الإثنين 12 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

فى محاولة لطرح قضاياها المرأة.. نصف المجتمع الذى يحاول الفن إنصافه

«أنا حرة»، «أين عمرى»، «أريد حلا»، «الطوق والإسورة»، «ضمير أبلة حكمت»، «هى والمستحيل»، «جدار القلب»، وغيرها آلاف وآلاف من الأعمال الفنية القيمة التى تم تقديمها فى تاريخ السينما والدراما المصرية، والتى كانت خير توثيق لمعاناة المرأة فى المجتمع وطرحت قضاياها التى تم حل بعضها.. فالمرأة فى السينما منذ فترة الخمسينيات من القرن الماضى وهى تُطالب بأحقية التعليم والحرية والاعتماد على النفس.. وذلك فى ظل مناداة الدولة بأهمية خروج المرأة للعمل والمطالبة بتحرير المرأة والمساواة، وغيرها من المشاكل التى تواجه المرأة العاملة ما بين الرافضين لها فى المجالات الذكورية مثلما تناول فيلم «للرجال فقط»، وأيضًا استغلال المرأة فى الزواج والقهر الذى قد تتعرض له فى نماذج كثيرة ومنها أفلام «أين عمرى» و«المراهقات» و«الزوجة الثانية» و«شيء من الخوف» وغيرها.



بينما ازداد دور المرأة فى السينما سواء بالبطولات المطلقة أو بالقصص التى تدافع عن قضاياها أو التى تستعرضها دون إيجاد حل نهائى لها، وذلك لأن تلك القيود أغلبها إما أن تكون من موروثات المجتمع أو قوانين فرضت على المرأة وتم حلها فيما بعد مثل رائعة الكاتب إبراهيم الموجى «عفوًا أيها القانون» وأيضًا فيلم «أريد حلا» لسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة والذى تسبب بعدها بسنوات بتعديل قوانين الطلاق وإصدار قانون الخلع، والذى أصبح أكبر انتصار لسينما المرأة. 

بينما شهدت الدراما منذ  بداية  انطلاق التليفزيون المصرى عصرًا ذهبيًا لمختلف الموضوعات التى تناولت قضايا المرأة ومنها «ضمير أبلة حكمت»، « ليلة القبض على فاطمة» و«الحب وأشياء أخرى»، «هى والمستحيل» وغيرها من الأعمال الدرامية الكثيرة التى ناقشت دور المرأة.. ومثلما حدث فى السينما فإن قضايا المرأة والقصص الخاصة بها أصبحت قليلة إلى حد كبير، إلا بعض التجارب التى أثارت تساؤلات كبيرة حول وضع المرأة ومنها «ذات» و«سجن النسا» وغيرهما.

  اهتمام كبير وهناك المزيد

فى السنوات الأخيرة أصبحت قضايا المرأة التى تم طرحها أقل مما كانت عليه فى الثمانينيات والتسعينيات، خاصة مع زيادة التواجد الذكورى واحتكار الدراما والسينما للبطولات الرجالية والتى تم تهميش دور المرأة بها، وعلى الرغم من تراجع السينما فى تقديم قضايا المرأة فإن الدراما لا تزال تحتفظ بهذه المكانة، بل وعادت لتطرح قضايا أقوى مثل «إلا أنا» و«زى القمر» وهما مسلسلان يحتويان على قصص قصيرة عن السيدات والفتيات وتتناول العديد من هذه المشكلات.

وعن تلك العودة قالت الناقدة ماجدة موريس: «أغلب البطولات الدرامية النسائية تراجعت بشكل كبير، خاصة بعد ابتعاد إلهام شاهين وليلى علوى،  ولاتزال النجمة يسرا هى الوحيدة التى تحتفظ بفكرة البطولات المتفردة من الجيل الماضى، وعلى الرغم من محاولات البعض من الجيل الجديد مثل نيللى كريم وياسمين عبد العزيز وغيرهما لطرح مشكلات وقضايا المرأة فى أعمالهما إلا أن الأمر اختفى بشكل تدريجى وسط ازدحام الموضوعات الاجتماعية والأكشن وغيرها من الأمور التى يدعى المنتجون بأن السوق يطلبها، ولكن هناك تجارب مؤخرًا مثل «إلا أنا» و«زى القمر» وهما عملان تناولا عددًا من المشكلات التى يعانى منها السيدات فى المجتمع ولكن بشكل قصير ومكثف.. ومنها مشكلات مثل الميراث والخيانة والعنوسة ومشكلات السيدات فوق الأربعين، والتى تعد من أبرز الأعمال التى تناولت قضايا المرأة ومشاكلها الاجتماعية وما يترتب عليها من نظرة المحيطين بها».

