الأحد 17 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

حقائق صادمة تجمع الإسلام السياسى بالقومية العربية!!

لم يبدأ الصراع الدولى السياسى بين قوى الشرق والغرب بسبب الأديان كما تزعم بعض الأدبيات السياسية، فقد بدأ هذا الصراع قبل ظهور الديانات السماوية الثلاث، وتحديدًا بين قدماء المصريين والحيثيين أو قدماء الأناضول، ولاحقًا بين المصريين وشعوب البحر المتوسط، قبل أن يتبلور الصراع الدولى بين الفُرس واليونانيين.



 

وعقب انهيار القسطنطينية أو الإمبراطورية الرومانية الشرقية، كان الغرب الكاثوليكى أو أوروبا اليوم على موعد مع لعبة «فرّق تَسُد» ما بين روسيا القيصرية الأرثوذكسية والدولة العثمانية الإسلامية؛ حيث استخدم الغرب كلتا الدولتين، القياصرة والعثمانيين، من أجل فرملة تمدّد الدولتين إلى غرب أوروبا، فإذا انتصر القياصرة مالت أوروبا إلى العثمانيين وإذا انتصر العثمانيون رجّحت أوروبا كفة القياصرة.

ولقد تم الاحتلال العثمانى لمصر والشام فى القرن السادس عشر بتأييد مباشر من بريطانيا التى كانت ترى فى هذا التوجه كسرًا لدولة المماليك المصريين التى تصدت للحملات الصليبية البرتغالية، ليس فى محيط مصر والحجاز بالبحر الأحمر فحسب بل وصولًا إلى مياه المحيط الهندى على مقربة من سواحل الهند.

وطيلة القرن السادس عشر كانت بريطانيا هى المُدافع الأول عن وحدة الدولة العثمانية فى وجه قياصرة موسكو، عكس فرنسا التى كانت تنادى بتعجيل التصدى للعثمانيين وتقسيم بلادهم، ولاحقًا دعمت بريطانيا طموحات روسيا التوسعية من أجل ضرب فرنسا الإمبراطورية، وبعد ذلك تفهمت باريس رؤية لندن، ونسّقت الدولتان فى حرب القرم ما بين عامَى 1854 و1856؛ حيث حاربت بريطانيا وفرنسا ضد روسيا القيصرية نيابة عن الدولة العثمانية.

ولم يكن الإسلام السياسى الذى تتم صناعته دوريّا على يد عملاء بريطانيا بعيدًا عن هذه الحقبة؛ حيث صنعت بريطانيا ودعّمت حركات الصحوة والجهاد والإحياء فى آسيا الوسطى الروسية خلال القرن التاسع عشر فى إطار المنافسة مع قياصرة موسكو، ولعبت بريطانيا اللعبة ذاتها فى شرق الجزيرة العربية خلال القرن الثامن عشر بوجه العثمانيين، ومنذ عام 1850 تلقت الزعامات الشيعية فى النجف وكربلاء بالعراق العثمانى رواتب مالية ثابتة من لندن عبر مستعمرة بريطانيا فى الهند، ولم يكن هذا الاتصال بين بريطانيا والإسلام السياسى الشيعى فى العراق تمهيدًا لغزو لندن للعراق عام 1917 إبان الحرب العالمية الأولى فحسب؛ بل كان تأسيسًا لعلاقات تاريخية بين بريطانيا والجنوب الشيعى العراقى حتى اليوم، إلى درجة أن الولايات المتحدة الأمريكية حينما اعتزمت غزو العراق عام 2003 قد اتفقت على أن يكون الجنوب العراقى تحت سيطرة الاحتلال البريطانى وليس الأمريكى على ضوء تلك العلاقات التاريخية.

