السبت 16 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
الحقيقة مبدأ.. «الأبرتهايد» الصهيونى

الحقيقة مبدأ.. «الأبرتهايد» الصهيونى

ينتهج الكيان الصهيونى سياسة تهدف إلى تهجير فلسطينيى الضفة الغربية من مدنهم بشكل عام ومدينة القدس وأحيائها واستبدالهم بمستوطنين صهاينة، بهدف تحجيم الوجود الفلسطينى بالضفة والقدس؛ حيث يوجد المسجد الأقصى وحى الشيخ جراح الذى يكرهون صاحب اسم الحى ذلك لأنه الطبيب الخاص بـ«السلطان صلاح الدين»، هذا التهجير القسرى والتحجيم يتم مقابل زيادة الوجود الصهيونى فيها.



استهدف الكيان الصهيونى من هذه السياسة أربع مناطق عربية، اثنتان فى حى الشيخ جراح واثنتان فى «سلوان» جنوب مدينة القدس، تبدأ العملية بالتهجير القسرى وهدم منازلهم واستبدالهم بالوجود الصهيونى وبناء المستوطنات للسكان الجدد. فلسطينيو القدس رفضوا تلك الإجراءات التعسفية وقرّروا المقاومة، كما سبقهم فلسطينيو الضفة، وجاءت هذه الانتفاضة التى شملت جميع مدن القطاع؛ بل أيضًا دعمها  عرب 1948 فى الضفة الشرقية قاطبة، ما حدث من سلوكيات الصهاينة دفع إلى فتح ملفات حقوق الإنسان والتمييز العنصرى الذی يتبعه الكيان الصهيونى ضد الشعب الفلسطينى، وجاءت الرياح بما لا تشتهى السفن؛ حيث استدعى الحاضر الماضى القريب، والذى حدث فى القدس أخيرًا والممارسات الصهيونية العنصرية تجاه الشعب الفلسطينى، أدى إلى استدعاء حدث وقع منذ 4 سنوات فى مارس 2017، حيث نشرت منظمة «الاسكوا» التابعة للأمم المتحدة تقريرًا اتهم الكيان الصهيونى بممارسة نظام فصل عنصرى أو ما يدعى «بالأبرتهايد» ضد الفلسطينيين وبعد نشره بيومين طالبت الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية رسميًا بسحب التقرير وتعرضت الأمينة التنفيذية   للاسكوا -آنذاك- لضغوط من الأمين العام للأمم المتحدة من أجل سحب التقرير، الأمر الذى اعتبرته الأمينة التنفيذية تدخلًا سياسيًا فى تقرير بحثى، اعتمد على معطيات قانونية أعدها خبراء «دوليون»، بأن اتهام أى دولة فى العالم بتطبيق نظام الفصل العنصرى أمر غاية فى الخطورة، مما يترتب عليه من تبعات قانونية وعقوبات دولية تستوجبها القوانين الأممية، كما تقتضيها الاعتبارات الإنسانية والحقوقية؛ ولذلك كان من الطبيعى أن تقف الولايات المتحدة والعديد من دول العالم وبخاصة الدول الغربية منها ضد هذا التوصيف للكيان الصهيونى، وعليه قام الأمين العام للأمم المتحدة بسحب التقرير نتيجة تلك الضغوط التى مورست، ذلك لأنه وطبقًا لهذا التقرير فسوف يتهم الكيان الصهيونى بـ«الأبرتهايد» وعليه يتعرضون للعقوبات الدولية التى طبقت من قبل على جنوب إفريقيا، وهو ما لم تسمح به أمريكا وحلفاؤها، الذين تجاهلوا انتهاكات الكيان الصهيونى للقوانين الدولية وممارسته لها تجاه الشعب الفلسطينى المحتل بهتك جميع أساليب القمع والتمييز.

