السبت 27 فبراير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
ناصر وحليم والسعدنى.. لماذا اختفى «صوت» حليم  و«قلم» السعدنى أيام العدوان الثلاثى؟ "الحلقة 5"

ناصر وحليم والسعدنى.. لماذا اختفى «صوت» حليم  و«قلم» السعدنى أيام العدوان الثلاثى؟ "الحلقة 5"

كان عام 1956 يُمثِّل نقطة تحول خطيرة فى تاريخ مصر والعالم.. إنه العام الذى شهد أخطر قرار للرئيس جمال عبدالناصر.. عندما أمَّم قناة السويس وأعاد ملكيتها للمصريين وسط حالة من الفرح عمّت أرجاء عالمنا العربى بأسره وحالة سخط وغضب دولى انتشرت فى أرجاء بريطانيا وفرنسا.. وبالطبع كان رد الفعل عنيفًا ووقع العدوان الثلاثى على مصر وتعرضت واحدة من أجمل بقع مصر إلى الدمار وهى مدينة بورسعيد التى ليس لها نظير بين المدن الساحلية.. حتى حى المناخ الشهير تم تدميره بالكامل، وحدث أن التقت الدول الثلاث إنجلترا وفرنسا ومعهما أوسخ بلاد الدنيا إسرائيل على أرض بورسعيد



 

خرج أبناء مصر يدافعون بالعصى والحجارة والسلاح إن أمكن  ضد هذه الجيوش المفترية، ووقف العالم أجمع إلى جانب الإرادة المصرية واضطرت الدول الثلاث للانسحاب، وحقَّق جمال عبدالناصر دويًا عظيمًا فى أنحاء الدنيا، وتحول من هذه اللحظة إلى بطل لهذه الأمة العربية التى كانت فى انتظار طال للقاء جمال، ومن أول الأهداف التى رصدها الأعداء كانت واحدة من أخطر أسلحة عبدالناصر ومصر.. إنها الإذاعة التى لن ينسى دورها كل كاره لمصر ومعادٍ للعروبة إذاعة صوت العرب التى زلزلت أركان ملوك ورؤساء كانوا جميعًا يتعلقون بحذاء العم سام، وأصبح ناصر هو البعبع الذى جاء ليبث الرعب فى النفوس دون استخدام قنبلة أو إطلاق صاروخ، ولكن من خلال صوته المجلجل وخطبه الرنانة وانتمائه الأصيل إلى هذه الأمة.

ولم يكن ناصر وحده فى المعركة؛ ولكن انضم إليه النبهاء من أهل الفن والنجباء من الشعراء، وخرجت إلى النور أغانٍ نابعة من القلب هى نتاج شرعى لحدث جلل أصاب الأمة المصرية فتعرضت لخطر لم تشهد له مثيلاً فانصهر الجميع فى بوتقة واحدة وأصبح الكل فى واحد، وانتفض كمال الطويل ومحمد الموجى ومحمود الشريف وصلاح جاهين وإسماعيل الحبروك والعشرات من النوادر، فإذا صوت مصر الراقى يتسلل من الأذن ليثير الشجن ويرتفع بالحماس ويسرى فى العروق.

أم كلثوم «والله زمان يا سلاحى».. ثم فايدة كامل فى رائعتها التى خلدتها عبر السنين.. «دع سمائى فسمائى محرقة».. وكان ولا بُدّ لهذه الملحمة التى نسجها شعب بورسعيد فتحمَّل نيابة عن شعب مصر والشعب العربى بأسره تكلُفة باهظة فى التصدى لقوتين عظميين ومعهما القوة الأوسخ، وإذا بالسيدة التى سيكون لها شأن عظيم فى نفوس كل مصرى وعربى؛ حيث سكنت حنجرتها شقاوة ودلع وسعادة وبهجة ورقى لا مثيل له الفنانة شادية التى غنت لشعب بورسعيد:

أمانة عليك.. أمانة.. 

يا مسافر بورسعيد

أمانة عليك أمانة

تبوس لى كل أيد

وغير ذلك من عشرات الأغنيات التى خرجت فى توقيت واحد.. ولكن غاب صوت ما كان له أن يغيب.. واختفى قلم كان يزين جريدة الجمهورية وكان مسئولًا عن الصفحة العربية بها.. إنهما صوت الفقراء.. المصابين بالبلهارسيا، أصحاب الموهبة النادرة والحس الشعبى الأعظم.. أحدهما كان صوت الثورة.. والثانى.. كان سفيرها إلى البسطاء.. نعم لم يسمع أحد صوت حليم ولا قرأ أحد حرفًا للسعدنى فى أزمة 1956.

فقد حدث أن سافر العندليب إلى الخارج فى رحلة علاج؛ حيث تعرَّض فى العام1955 لأول نزيف حاد بسبب دوالى المرىء.. وعندما قامت الحرب وجد حليم أن الطريق إلى القاهرة مسدود.. مسدود.. البحر والبر والجو.. فقرر أن يتجه إلى عاصمة العرب الفنية الثانية فى ذلك الزمان بيروت وظل هناك حتى فتحت المطارات أبوابها.

