل معى أقوالاً قالها فى صحافة الكويت، ورسائل تلقيتها من مصدرين فى الكويت، وواجهته بها وكانت مواجهة خطيرة تسببت فى فشله، وكان هو قد قال لى من قبل إنه ينوى ترشيح نفسه فحاولت إقناعه بالعدول عن القرار وأكدت له أنى سأكون ضده، لكنه لم يقتنع بكلامى، ورُغم كل ذلك فبَعد انتهاء الانتخابات بيومين فقط تقابلنا مصادفة فاحتضننى بطريقة خرافية.

وهناك مَثل آخر؛ فقد قرر الأستاذ جمال الحمامصى خوض انتخابات منصب نقيب الصحفيين فنصحه كل من حوله بالعدول عن القرار؛ لأن الاتجاه لدى الجميع كان انتخاب صلاح جلال، لكنه قال إنه مصمم على خوض المعركة، وكنا نريد أن نتجنب حرج المواجهات التى ستحدث معه، ثم جاء إلىَّ وقال إنه يريد أن يجتمع بمحررى أخبار اليوم وكنا نحن أول مَن بدأنا تنفيذ فكرة أن يَعقد المرشحون اجتماعات عامة مع الصحفيين فى المؤسّسات الصحفية لهذا فقد وافقت على طلبه على الفور، لكنه اشترط أن أحضر الاجتماع فرفضت وأكدت له أنى ضده فى الرأى ولا أحب أن نتجادل ونتواجه أمام الجميع، وأصررت على موقفى، لكننى خشيت أن يغضب من ذلك ولهذا فقد عدلت عن قرارى فى اللحظات الأخيرة وحضرت الجلسة وأدرت المناقشات وواجهت الأستاذ جلال الحمامصى بالكثير من النقاط مع الالتزام بأدب الحوار ومرّت الجلسة بسلام واستغرقت نحو ثلاث ساعات كاملة، وشكرنى بعدها جلال الحمامصى بشدة، ورُغم ذلك فقد استمررت فى الوقوف ضده بالانتخابات ولم يؤثر هذا على موقفنا وروابطنا الإنسانية.

 

تعرضت لمحنة الحب الأفلاطونى

 

آمال: إذن؛ خصومك فى المواقف مقرّبون إليك إنسانيًا؟

 

- موسى صبرى: أنا أرفض كلمة خصوم؛ بل هم مخالفون فى الرأى، فأنا مثلًا أختلف سياسيًا مع عبدالرحمن الشرقاوى ولكنى أعتبره رجلًا يساريًا مصريًا حتى النخاع، وهو صديق روح، وفتحى غانم أيضًا صديق عقل وروح رُغم اختلافى معه، لكنى عرفت فتحى غانم حينما عملت فى الصحافة أمّا عبدالرحمن الشرقاوى فقد تعرفت عليه عام 1939 حينما التحقت بكلية الحقوق وكان زميلنا أيضًا الدكتور زكى الشافعى الذى أصبح وزيرًا فيما بعد، وكان عمرى وقتها 15 عامًا وكان «الشرقاوى» أكبر منّى سنًا وكان هو وقتها ينتمى للحزب الوطنى، وكنت أنا حائرًا سياسيًا حتى أننى كنت أتجوّل بين كل الأحزاب فأعجبت فى وقت ما بمكرم عبيد وذهبت فى فترة إلى حزب السعدى لأستمع إلى إبراهيم عبدالهادى وحزب الأحرار الدستوريين لأن رئيسه محمد حسين هيكل رجل من قمم الفكر المصريين وكان يمتاز عن كل رؤساء الأحزاب بأنه رجل مثقف وصاحب فكر وكنت أستغرب لأنه رجل تقدُّمى فكيف يمكن التوفيق بينه وبين أعضاء الحب الذى يمثل الأقلية، المهم كانت هناك حالة يأس عام فى الإصلاح، لكنّ شيخًا جليلًا فى هذه الفترة كان يجمعنا حوله وهو أحمد لطفى السيد الذى كان يجمعنا فى فندق سيسيل ويؤكد أن شيئًا سيحدث ليصلح الأمور، وأن هناك من الجيل الجديد من سيغير هذا الموقف، وأن الاستمرار فى هذه الظروف الصعبة مستحيل، وكان عبدالرحمن الشرقاوى يعاملنى كالأخ وكنا نذاكر دروسنا معًا فى منزل شقيقه بالحلمية وكنا نقيم هناك لعدة أيام وكتب هو شعرًا عنّى وكنت راوى شعره فى ذلك الوقت، فقد كان يكتب أبياته على أى ورقة أمامه ثم يرميها أمّا أنا فكنت أحفظ هذه الأبيات، وبدأنا معًا السياسة وتحوّل هو من الحزب الوطنى إلى اليسارية وأخذ منها الماركسية وأخذت أنا أتحوّل من حزب إلى حزب ورُغم ذلك كنا أصدقاء حميمين، وفـى محنـتى الـعـاطفية ساندنى الشرقاوى والدكتور زكى الشافعى بقوة ووقفا معى وقفة نظام صارمة حينما بدأت أهتم بمحبوبتى أكثر من دروسى وذكرانى بأنى ما جئت إلى القاهرة إلا لكى أتعلم وأن والدى يكدح من أجلى فأعادانى إلى رشدى؛ حيث كنت قد تعرضت لمحنة الحب الأفلاطونى المجنون فى سن السادسة عشرة ودائمًا الحب الأول يعطى لمن لا يستحق وكنت شابًا صغيرًا قادمًا للتو من أسيوط، والقاهرة كلها كانت غريبة عنّى، وهكذا عشت مع عبدالرحمن الشرقاوى فى رباط روحى رائع وحتى بعد تخرُّجنا فى الجامعة التقينا بعد ذلك فى أخبار اليوم واستمرت حياتنا معًا.