وأضافت موريس قائلة: إن هناك ظاهرة فى الدراما والسينما خلال السنوات القليلة الماضية، وهى تراجع دور المرأة بشكل عام، حيث تراجع عدد الأعمال التى تُقدم بطولات نسائية ولمخرجات، كما أن أغلب جيل المؤلفين الشباب يعتبرون من الذكور مما يثير تساؤلا حول تراجع دور المرأة وتحكم الفكر الذكورى فى شيء حساس مثل الفن.

وأكملت موريس: «لا ننكر أن الرجال يستطيعون التعبير عن معاناة المرأة وكتّاب كبار مثل إحسان عبدالقدوس وغيره كانوا الأجدر فى التعبير عنها، ولكن لا يمكننا إنكار أن المرأة هى الأكثر تعبيرًا عن بنات جنسها، وعما تعانيه من قيود اجتماعية ومشكلات قد لا يستطيع الرجل الإحساس بها أو تقديمها بالشكل الكافى».

كما أكدت موريس على ضرورة النظر إلى موضوعات أخرى تهم المرأة عن الزواج والطلاق والخيانة، مؤكدة أن الرئيس عبدالفتاح السيسى يكرم فى كل مناسبة أمهات وسيدات فاضلات وأيضًا سيدات مكافحات يعملن بمختلف المهن لكى يكسبن قوت يومهن، وهذه قصص ملهمة كثيرًا للمؤلفين.. وأيضًا قضايا الغارمات اللواتى طالب الرئيس بالإفراج عنهن، فكل هذه قصص إنسانية ونماذج يمكن تقديمها فى السينما والتليفزيون لكى يكون هناك تنوع ودراما تناقش قضايا المرأة بقوة وجدية.

ليس تراجيديًا فقط

مع مرور الزمن تغيرت الأعمال التى تناقش قضية المرأة وأصبحت تتكرر المشاكل التى تعرضها، وذلك بالرغم من أن المشكلات يمكن طرحها فى سياق درامى كوميدى أو خفيف الظل كما أكدت الكاتبة د. سميرة محسن، حيث قالت: إن الوضع حاليًا يفتقد للسياق الدرامى الجذاب.. فعلى الرغم من كونها مقاطعة التليفزيون بسبب انشغالها بالعمل فى أكاديمية الفنون.. إلا أنها عندما تتابع الدراما الرمضانية على سبيل المثال لا تجد إلا أعمالا اجتماعية قليلة تناقش الوضع الاجتماعى بشكل عام ووضع المرأة بشكل خاص.

وقد قدمت محسن العديد من الأعمال التى تخص المرأة  وقضاياها فى السينما والتليفزيون، ومنها فيلم «المرأة والقانون» و«إلا أمى» ومسلسل «الزائرة» و«الست أصيلة» وغيرها من الأعمال التى حققت نجاحًا كبيرًا فى فترتى التسعينيات وأوائل الألفينيات. وعن قلة الأعمال التى تتناول قضايا المرأة وتنوع موضوعاتها فى الفترة الحالية قالت محسن: إن الزمن الذى كانت تعمل فيه بالكتابة كان يوجد مبدعون يهتمون بالفعل بالتفاصيل الدرامية الجذابة لأى عمل، كما أنهم تناولوا فكر المجتمع وعكسوا نظرته للمشاكل بشكل متعمق ومشوق وليس مجرد عرض لمشاهد عنف أو كوميديا دون وجود سياق درامى محبك.