وفى هذا العام غنى حليم «1956» أول أغنية لجمال عبدالناصر باعتباره رئيسًا للجمهورية فى استفتاء شعبى..  جمعت الأغنية الثلاثى الفريد.. الطويل ملحنًا وجاهين كاتبًا وحليم مغنيًا.. ولكن بعد عودته مباشرة فى أعقاب العدوان الثلاثى.. غنى من ألحان الأب الروحى عبدالوهاب أغنية «الله يا بلادنا الله.. على جيشك والشعب معاه» للكاتب والشاعر أنور عبدالله.. واستطاع حليم أن يكون متواجدًا فى معركة بلاده الأخطر ضد القوى العظمى، وهكذا سيكون حاله دائمًا فى كل اللحظات العصيبة من تاريخ بلاده.. لن تخلو مصر أبدًا من رجالها الأوفياء الأنقياء.. ولأسباب لا داعى لذكرها غادر السعدنى خارج حدود الوطن متجهًا إلى سوريا ولبنان فى ظرف قهرى، وبات عليه أن يعود إلى أرض الوطن بتكليف من القائم مقام أنور السادات وكان السعدنى فى زيارة مع المشير عامر وأمره أحد مرافقى المشير بركوب طائرة الوفد الصحفى المتجهة إلى القاهرة كانت بين 3 طائرات سافر عليها المشير عامر ومرافقوه.. ولكن السعدنى لم يمتثل للأمر.. والشىء المريب أن هذه الطائرة سقطت فى مياه البحر المتوسط ولم يعلم أحد أسباب سقوط الطائرة إلا بعد ذلك بفترة عندما تبين أن إسرائيل استهدفت الطائرة التى كان مقررًا أن تقل المشير عامر.. ولكن القدر تدخَّل وبدّل المشير موعد عودته، وإلى بيروت أيضًا اتجهت الأنظار لتكون المحطة البديلة للقاهرة فإليها سافر السعدنى ومعه الكاتب الصحفى الجميل سامى داوود.. وهناك أصدرا معًا النسخة العربية من جريدة «الجمهورية» والتى تصدَّرها مانشيت ذات يوم أحدث كارثة كبرى عندما نشر السعدنى خبرًا مفاده أن الصين سوف تقوم بإرسال 250 ألف متطوع للدفاع عن بورسعيد.. وبالطبع هو أمر لم يحدث ولن يحدث، ولكن وكالات الأنباء تداولت الخبر.. وأحدث أزمة دبلوماسية، ولكن الأزمات المتلاحقة غطت على هذا الخبر وتداعياته، وبعد هدوء الأحوال وفتح المجال الجوى عاد السعدنى ومعه سامى داوود وحضرا لقاء مهمًا مع أرفع المسئولين فى الدولة لتكريم الصحفيين الذين أصدروا الجمهورية نسخة لبنان وكانت خير مدافع عن البلاد ومصالحها وصوتها الذى لا يمكن إخراسه لا داخليًا ولا خارجيًا.

واستعد السعدنى وسامى داوود لتسلم الأوسمة وشهادات التقدير التى تحمل توقيع الرئيس عبدالناصر.. ولكنهما اكتشفا أن الذين تم تكريمهم ليس لهم بالأمر أى علاقة من قريب ولا من بعيد، وهو الفارق الوحيد بين ما جرى لعبدالحليم حافظ وما جرى  على السعدنى.. فالأول لأنه فى عالم الضوء صوتًا.. وصورة.. أما السعدنى فإن قلمه وجهده وصل إلى الناس وأثر فيهم، ولكن عندما بات التكريم فى يد الحكومة قرروا عدم تكريم السعدنى. فلم يكن السعدنى قد استطاع الوصول إلى رأس الدولة حتى هذا التوقيت وإن كان قد اقترب قبل ذلك بسنوات طويلة بأنور السادات، ومعًا عملا فى جريدة الجمهورية لسان حال الثورة، وكان أصحاب السعدنى يمنون النفس لو أنه عمل بالفن، فقد كانت لديه قدرة على إضحاك البشر والحجر. وقد حدث أن فاتحه نجيب الريحانى فى الأمر فعندما ذهب إليه السعدنى فى المسرح لعمل حديث صحفى سأله الريحانى عن عدد من الممثلين والممثلات فى المسرح وما هو رأى السعدنى الكاتب فيهم فجاءت إجابات السعدنى كما لو كانت مجموعة من القفشات الساخرة فانشكح لها الريحانى وطلب من السعدنى أن يزوره دومًا، وبالفعل فى إحدى الزيارات قال الريحانى للسعدنى.. أنت دمك خفيف جدًا.. وعندك حضور رائع.. وجذاب وشكلك ممكن تبقى نجم  أنا ح أعملك دور فى المسرحية الجديدة.. ولكن مرض التيفود.. أصاب الريحانى وحرم عشاق الفنون من السعدنى ممثلاً.. وحزن السعدنى حزن الإبل لفقدان صديق حديث العهد عظيم الأثر فى زمانه وهو نجيب الريحانى. وفرح فرحًا أعظم لأنه لم يكن راغبًا أن يصبح ممثلاً.