وبعيدًا عن ثروات الشرق ومعابره التجارية، الشرق الأوسط دائمًا ما كان حائط الصد الأول أمام الإمبراطورية الروسية وتاليًا إمبراطوريات النمور الآسيوية الاقتصادية للوصول إلى مياه المتوسط الدافئة وفتح الطريق البرى من الصين والهند إلى أوروبا.

 لندن تصوغ القومية العربية

هكذا تم أواسط القرن التاسع عشر ابتكار ما يسمى بالقومية العربية على يد المخابرات البريطانية والقوى الغربية الاقتصادية الكبرى؛ استغلالًا لصراع الجنس العربى مع الجنس التركى المصطنع داخل الخلافة العباسية، واستمرار هذا الصراع مع صعود السلاجقة ثم العثمانيين.

قبل منتصف القرن التاسع عشر لم يكن هنالك عبر التاريخ كله فكرة القومية العربية أو الوحدة العربية أو فكرة أن الشعوب من المحيط للخليج ذات أصل عربى مشترك، أو أن تلك الشعوب تتحدث لغة واحدة أو ذات ثقافة واحدة، فالذى جمع بين تلك الشعوب هو فكرة الوحدة الإسلامية وليس الوحدة العربية، وما فكرة الوحدة العربية أو القومية العربية إلا أحد روافد فكرة الخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية ولاحقًا الإسلام السياسى.

ظهر الرعيل الأول من القوميين العرب على يد المخابرات البريطانية، ونظرًا لصعوبة إيجاد تمويل لهذه التحركات وقتذاك، تكفّل المحفل الماسونى الأسكتلندى ثم الفرنسى بتمويل القوميين العرب عبر جمال الدين الأفغانى، الذى أنشأ بدوره الجمعية الماسونية العربية من أجل أن يكون المحفل الماسونى العربى هو مؤسّس ومظلة للقومية العربية.

وبحسب الباحث والمؤرخ الأمريكى روبرت دريفوس Robert Dreyfuss رئيس وحدة الشئون الاستخباراتية للشرق الأوسط فى مركز Executive Intelligence Review الخاص بدراسات تاريخ وحاضر المخابرات الغربية فى كتابه «رهينة الخمينى» Hostage to Khomeini، كانت بريطانيا تدرس أن تخرج حركة الإخوان فى تلك السنوات باعتبارها حركة تؤيد القومية العربية، ولاحقًا درست بريطانيا فكرة أن تخرج حركة الإخوان فى العقد الأول من القرن العشرين على يد الشيخ محمد عبده باعتبارها حركة تنوير إسلامى قبل أن تستقر على فكرة الإخوان نسخة حسن البنا.

وتمت صياغة مصطلح «الولايات العثمانية الناطقة باللغة العربية» عبر مفكرى المشروع الاستعمارى البريطانى وتمريره إلى الرعيل الأول من القوميين العرب، وأصبحت القومية العربية أواخر القرن التاسع عشر فى واقع الأمر هو مشروع بريطانى لفصل الجزيرة العربية وشمال إفريقيا عن الدولة العثمانية بدعوَى أنها مناطق لا تتحدث التركية ويجب أن يكون لها دولة مستقلة خاصة بها.. هكذا صدح الاستعمار والإمبريالية البريطانية بخطاب عروبى ودعت بريطانيا إلى قيام الثورة العربية والوحدة العربية بوجه أى كيان عثمانى يحاول السيطرة على هذه المنطقة.

وقد تحمّس لفكرة القومية العربية، بالإضافة إلى طابور من النخب العميلة للغرب، طابور آخر من المثقفين العرب الذين رفضوا الهيمنة الثقافية التركية أو العثمانية، بالإضافة إلى الأقليات الدينية مثل المسيحيين فى الشام ويهود شمال إفريقيا، الذين نظروا إلى فكرة القومية العربية باعتبارها خلاصًا من استبداد الخلافة العثمانية، بالإضافة إلى بعض الساسة الطامعين فى مناصب سيادية حال استقلال «الولايات العثمانية الناطقة باللغة العربية»، بالإضافة إلى إشكالية الشعوب السورية؛ حيث لم تكن سوريا يومًا ما كيانًا موحدًا قط وبالتالى بحث السوريين عن فكرة جامعة للشعوب السورية فكانت القومية العربية.