 كما تجاهل الغرب وأمريكا وصف احتلال الكيان لفلسطين بأنه غير شرعى وصدرت قوانين دولية ضد هذا الاحتلال ولم تنفذ، طبق الكيان نظامين منفصلين داخل الأراضى الفلسطينية المحتلة، أحدهما يطبق على الصهاينة والآخر يطبق على الفلسطينيين أصحاب الأرض المحتلة والتى يسيطر عليها الصهاينة؛ بل أيضا هذا الأمر يسرى على فلسطينيى عرب 48 والذين احتلت أراضيهم منذ 73 عامًا، لكن هؤلاء رفضوا الخروج وتمسكوا بأرضهم على الرغم من حملهم الجنسية الصهيونية، فإن  هذا التمييز العنصرى يطبق عليهم ويخضعون للقانون المخالف للقانون الذى يطبق على الصهاينة، وهذا يعد طبقًا للتعريف القانونى بأنه تمييز عنصرى «الأبرتهايد». كانت حجة المجتمع الدولى غير المعلنة أن مثل هذه الانتهاكات والخروقات ستصبح غير ذات معنى حتى يتحقق حل الدولتين ونشأة الدولة الفلسطينية المستقلة، لكن الأمر لم يتحقق ليومنا هذا وبعد نحو ثلاثين عامًا على إطار «أوسلو» أصبح حل الدولتين أقرب إلى المستحيل وتعمقت الانتهاكات الصهيونية وزاد عدد المستوطنين والمستوطنات فى الضفة الغربية المحتلة والقدس من 250 ألف مستوطن إلى أكثر من 700 ألف مستوطن.

 كما أقر الكيان قانونًا للقومية اليهودية يجعل سكانها من العرب «أصحاب الأرض» مواطنين من الدرجة الثانية قانونيًا وليس فعلا فحسب، الاحتلال الصهيونى للأراضى والمدن الفلسطينية بالضفة الغربية صدر له القرار 242 من الأمم المتحدة بأن أرضًا محتلة يجب أن يجلى عنها المحتلون الصهاينة وخرجت قوانين وقرارات عدة صادرة عن مجلس الأمن والأمم المتحدة خاصة بالشعب الفلسطينى وأرضه، لكنها لم تنفذ أو ترى النور وتم تجاهلها من قبل الصهاينة وكأنها لم تصدر، ذلك بحماية أمريكية أوروبية، مما حدا برئيس الوزراء الصهيونى السابق نتنياهو للإعلان فى العديد من المناسبات عدم نيته الانسحاب من الأراضى الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، وأنه لن يقبل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة وذات سيادة؛ بل عمل وبشكل وثيق مع الرئيس الأمريكى السابق ترامب على ضم المزيد من الأراضى المحتلة فى الجولان السورى وجنوب لبنان، كل ذلك بغطاء أمريكى وقتل حل الدولتين الذى ينادى به المجتمع الدولى الذى لا يفعل أى خطوات على الأرض تجبر الكيان الصهيونى على الانسحاب، هذا بالإضافة إلى صمتهم عن جميع الانتهاكات والخروقات وكأنهم أصبحوا «صم بكم عميان»، حتى لا يروا طرد الفلسطينيين وضربهم وتعذيبهم وسجنهم وقتلهم وسحلهم وحرق مزارعهم وهدم منازلهم وطردهم خارج أرضهم ونفيهم، كل هذا كان من المفترض من العالم المتحيز للصهاينة أن يفيقوا من هذا الموت الإكلينيكى، ولكن أخيرًا حدثت أحداث جعلت الأمور تتغير بشكل آخر تجاه هذه الانتهاكات أو «الأبرتهايد» الصهيونى، ذلك بعد مشاهدة زخم شعبى غربى فى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية خرجوا رافضين الممارسات الصهيونية تجاه الشعب الفلسطينى الأعزل فى الضفة وغزة والقدس، خرجوا بمظاهرات حاشدة رافعين الأعلام الفلسطينية ومنددين بالاحتلال الصهيونى فنجد مثلا أكثر من 180 ألف متظاهر فى لندن فقط والكثير من دول العالم.