وأضافت قائلة: «فى فترة التسعينيات والثمانينيات كان هناك مخرجون عظماء بالتليفزيون والسينما وحتى المسرح، وكانت كل الفنون تتكاتف لنشر الوعى والثقافة وكشف المشاكل ومحاولة حلها بأسلوب شيق، ليس عن طريق التراجيديا فقط بل أيضًا بالكوميديا الخفيفة، فيجب على الفن أن يكون أداة لجعل المجتمع أفضل ولمساعدته على مواجهة مشاكله ومنها قضايا المرأة التى تزيد يومًا بعد يوم».

قديمًا كنا أكثر جرأة

هناك العديد من الأعمال التى تناولت قضايا شائكة تمر بها المرأة المصرية.. وربما كانت السينما فى الماضى أكثر جرأة فى التناول من حيث قضايا الشرف مثل «دعاء الكروان» و«عرق البلح» و«الطوق والأسورة» و«ملف فى الآداب».. وقضايا الاغتصاب مثل «نهر الخوف» و«اغتصاب» و«المغتصبون»، وأيضًا قضايا الإتجار بالفتيات وبيعهن للأثرياء العرب وكان الفيلم الذى يتناول هذه القضية هو «لحم رخيص» والذى أثار ضجة كبيرة فور عرضه رغم أن ما ينقله كان الواقع.

وعلى الرغم من جدية وجرأة الأفكار المقدمة فى أفلام السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، إلا أن الجرأة أصبحت أقل مع الوقت وأصبحت الأعمال السينمائية لا تهتم كثيرًا بقضايا المرأة بل وأصبحت الأفلام فى الفترة الأخيرة لا تهتم كثيرًا بالمرأة ولا يتم التركيز عليها، إلا بعض الأعمال القليلة التى قدمتها مخرجات أو مؤلفات مثل «واحد صفر» و«بلد البنات» و«يوم للستات» وغيرها، بينما هناك بعض المخرجين الرجال الذين اهتموا بقضايا المرأة وعلى رأسهم الراحل محمد خان الذى قدم عددًا كبيرًا من المشاكل التى تواجه المرأة فى المجتمع ومنها «فتاة المصنع» و«فى شقة مصر الجديدة» وغيرهما، بينما قدم محمد دياب فيلمه الأكثر جرأة فى تناول قضية التحرش بعنوان «678».

وقالت الناقدة علا الشافعى: إن السينما حاليًا تتجنب قضايا المرأة وليس ذلك فحسب بل وتطور الأمر إلى تراجع دور الفنانة المصرية والمخرجات وأصبح الأمر ذكوريًا من الدرجة الأولى، وفرض على الفنانات أن يظهرن فى دور «السند» للبطل أو الداعمة له فقط، مضيفة أن ما يثير السخرية أن السينما المصرية كانت تشهد بريادة المرأة منذ زمن بعيد حيث كانت السيدات يقدمن بطولات ويقمن بالإخراج والإنتاج أيضًا مثل مديحة يسرى وماجدة الصباحى وشادية أيضًا، ولكن مع نهاية حقبة السبعينيات وبداية المد الوهابى وغيرها من عوامل القيود وتراجع المرأة بالمجتمع ككل تراجعت السينما عن فرض مساحة لها باستثناء تجارب بسيطة جدًا. وعن الدراما قالت الشافعى: «الدراما عادت مجددًا من خلال أعمال قليلة لتناقش القضايا الخاصة بالمرأة، ولكن على استحياء وبشكل سطحى، فلا يوجد تعمق أو جرأة فى تناول المشكلات بشكل كبير، كما أن هناك مشاكل كبيرة تتعرض لها المرأة ولا يتم تناولها تقريبًا مثل التحرش والمرأة المعيلة والمشاكل التى تواجهها فى وظيفتها من اضطهاد من المجتمع الذكورى مهما وصلت مكانتها أو كانت كفاءتها.. فلو ذهب المؤلفون إلى محكمة الأسرة سيجدون مشاكل كبيرة وقصصًا كثيرة يمكن إلقاء الضوء عليها لوضع حل جذرى لها.. ولكن الدراما تستعرض الأمور بشكل سطحى من خلال قضايا الخيانة وعودة المطلقة للحياة مرة أخرى ومقدرتها على تجاوز المشاكل، بينما كل هذه النماذج تعتبر «مستورة» إلى حد كبير ومن طبقة يمكنها إعادة بناء نفسها، بينما هناك سيدات يتعرضن لأضعاف هذه المشاكل ولا يجدن من يعولهن أو يكون باستطاعتهن إعالة أطفالهن».