 آمال: هل هناك أحداث أو مَشاهد معينة أثرت فيك خلال هذه الفترة؟

- موسى صبرى: هناك عدة مَشاهد لا يمكن أن أنساها حدثت خلال هذه الفترة بالفعل، ففى الرابع من فبراير سنة 1942 حدث حصار عابدين الشهير بالدبابات الإنجليزية؛ حيث قال أحمد ماهر باشا يومها إن النحاس باشا قبل الوزارة على أسنّة الحراب، وفى اليوم التالى لتأليف وزارة الوفد ذهبت إلى النادى السعدى وخطب هناك مكرم عبيد وكان يجلجل الجماهير بخطبه التى كان يستخدم فيها أسلوبًا شعبيًا، وقال- قاصدًا أحمد ماهر باشا-: إن الذين يقولون إن النحاس باشا قبل الوزارة على أسنّة رماح الإنجليز كانوا يرجونه أن يختارهم فى وزارته، وأكد أن النحاس باشا لم يقبل تأليف الوزارة إلا بعد أن تبادل خطابات مع السفير البريطانى أكد فيها السفير أنه لن يقبل أن تتدخل بريطانيا فى الشئون الداخلية لمصر وبَعدها بيومين فقط ذهب السفير البريطانى لتهنئة النحاس باشا، والمَنظر الذى لا أنساه أن جماهير شباب الوفد حملت السفير الإنجليزى رمز الاستعمار على الأعناق وهتفوا بحياته، وكانت كل هذه الأحداث مؤثرة جدًا فى حياتى كشاب فى الثامنة عشرة من عمرى.

وفى حادث آخر كنا نذهب كشباب إلى أحد الزعماء الحزبيين؛ حيث كان يريد حشد المظاهرات ضد الحكومة، فكان يخطب فى الشباب مؤكدًا أنه لا بُد للشعب أن يُعَبر عن رأيه بمنتهى القوة والعنف، وكنا نخرج من اجتماعاته ونحن مقتنعون تمامًا بأنه يجب أن نتظاهر ونُعبر عن رأينا، ونفس رئيس الحزب هذا أراد أن يهادن الحكومة بعدها بفترة وجيزة فبدأ يحدثنا عن فلسفة غاندى فى المقاومة السلبية، وأنه ثبت له من قراءة التاريخ أنها أنجح وأقوى فلسفة؛ لأنها هزت الإمبراطورية وكان يعمل لحسابه الشخصى، وطبعًا هذا التناقض الغريب كان من المؤثرات التى عشتها فى شبابى.

 

لكل زعيم فى العالم أخطاؤه

 

آمال: بعد موت السادات أنت أحد القلائل الذين لم يغيروا جلدهم على الإطلاق ولا أظن أن فى هذا الأمر حسابات شخصية بسبب الخوف من فتح الماضى..