ولم يستطع الكيان الصهيونى أن يجد من يناصره لمنع منظمات حقوقية وبحثية دولية من الوصول إلى استنتاج صارخ بأن ما يقوم به الكيان ضد الشعب الفلسطينى ليس ممارسات فردية أو منعزلة تنتهك حقوق الإنسان هنا وهناك، بل هو جزء من منظومة صهيونية عنصرية، كما أن هذه الممارسات من هدم البيوت وإقامة المستوطنات وتشريع مبنى على أسس عرقية وإدامة الاحتلال لأرض محتلة لأكثر من نصف قرن، وخرجت لها قرارات دولية تعطيها الحق فى الاستقلال والحياة الحرة، كل هذا ما هو إلا فصل عنصرى حسب التعريف القانونى لمثل هذا النظام السياسى الشيطانى.

من تلك المنظمات جاء من الداخل الصهيونى نفسه، حيث صدرت تقارير نشرت عن طريق أكبر منظمة يهودية لحقوق الإنسان داخل الكيان نفسه تدعى «بيتسليم» هذه التقارير قالت إن ما تمارسه إسرائيل من سيادة صهيونية على الأراضى الفلسطينية من النهر إلى البحر هو «الأبرتهايد» بعينه.

ثم تبع ذلك تقرير لمركز كارنيجى وهو واحد من أهم وأعرق مراكز الأبحاث فى الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث قام المركز باعتماد مقاربة تعتمد على الحقوق المتساوية للفلسطينيين والصهاينة وواصفًا الممارسات الصهيونية داخل الأراضى الفلسطينية المحتلة ما هى إلا نظام فصل عنصرى.

كذلك أصدرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» وهى أيضا من أكبر منظمات حقوق الإنسان الدولية، لتعلن وتؤكد هى الأخرى «بأن الكيان الصهيونى يمارس نظام الفصل العنصرى بكل ما فى الكلمة من معنى»، تلك التقارير خرجت من منظمات معروفة دوليًا وتتمتع بمصداقية عالية، هنا نتساءل: ما هو رأى البعض من الدول المنحازة للكيان الصهيونى بعد أن شاهدوا ما على شاشات دولهم ما حدث وما يحدث فى فلسطين المحتلة وفى قدسها الشريف وتدنيس أرضه الطاهرة بأحذية الصهاينة وجنود الكيان الصهيونى. 

ماذا يقولون عن قتل الأطفال والشيوخ والنساء وهم من يدعون بأنهم حماة الحرية والعدالة؟ 

الجدير بالذكر أيضا ما حدث من خروج بعض الأصوات داخل الحزب الديمقراطى الأمريكى تطالب فيه إحدى عضوات الكونجرس بربط جزء من المساعدات الأمريكية للكيان الصهيونى باقتراحها هذا يعد سابقة غير معتادة من السياسيين الأمريكيين، الآن نحن نعيش فى زمن باتت المجتمعات فيه تولى قدرًا كبيرًا من الاهتمام بموضوع الحقوق المتساوية وعدم جواز الاضطهاد المؤسسى بأى شكل من الأشكال، وأتساءل: هل بات أيضًا وقت أن نصلح ميزان العدل الأعرج ليعرب من جديد بأنه ميزان الحق المستقيم الذى لا يرى إلا الحق والمساواة والعدل؟ من هنا ومن خلال هذا الزخم الشعبى الذى تفاعل مع الشعب الفلسطينى، حيث تكمن داخله أهمية عدم التمييز والعنصرية، يجب استخدام هذا الزخم والتركيز على الحقوق الفلسطينية، ذلك بالتوازى مع دفع المسار السياسى لتحقيق تطلعات الفلسطينيين وبإقامة دولتهم المستقلة ذات السيادة وبحسب قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وبالسيادة على كامل أراضيه بالضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية كعاصمة لدولة فلسطين الحرة، مع الأخذ فى الاعتبار الإدراك بأن المسار السياسى الذى لا يرتكز على الحقوق لن يؤدى إلى تحقيق تطلع الشعب الفلسطينى فى دولته المستقلة ذات السيادة.. تحيا مصر.