القليل من الإنصاف الكثير من العنف

أفلام البلطجة أو العشوائيات حسبما يُطلق عليها، وغيرها من المسلسلات التى تحمل نفس الراية أصبحت تدور فى إطار واحد: مجموعة من الشباب يتحكمون فى مكانهم يتعاملون بالسلاح الأبيض يرقصون على أنغام غريبة ويتمايلون مع راقصة مثيرة، وحتى طريقة عشقهم تكون غريبة وبها الكثير من العنف والضرب والخيانة والاغتصاب والزنا.

وعلى قدر ما أثرت تلك الأفلام، التى انتشرت مع نهاية العقد الأول من الألفينات، على المجتمع وأخلاقه فإنها أثرت على صورة المرأة بالمجتمع المصرى وتم حصرها فى دور الساقطة أو المرأة «الشلق» أو ضعيفة الشخصية التى يقوم البطل سواء شقيقها أو والدها أو زوجها أو حتى أبنها بضربها بشكل مُبرح لمجرد أنه لا يقدر على العالم الخارجى،  «فيفرد» عضلاته عليها.

وقد قام صُناع هذه الأعمال بمحاولة الدفاع عن أنفسهم مؤكدين أنهم ليسوا السبب فى انتشار البلطجة والعنف فى المجتمع، بل إنهم كانوا يعكسون الواقع المجتمعى الذى يعيشه بعض سكان العشوائيات، ولكن مع تزايد تلك الأعمال انتشر الأمر وأصبحوا ينقلون الأخلاق التى يتمتع بها «القلة» فى الحارة المصرية إلى عدد رهيب من شرائح المجتمع.

وعلى هذا الغرار يصدر المجلس القومى للمرأة فى كل عام تقريرًا رسميًا لتقييم دراما شهر رمضان باعتبارها الأكثر مشاهدة وتأثيرًا فى جموع الشعب المصرى، وقد جاء فى البيان الذى أصدره المجلس عن دراما رمضان الماضى 2020، بأنها احتوت على  444 مشهدًا للعنف ضد المرأة ، سواء كان ماديًا، متمثلا فى الضرب والإهانة المباشرة والقتل، أو معنويًا تمثل فى القهر والتمييز ضد المرأة، والدونية والاضطهاد والاحتقار والذل والسخرية أو كلاهما معًا، كما جاء تركيز الأعمال الدرامية على العنف المعنوى بنسبة %69، عنها فى العنف المادى، والمشاهد التى تجمع بين العنف المعنوى والمادى.

كما أوضح التقرير أن الرجل يُعتبر مصدر العنف الأبرز ضد المرأة، وظهر ذلك فى 636 مشهدًا، فى مسلسلات (الفتوة، اتنين فى الصندوق، البرنس، ولاد إمبابة، ونحب تانى ليه، فرصة تانية، لعبة النسيان)، وذلك مقابل 330 مشهدًا للعنف، مارستها امرأة ضد امرأة أخرى فى مسلسلات (خيانة عهد، سكر زيادة، لما كنا صغيرين، وكلينها والعة، حب عمرى).

بينما أشاد التقرير بإجمالى الصور الإيجابية التى ظهرت بها المرأة فى المسلسلات  والذى بلغ 1104 مشاهد إيجابية، مقابل 755 مشهدًا سلبيًا، ما يعد مؤشرًا جيدًا لتوافق الدراما الرمضانية 2020 مع ما جاء فى الكود الإعلامى، الصادر عن لجنة الإعلام بالمجلس، بشأن أهمية الحديث عن الأدوار الإيجابية، التى تلعبها المرأة فى المجتمع.