 

- موسى صبرى: الأمر ليس تغييرًا للجلد، لكن تأييدى لحُكم أنور السادات كان عن اقتناع كامل ولو لم يكن هناك اقتناع كامل لما كنت قد عملت فى عهده، وذلك لأسباب بسيطة جدًا فأنا بعد شهر مايو سنة 1971 حدث تفكير فى تشكيل مجالس إدارات الصحف ولم يكن هناك مجلس إدارة فى أخبار اليوم وكنت أنا رئيس تحرير الأخبار، وكان يوسف السباعى رئيسًا لتحرير آخر ساعة، وإحسان عبدالقدوس رئيسًا لتحرير أخبار اليوم، وقاسم فرحات مكلفًا بالمسائل المالية، وأظن أن فى المؤسّسات الأخرى كان هناك رؤساء مجالس إدارة منوطون بسُلطات إدارية، فأراد السادات بعد مايو أن يشكل مجالس لإدارات الصحف فاعتذرت أنا عن تعيينى رئيسًا لمجلس إدارة أخبار اليوم، وكنت قد مرضت قبل اختيار رؤساء مجالس الإدارات بثلاثة أسابيع والدكتور عبدالقادر حاتم شاهد على هذا، فقد كان يشغل وقتها منصب نائب وزير الإعلام وشارك فى تكوين مجالس الإدارات مع السادات، وجاءنى إحسان عبدالقدوس فى المستشفى وشكرنى وأخبرنى أن السادات أخبره أننى أنا الذى رشحته لهذا المنصب، فأنا لم أكن راغبًا فى هذا لأنى أشعر أن العمل بالإدارة يقتطع الكثير من وقت الصحفى، وبعد ذلك حينما فكروا مرة أخرى فى تشكيل مجالس إدارات الصحف فى عهد السادات وكان الدكتور عبدالقادر حاتم رئيسًا لمجلس إدارة الأهرام وعلى أمين رئيسًا للتحرير وعقد اجتماع فى مكتب الدكتور حاتم بالأهرام بيننا أنا وهو وعلى أمين والاثنان ظلا يقنعانى لمدة ثلاث ساعات بأن أوافق عرض اسمى لكى أكون رئيسًا لمجلس إدارة أخبار اليوم لكننى اعتذرت وأكدت لهم أنى لا أرغب فى هذا وسافرت فى اليوم التالى إلى خارج البلاد وتركت الأمر برمته، فعندما يكون التأييد مجردًا من أى نفع فمن المؤكد أنه عن اقتناع. وأنا كنت أقول دائمًا لمن يعارضون السادات فى الجزئيات إن رئيس الدولة أو الزعيم لا يؤخَذ أبدًا بالجزئيات؛ لأن لكل زعيم فى العالم أخطاءه، لكنى حينما أنظر إلى أنور السادات فأنا أراه كله، فهو مثلًا الذى ألغى الحراسات وهو الذى تخلص من الوجود العسكرى السوفيتى، وهو الذى قاد حرب أكتوبر، وهو الذى فتح قناة السويس وعَمّر مدن القناة، وهو الذى صَنع السلام، وهو الذى أحيا الانتماء المصرى، فحينما نختلف معه فى جزئية من الجزئيات فلا بُد من إحداث نوع من التوازن بين السلبيات والإيجابيات، وذلك لكى نرى الإنسان بكامل أفعاله، لكن حتى الجزئيات أو الإجراءات التى اتخذها السادات ولم أقتنع أنا بها كنت أناقشه فيها إذا أتيحت لى الفرصة، وكان هو يشرح وجهة نظره باستمرار، لهذا فأنا أكتب عن السادات بقناعة تامة وبعض الناس يتساءلون عن سبب هذه الكتابات ويقولون إنها نابعة من وفائى له، وهذا ليس صحيحًا، فالوفاء معناه أننى قد أغطى على بعض الأشياء فى حياته لكنى أكتب ما أكتب عن قناعة تامة.

 

أصبت بثلاث صدمات

 

آمال: إذن؛ هل تشعر بأن البعض قد غير جلده بعد موت السادات؟ - موسى صبرى: الحقيقة أننى فى الفترة الأخيرة شعرت أنى أصبت بثلاث صدمات عنيفة؛ أولها صدمة اغتيال السادات وكيفية موته، والثانية فقدى لزوجتى، أمّا الصدمة الثالثة فهى ما أراه من البعض سواء من الكُتّاب أو غير الكتّاب ممن استباحوا لأنفسهم أن ينهشوا جثمان السادات ومنهم أشخاص ليسوا معروفين فى الحياة العامة وأنا أعرف ماذا قدّم السادات لهم من خدمات جليلة، وأنا أرى أن هذه المرحلة ليست مرحلة نبش فى الماضى؛ بل يجب تناوُل الماضى فيها بأسلوب موضوعى؛ لأنها ليست مرحلة معارك جانبية وأنا أستفز كثيرًا من الدخول فى هذه المعارك وأمنع نفسى عنها تمامًا اقتناعًا بعدم فائدتها رُغم أنى مقاتل بطبيعتى. 

