الإثنين 10 مايو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
مصر أولا .. النظام الواثق يواجه أوهام المؤامرة فى الداخل والخارج!

مصر أولا .. النظام الواثق يواجه أوهام المؤامرة فى الداخل والخارج!

يشغلنى منذ سنوات عديدة موقف الغرب منا، ولذا أتابع جيدًا ما يحدث فى أروقة صناعة القرار الأوروبى والأمريكى من جهة، وردود أفعالنا إعلاميًا وثقافيًا وسياسيًا من جهة أخرى.



وللأسف لا يزال الكثير فى بلادنا يدور فى فلك نظرية المؤامرة ضدنا، وهى النظرية التى دعمتها أفكار وكتابات غربية.

تصدِّر لنا المكتبة الغربية على الدوام كتبًا تؤكد نظرية المؤامرة، ومنها «حكومة العالم الخفية» لسيريب سبيريدوفيتش، و«أحجار على رقعة الشطرنج» لويليام جاى كار، ونظريات المؤامرة فى الشرق الأوسط» لماثيو جراى، و«وبروتوكولات حكماء صهيون»، ورغم انتقاد البعض لها، فإن البعض الآخر صدقها وتأثر بها لدرجة كبيرة، بل اعتبرها حقائق مجردة عن كارثة يحضرونها لنا فى الخفاء، واتخذ البعض نظرية المؤامرة «حجة» لتبرير كل ما يواجهنا، كما تغلغلت تلك النظرية فى العقلية المصرية والعربية وصارت جزءًا راسخًا ويقينيًا فيها، وترتب على ذلك ارتباك صناعة قراراتنا السياسية والوطنية، وزيادة أزماتنا ومشكلاتنا التاريخية بشكل يوحى بأنها غير قابلة للحل.

ترسخت نظرية المؤامرة فى عقليتنا تدريجيًا خلال العهد الناصرى بشكل خاص، وهو ميراث ما زلنا نعانى منه إلى الآن، فى علاقتنا بالغرب، أو بإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وهو الأمر الذى سمح بحشد الرأى العام فى بعض القضايا، التى تصدَّرنا لها، كالقضية الفلسطينية. ولذا كان من الطبيعى أن تظهر الفاشية الدينية لتنتشر وتصبح جزءًا من تركة العهد الناصرى بكل ما لها وما عليها، بسبب عدم دراسة العديد من القرارات التى كان لها أثر عكس المراد منها، والترويج لشعارات عنصرية. 

راق للبعض استخدام نظرية المؤامرة فى مواجهة الصعاب والنكسات لدرجة أن البعض تعامل معها من خلال مخططات استراتيجية، مع أن نظرية المؤامرة يتبناها الضعيف والمتخاذل، أما فى قواعد السياسة الدولية فإن المصلحة الشخصية والمباشرة للدول هى ما يحكم العلاقات بينها، قواعد لا تستند على قراءة النوايا، ولكن على عمليات حسابية دقيقة، تضمن الخروج فائزًا بنصيب الأسد من أى علاقة، سواء كانت فى العلن، أو فى الكواليس. 

والنموذج الدال على ذلك، هو ثورة 30 يونيو، فقد أنهت أسطورة نظرية المؤامرة علينا وعلى بلادنا. إنها ثورة شعب ضد الفاشية الدينية، وقد ساندتها سياسات دولية لوجيستيًا أو ماديًا، ثورة استندت إلى ظهير شعبى وانفجرت ضد الترويع والإرهاب والتطرف لجماعة دينية فاشية صنعتها السياسة البريطانية، ودعمتها الدول الغربية فيما بعد، ثورة لها رسالة واضحة تقول إن الشعب المصرى وسطى، ولن يقبل أن تحكمه جماعة تريد تغيير هويته التى تعود إلى آلاف السنوات.

صاغت ثورة 30 يونيو ميثاقًا جديدًا لمستقبل الشعب المصرى داخليًا، من جهة، ولمستقبل مصر عربيًا وإقليميًا ودوليًا من جهة أخرى، كما أعادت لمصر مكانتها التاريخية التى تستحقها دون ضجيج ميَّز عهودًا سابقة، ضجيج حوَّلنا إلى ظاهرة صوتية، فقد أصبحنا ماهرين فى فنون التحدث وإطلاق الشعارات الكبرى دون أن يكون لنا تأثير. لقد عادت مصر لمكانتها بأفعال حقيقية ومواقف جريئة وتصرفات حاسمة لا لبس فيها ولا جدال ولا مقامرة بمستقبل البلد.