 

أكتب بثلاثة أساليب مختلفة

 

آمال: لماذا تزدهر صحفيًا حينما تهاجم أحدًا؟

 

- موسى صبرى: أنا لا أحب كلمة الهجوم، فأصدقائى يقولون لى إنهم يقرؤون لى ثلاثة أساليب مختلفة، فأحيانًا أكتب مقالًا سياسيًا تحليليًا هادئًا جدًا وفى أحيان أخرى أكتب مقالًا سياسيًا عنيفًا وناريًا، وأحيانًا ألجأ لكتابة الرومانسيات والصوتيات، والحقيقة أنى أكتب بالفعل فى هذه النوعيات الثلاثة، وفتحى غانم له تحليل لطيف فيقول إننى مثل فرسَىْ رهان يتنازعان التقدم دون أن يسبق أحدهما الآخر فى العقل والعاطفة، فأنا لا أحمل عقلًا باردًا ولا أحمل عاطفة باردة؛ بل حينما أرى من يكتب رأيًا أجد أنا أنه ليس مجرد رأى؛ بل عملية تشهير ورأى يخفى دوافع شخصية أعرفها أنا، وأعرف تفاصيلها أو اتفاقات بين متناقضات كاملة للنَّيْل من شىء بهدف النَّيْل فقط، هنا يكسب فرس العاطفة ولكن هذه هى نفسى وأنا لا أستطيع إلا أن أعبر عن نفسى، وهناك مثال بسيط مع محمد حسنين هيكل فقد أجريت معه حديثين وموقفى واضح من آراء هيكل بينى وبينه ليس خلافًا شخصيًا على الإطلاق بل هو خلاف موضوعى مائة بالمائة، ولن أذكر موضوع الخلاف لأننى كما قلت ضد الخلافات الجانبية ولكن ما حدث أنه بعد رسالة للمصور التى كان يبرّر فيها أحاديثه لجريدة الصنداى تايمز البريطانية والصحف العربية واجهته أنا بالحقائق، وأنا عندى أرشيف أحتفظ به وأطوّره باستمرار ليس لهيكل فقط بل لكل كتّاب مصر ووجدت فعلًا أن ما كتبه هيكل يلزم الرد عليه، والحقيقة لم يكن العقل هو الذى يحكمنى فى هذا الموقف بل هى العاطفة لأننى تألمت جدًا أن يصدر على لسان هيكل فى صحف خارجية كلام غير موضوعى تمامًا عن أنور السادات، وهيكل له روابط عميقة معروفة بالسادات، أمّا دور العقل فكان يمر أمامى حجج كثيرة وأمام ما جاء على لسانه أيضًا فى أثر من جريدة عربية وأجنبية وأرى أنه متناقض وحدث صراع العقل فترددت يومين كاملين فى نشر المقال ردًا على هيكل لأنى كنت أشعر باستمرار أن المرحلة التى نعيشها ليست مرحلة معارك جانبية لكن بالفعل أيضًا توصلت إلى أنها حقائق لا بُد أن نتوقف عندها لكى يعرفها الجميع.

ويضيف: والحقيقة أن الخطابات التى تلقيتها تأييدًا لهذا الرد كانت هائلة وأشعرتنى براحة شديدة لكنى لم أستقبل هذه الردود بسعادة فأنا عبّرت عن موقف وأنا فى مواقف أخرى أتلقى خطابات عكس ذلك، لكنها أشعرتنى بشىء مهم؛ خصوصًا أنها من جهات مختلفة وفئات متفاوتة وبلاد متعددة، وهذا أسعدنى بأن ما يقال بصفة عامة من تجريح للزعماء بعد موتهم يقابل بتفكير من هذا الشعب الذى قد ينتقد بعض الجزئيات لكنه فى ساعة الجد يكون له من زعمائه مواقف أخرى.

 

آمال: هل تعتقد أن من الطبيعى أن يختلف رئيس مجلس إدارة قومية مع الدولة، بمعنى هل اختلفت مع السُّلطة الشرعية فى البلاد فى عهد السادات؟

 

- موسى صبرى: فى كل دول العالم المتحضر سياسة الدولة الخارجية تحميها صحافتها، ففى إنجلترا مثلًا قد يحدث نقد لتصرف سياسى، لكن إذا جئنا لمصالح الإمبراطورية فهى توضع فى المرتبة الأولى حتى فى حالة النقد، وفى أمريكا تعبر الصحف عن قوَى معينة، لكن عند النظام الرأسمالى فإن صحف أمريكا كلها بقواها المختلفة والمتناقضة تحمى هذا النظام وسياسته وتضع المصالح القومية فوق كل اعتبار.

 

آمال: إذا كنت محررة فى صحيفتك وأجريت تحقيقًا يظهر شرخًا فى الجهاز الإسكانى فى هذه الدولة؛ فهل تنشره؟

 

- موسى صبرى: أنشره طبعًا، ونشرت مثله الكثير ومقالاتى فى الشئون الداخلية على مدى سنوات تؤكد هذا الكلام.

 

آمال: إذن؛ ما الذى تمنعنى عن الخوض فيه؟

- موسى صبرى: أوقفك حينما تقولين مثلًا إن معاهدة كامب ديفيد خيانة وطنية كما كانت تردد إذاعات الرفض وإذاعات موسكو وكما كان يصفها بعض المعارضين ويقولون إنها بيع للقضية، والشعب المصرى بملايينه أيَّد كامب ديفيد وأيَّد السلام وكما حدث فى عهد عبدالناصر حينما أعلن الإصلاح الزراعى أصبحوا من خريجى الجامعات وأساتذة كبار منهم من حصل على شهادته من الخارج ولكن فى هذا الوقت أعلن البعض أنهم ضد الإصلاح الزراعى، وهذا ما أوقفه بسبب حرصى على المصلحة القومية العليا.

 

آمال: ألا ترى أن «المصلحة القومية العليا» يمكن أن تكون كلمة مطاطة؟

 

- موسى صبرى: لا يمكن أن تكون المصالح القومية العليا للبلاد كلمة مطاطة؛ بل هناك حقائق تحكم كل شىء، فالشرعية مثلًا معناها سيادة القانون وتطبيق الدستور وغير ذلك من المفاهيم التى لا يمكن الاختلاف عليها.

 

آمال: اتفقنا أن رئيس الدولة لا يؤخذ بالجزئيات؛ ولكن هل كنت تختلف مع السادات فى قضايا عامة أو فى أسلوب شىء معين؟

 

- موسى صبرى: اختلفت معه فى كثير من الأشياء وكنت أتحدث معه فيها لكنها لم تكن فى الأساسيات.

 

آمال: ولماذا لم يكن يبدو للقارئ أن هناك خلافًا؟

- موسى صبرى: لأنى كنت أرى أن المعارضة كانت تركز على هذه الجزئيات وتضخمها وتعتبر أنها هى القضية الأساسية تاركة القضايا الأهم منها وفى النهاية فأنا لم أكتب شيئًا لا أقتنع به.

آمال: هل تشعر أن الصحافة الحزبية هى إضافة غير رسمية للصحافة القومية؟

- موسى صبرى: أنا أرى أن الصحافة القومية تنشر أكثر مما تنشره الصحافة الحزبية فى الكثير من القضايا.

الصحافة الحزبية لن تُعمّر

آمال: إذن؛ فما وجهة نظرك مهنيًا فى الصحافة الحزبية؟

- موسى صبرى: أعتقد أنها لن تُعمّر طالما بقيت على الشكل الذى توجد عليه حاليًا، وهذا الرأى ينطبق أيضًا على صحافة الحزب الحاكم، فلا بُد لكل صحيفة تعبر عن وجهة نظر معينة أن يكون لها هيئة تحرير خاصة بها، فكل محررى الصحف القومية يعملون بالصحف الحزبية، فمثلًا حسين عبدالرازق رئيس تحرير جريدة الأهالى محرر فى الأخبار، وحامد زيدان رئيس تحرير الشعب محرر فى الأخبار أيضًا، وسافر إلى السودان مؤخرًا مندوبًا عن الأخبار، ولذلك فقد كتب موضوعين مختلفين فى الأخبار والأهالى، والحقيقة أنا لا أوجّه اللوم للصحف الحزبية على ذلك بل ألفت الانتباه فقط وأحلل الموقف، فالأحزاب السياسية لا تزال جديدة والحزب الوطنى هو الوحيد صاحب القاعدة الجماهيرية الواسعة لكن بقية الأحزاب قليلة وكلها أحزاب جديدة، وكذلك فإن تجربة الصحافة الحزبية جديدة ولم تتشكل ملامحها بعد لأن العمل الحزبى نفسه لم ينتظم وكادرات الأحزاب التى من المفروض أن تتشعب وتصل إلى كل قرية لم تحدث.