فى التعديلات الدستورية قبل أحداث 25 يناير 2011 أُضيف مفهوم «المواطنة» للدستور المصرى، ورغم كثافة استخدام تلك الكلمة سياسيًا وإعلاميًا إلا أنها افتقرت إلى معنى وأضحت بمرور الوقت مفردة مجوفة بدون طعم أو لون أو تأثير، وبعد 30 يونيو لم يستخدمها النظام المصرى ضمن مفردات خطابه السياسى، ولكنه حققها على أرض الواقع، من خلال استعادة مكانة المرأة المصرية، وحل أزمات كانت تواجه المواطن المسيحى المصرى، وإعادة تمكين أصحاب الهمم، وغيرها من إنجازات وإجراءات وقرارات صبَّت فى صالح ترسيخ قاعدة المواطنة بشكل فعال.   

خلال الأسبوع الماضى، أدلى الرئيس عبدالفتاح السيسى بتصريحات مهمة جدًا لجريدة «دى فيلت» Die Welt الألمانية، ويمكن أن نتناول أهم ما جاء بتلك التصريحات من خلال ثلاثة محاور رئيسية:

1 - اعترافات

الأول: ردَّ الرئيس بوضوح شديد على ما يردده الغرب، مؤكداً أنه لا يوجد لدينا سجناء سياسيون بسبب آرائهم وأفكارهم، ولكنهم موجودون على ذمة اتهامات تتعلق بالتطرف والإرهاب، وقال نصًا إن: «الأمر يتعلق بادعاءات محددة يتم توضيحها فى الإطار القانونى، حتى لو استغرق ذلك أحيانًا أكثر من عام»، وإنه «كان لدينا سابقًا فوضى كاملة ونعمل الآن على البناء والاستقرار»، وهو اعتراف يظهر بجلاء قوة نظامنا السياسى، فقد استطاع أن يشخِّص ما يحدث ويعترف به، ويعلنه بوضوح، بما يؤكد أننا على المسار الصحيح فى بناء دولة فاعلة، حتى لو استغرق ذلك وقتاً كما جاء فى حوار الرئيس.

الثانى: على الرغم من الدور السلبى الذى قامت به بعض المنظمات الحقوقية الدولية، فإن النظام المصرى قد دعاها لمتابعة الانتخابات بتقدير واحترام شديد لترصد بنفسها ما يحدث من مشاركة المواطنين فى اللجان الانتخابية، ورصد ما يحدث بشفافية ومصداقية.

2 – حقائق وثوابت

أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى على كثير من الأمور:

- أن الأمن لا ينبغى أن يأتى على حساب الحرية حتى فى بلادنا التى تعيش ظروفًا صعبة. 

- أن النقد مسموح به للجميع، لكن يجب أن يكون نقدًا بنَّاءً لا تحريضًا، وأن الاستقرار مهم للغاية.

- أننا نريد دولة دستورية، لكن التحريض على الانقلاب أمر خطير وغير مقبول.

3 – أمنيات

ولأنه واقعى فإنه حين انتقل من الكلام عن حقائق إلى الأمنيات سماها باسمها، ومنها:

- أهمية الحصول على تعليم جيد، حتى يتمكن المصريون من التمييز بين حرية التعبير لتفادى الفوضى.

- عدم طلب الدعم من أجلهم (فى إشارة لغير المقتدرين وغير المتعلمين)، ولكن أعطنا (فى إشارة إلى الغرب) بعضًا من معرفتك، صناعتك، تقنيتك.. نريد أن نشارك فى تقدمك، تمامًا كما تريدين منا أن نتبنى أفكارك عن الحرية.

- دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، ودعم المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية.

نقطة ومن أول السطر..

يؤكد النظام السياسى المصرى بعد ثورة 30 يونيو أنه قد استطاع أن يتحدى ما يصدِّره الغرب لنا باعتباره من ثوابت السياسة الدولية، واستطاع مع الشعب المصرى رغم كل المشكلات والتحديات التاريخية، منذ ثورة يوليو 52 وإلى الآن، أن يواجه مصالح الدول الأخرى استناداً إلى القوانين والمعاهدات والمواثيق والأعراف الدولية، من خلال مبادئ فى التفاوض، تسمح بضمان مصالح كافة أطراف الحوار، دون التجاوز أو التجبر أو انتهاك حقوق أى دولة، بل بالحفاظ على حقوق الشعوب، من خلال توضيح الصورة لها، فهى أساس الدول.