 

السادات لم يكن فى حاجة إلى من يكتب له خطاباته

 

آمال: هل كنت تكتب خُطب الرئيس السادات؟

- موسى صبرى: كل رئيس دولة فى العالم له كاتب لخُطبه، وفى أمريكا مثلًا يعين صاحب هذه الوظيفة بشكل رسمى لأن رئيس الدولة لا يمتلك الوقت الكافى لكتابة الخُطب، ومن الممكن أن يرتجل لكن لا بُد أن يكون هناك كاتب لخُطبه، فالرئيس يقول الأفكار وكاتب الخُطب يصيغها.

 آمال: وأنت عشت هذه التجربة؟

- موسى صبرى: نعم عشتها، لكن الحقيقة أن السادات لم يكن فى حاجة إلى من يكتب له، فهو كاتب بطبيعته وكان دائمًا حينما يمسك القلم يأتى بأفعال عجيبة، فكان يستمتع بالكتابة جدًا، ويكتب بخط جميل، وكان هيكل يكتب خطب الرئيس السادات ثم تولى أحمد بهاء الدين المهمة حتى بعد حرب أكتوبر إلى أن سافر من مصر ثم بدأتُ أنا الكتابة.

 

بهاء يحلل وأمين يتذكر

 آمال: بمناسبة ذكر أحمد بهاء الدين هناك رأى حول كتاباته يقول إنه قادم ليكتب وليُذكر الناس بالناصرية.. فما رأى موسى صبرى المهنى فيما كتب أحمد بهاء الدين بعد العودة؟

- موسى صبرى: أولًا أنا رحّبت به فى الصفحة الأولى وبعض الناس قالوا إنه ترحيب غير برىء، وهذا غير صحيح لأنى طول عمرى أحترم بهاء كمُحلل للمواقف، وهو لم يخرج من مصر بسبب وجود خلاف بل استأذن الرئيس السادات الذى أكد عليه بضرورة استمراره فى كتابة مقالته الأسبوعية بالأهرام وكان يكتبها بالفعل.

 

آمال: لكنها مُنعت فى فترة من الفترات؟

- موسى صبرى: الحقيقة أن السادات لم يمنع هذه المقالة لكن ما حدث أنه فى فترة معاهدة كامب ديفيد كانت قضية السلام هى القضية المثارة، وأرسل بهاء مقالته للأهرام وكان موضوعها وزارة الثقافة، وكنا وقتها رؤساء التحرير فى الطائرة مع الرئيس السادات فى إحدى الرحلات وكان يجتمع عادة مع رؤساء التحرير فى رحلة العودة لكى يجيب عن أسئلتهم واستفساراتهم وكان السادات يحب بهاء ويحترمه وقال متعجبًا: «هل المشكلة فى بلادنا الآن هى وزارة الثقافة تغييرها أو إلغاؤها؟!» لكن الحقيقة هو لم يمنع بهاء من الكتابة ولا أعلم ما حدث بعد ذلك ولا أعرف إن كان بهاء قد أرسل مقالات أخرى ومُنعت أمْ لا.

 

آمال: يكتب مصطفى أمين مقالات تحت عنوان «مصطفى أمين يتذكر» فهل ترى أن ذاكرة مصطفى أمين لم تصدأ بعد؟

- موسى صبرى: مصطفى أمين يمتاز بذاكرة حقيقية لكن حينما قرأت هذه السلسلة من المقالات التى نشرت فى مجلة سعودية تصدر فى لندن وكانت خمس مقالات شعرت بأن ذاكرته خانته فى واقعة قال فيها إنه جاء فى تقرير رفع إلى الرئيس السادات أن فؤاد سراج الدين ينوى أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية وأن الرئيس السادات طلب منّى أن أهاجم فؤاد سراج الدين فهاجمته، فذكّرته أنا بأن هذا غير صحيح ولم يحدث مطلقًا لأنى كتبت عن فؤاد سراج الدين ردًا على مقالة لأحمد أبو الفتح قبل أن يظهر فؤاد سراج الدين فى الحياة السياسية بسنتين، أى أنه لا علاقة لها على الإطلاق بما قاله مصطفى أمين لأن فؤاد سراج الدين لم يكن له وقتها هذا الموقف السياسى المعروف ولا كوّن حزبًا واعترف مصطفى أمين لى بأن الأمر قد اختلط عليه.

 

الألم يُخرس كل شىء

 آمال: قلت إنك تعيش فى شقتك منذ 23 عامًا دون تغيير؛ فكيف ذلك وأولادك على وشك التخرج فى الجامعة؟

- موسى صبرى: حينما بدأ الأولاد يكبرون أصبحنا بحاجة إلى شقة أكثر اتساعًا وأصبحت أمام خيارين إمّا أن أترك شقتى وأحصل على خلو رجْل، أو أن أبحث عن شقة وأدفع «خلو رجْل» وأنا لا يمكن أن أتعامل بهذه الطريقة وشقتى عبارة عن حجرتين وكانتا حجرتى نوم الأولى لى أنا وزوجتى الراحلة أنجيل وبها مكتب صغير لى وحجرة نوم أخرى لأولادى الثلاثة، فقد نظمناها بطريقة بحيث تتسع لثلاثة أسرّة مع مكتب واحد لهم وهناك صالة نضع فيها السفرة وحينما التحق أشرف بكلية الهندسة نشأت مشكلة لأنه يريد مساحة لرسم اللوحات والشقة كان فيها بلكونتان إحداهما مساحتها أكثر من متر فى ثلاثة أمتار ونصف فأغلقناها ووضعنا فيها مكتبًا آخر.

 آمال: ما الذى يخرس الضحكة المجلجلة؟

- موسى صبرى: الألم هو الذى يخرس كل شىء وكاذب من يدعى أنه يستطيع أن يتحدى الألم، وأنا مررت بتجربة كنت أشعر خلالها بالألم طوال الليل والنهار وسافرت إلى أمريكا حيث استطاعوا بالأشعة أن يخلصونى من هذا الألم وذلك بعد نحو ثلاثين جلسة ولكن حل محل الألم حالة تشبه «نصف الكومة» أو نصف الغياب.

 آمال: لكنى أراك فى نشاط عقلى دائم؟

- موسى صبرى: هذا يرجع إلى أننى خرجت من مرحلة الألم بمشكلة وهى أننى أنتظر الموت، ولكن الموت لا يجىء، ففى جسدى تركيبة غريبة الشكل، فكل ما فيه يعمل بأداء سليم، القلب والضغط والمعدة والكبد، وكل ما فى جسمى، وفى الوقت نفسه أفقد السيطرة على جسمى لأن العضلات ضمرت فلا أستطيع أن أتحرك سنتيمتراً واحدًا، فالناس يخشون الموت والإنسان بطبعه يقاوم الموت ويكرهه أمّا أنا فحالتى عكسية أنتظر الموت.

 

آمال: حينما عدت من رحلة العلاج كانت لديك إرادة قوية وقلت إنك تعلم الآن مما تعانى مرضًا وبالتالى فإن الذى يعرف هو أقوى الناس فهل وهنت هذه الإرادة؟

- موسى صبرى: لقد كنت واهمًا فقد كنت أتصور أن عملية ضمور العضلات ستعود إلى ما كانت عليه، لكنها لم تعد وأنا أؤكد أن ما يقال عن أن فلانًا يتحدى الموت بإرادته هو كلام فارغ وهلوسة، أما الواقع فهو ما نعيشه والخالق وحده هو الذى يقدر الموت.

 آمال: قلت شيئًا عن كتاب هولندى يحتوى على فكرة أثارت تعجبى وهى أن الانتحار وسيلة للتخلص من الألم.. فما الذى قرأت فى هذا الكتاب؟

- موسى صبرى: الحكاية أن القضاء فى هولندا أقر مبدأ أن الطبيب يمكن أن يساعد المريض على التخلص من آلامه وهى قضية مطروحة الآن فى أمريكا يؤيدها البعض ويرفضها البعض الآخر.

 

آمال: هل تعتبر أنك أتممت رسالتك الصحفية؟

- موسى صبرى: الصحافة مستمرة كالحياة ولا نهاية لها أمّا بالنسبة لى فقد بذلت الكثير من الجهد فى رسالتى الصحفية.

 

آمال: ما الذى استفدته من رحلة المرض والعلاج؟

- موسى صبرى: إن الإنسان هو قدرة على التحمل.

 آمال: هل عشت نوعًا من الألم غير ألم المرض؟

- موسى صبرى: لا يوجد إنسان يخلو من الآلام، فهناك ألم عضوى وألم نفسى يهاجمان الإنسان دائمًا.

 آمال: أتذكر أنك قلت إنه فى أمريكا على سبيل المثال هناك حالة تسيُّب مطلق فى المجتمع، وقلت بالحرف الواحد إن المجتمع المصرى لا يزال بخير؟

- موسى صبرى: نعم قلت ذلك، فحضارة أمريكا بدأت فى الانهيار وأصبحت أمريكا مجرد أجهزة فقط وأصبح مجتمعها هو مجتمع الجنس الشاذ بطريقة مخيفة وأصبح الإعلام أداة للهدم باستخدام أقذر الألفاظ فى الحوار العادى على الشاشة، وأنا أؤكد أن أمريكا ليست فى أحسن أوقاتها.

آمال: هل كل وجوه المرض قبيحة بمعنى أنه لا يوجه وجه واحد جيد فى المرض؟

- موسى صبرى: بل هناك التأمل والصبر ومحاسبة الذات واستعراض شريط الحياة.

 آمال: أنت كتبت كثيرًا عن الموت فى مقالاتك؟

- موسى صبرى: هذا صحيح، فمجموع ما كتبته فى مقالاتى عن الموت، وفكرة الموت، وماهيته، ولماذا نموت، يجمع على الأقل كتابين مجلدين ضخمين.

 آمال: لماذا تأصَّل هذا المعنى بداخلك؟

- موسى صبرى: الحقيقة أنا لا أعرف ولكنى أتأمل بالفعل هذه الأفكار الخاصة بالموت والحياة، وفى هذا فقد تأثرت جدًا بغاندى فقرأت الكثير مما كتب عن حياة غاندى التى تمثل لى حياة قديس.

 آمال: من الواضح أنك خضت تجارب متعددة مع الموت؟

- موسى صبرى: أول مرّة رأيت فيها الموت كانت مع جدّى الذى توفى وأنا مازلت طفلًا، ثم توفى أحد أصدقائى المقربين منّى فى كلية الحقوق وموته الفجائى جعلنى أعى ما هو الموت، ثم جاءت تجربة حياتى الشخصية حينما توفيت زوجتى بعد رحلة عذاب طويل مع المرض.

 آمال: الذى يدرك بهذا الأسلوب معناه أنه إنسان يركن إلى حد كبير جدًا إلى الهدوء، لكن نصف وزنك معارك وتحديات؟

- موسى صبرى: لم يكن هناك استسلام فيما أكتبه عن فكرة الموت؛ بل هناك تساؤل.

هذه محاولات لاستفزازى

 آمال: هل تجد نفسك فى المعارك؟

- موسى صبرى: أجد نفسى فى المعارك وفى الحب أيضًا.

 

آمال: حينما تقرأ ما يكتبه معارضوك أو مَن هم على خصام معك ويقولون إن الشارع يرفضك ككاتب؛ فمن أين يأتون بهذا المعنى القاسى؟

- موسى صبرى: هذه محاولات لاستفزازى لكن ترمومترى هو الخطابات التى أتلقاها، فأنا أحتفظ مثلًا بآلاف الخطابات التى تلقيتها حينما هاجمت ما كتبه هيكل عن السادات وهى تكفى لعمل ستة مجلدات وهى خطابات تحمل نبض الشارع وهو نبض يرحب بما أكتب وأطرح من أفكار وأنا دائمًا حريص على أن أرى أثر ما أكتبه.

 

آمال: ما هو أقسى ما مَرّ فى حياتك الصحفية؟

- موسى صبرى: حينما أوقفت عن العمل فى الصحافة ثلاث مرّات فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر وكانت هذه الفترات هى أقسى الفترات علىَّ فى العمل الصحفى، لكن من مميزات العمل الصحفى أن ما يحدث اليوم يصبح غدًا منسيًا وأنا نسيت هذه الأحداث.

التكامل «المصرى- السودانى»

 آمال: هل يمكن أن تضع هذه الكلمات فى جمل مركزة للغاية؟ التكامل «المصرى- السودانى»:

- موسى صبرى: يجب أن يكون عملًا إيجابيًا فى حدود الإمكانيات المتاحة.

- مدحت عاصم: ملهم شبابى وشيخوختى.

- السينما: زوجتى الأولى المهجورة بعد التليفزيون.

- مصطفى أمين: موهبة صحفية حقيقية، الحقيقة فيها كأنها الخيال والخيال فيها كأنه الحقيقة.