نقد القومية العربية

ولقد حاول دعاة القومية العربية الالتفاف حول حقيقة أن مصطلح الشعب العربى لا ينطبق تاريخيّا وجينيّا إلا على سكان الجزيرة العربية، بالقول إن اللغة العربية تمثل ثقافة تجمع الشعوب وتصنع قومية مشتركة، وكان الرد بأن الشعب البرازيلى الذى يتحدث اللغة البرتغالية لا يصنّف باعتباره جزءًا من الثقافة البرتغالية أو جزءًا من القومية البرتغالية أو تجد من يدّعى فى البرازيل أن الأمّة البرازيلية اليوم هم نتاج جينى لقبائل برتغالية غزت البرازيل!

كما أن الأرجنتين التى تتحدث الإسبانية لا تعتبر جزءًا من الأمّة الإسبانية أو الثقافة الإسبانية بل إن النمسا وبلجيكا وشرق فرنسا؛ حيث تنتشر اللغة والثقافة الألمانية لا يعتبرون أنفسهم جزءًا من القومية الألمانية أو الأمّة الألمانية، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية التى لا تعتبر جزءًا من القومية البريطانية لمجرد أن بعض الولايات الأمريكية تتحدث باللغة الإنجليزية.

أمّا عن وحدة الدين، رغم حقيقة أن شعائر أهل مصر لدين الإسلام مختلفة عن أهل الحجاز وكليهما مختلف عن أهل الشام وثلاثتهم مختلف عن أهل العراق وكل هؤلاء مختلفون عن أهل المغرب وإيران؛ فإن الدين أيضًا لا يصنع قومية، فلم نرَ الدول ذات الكثافة السكانية الكاثوليكية فى أوروبا يعتبرون أنفسهم قومية كاثوليكية موحدة أو مسيحية واحدة، كما أن فى ذلك إقصاء لغير أبناء الأكثرية الدينية.

 الإسلاميون هم الرعيل الأول للقومية العربية

وللمفارقة؛ فإن رجالات الإسلام السياسى الموالين لبريطانيا هم الذين تحرّكوا فى مضمار القومية العربية وقتذاك، سواء جمال الدين الأفغانى أو محمد عبده ورشيد رضا، والأخير هو الذى اختار حسن البنا ورشحه للمخابرات البريطانية ودعّم فكرة الإسلام السياسى ونشأة تنظيم الإخوان بعد أن انتهى دوره فى صناعة ودعم القومية العربية.

وإذا كان رجالات الإسلام السياسى هم الرعيل الأول من القومية العربية؛ فإن الرعيل الثانى كان رجالات لورانس العرب، وهو «توماس أدوارد لورانس» ضابط بالجيش والمخابرات البريطانية، اندس فى الحقل الأثرى والأكاديمى البريطانى فى الشرق الأوسط كما فعل أغلب عملاء بريطانيا بادعاء الاهتمام بالثقافة الشرقية والانتساب لحركات المستشرقين.

 لورانس العرب الأب الروحى للعروبة

إن كتب التاريخ والمؤرخين تضج بالكيفية التى صنع بها «لورانس العرب» القومية العربية فى الجزيرة العربية والشام، وكيف أنه دعّم «جمعية العربية الفتاة السورية» وكيف أنه وضع اللبنة الأولى لتقسيم سايكس بيكو وقيام الدولة الإسرائيلية فى فلسطين المحتلة، حتى إن بعض المفكرين ينظرون إلى لورانس العرب باعتباره المؤسّس الحقيقى للقومية العربية والأب الروحى لفكرة القومية العربية والعروبة والوحدة العربية، ولكن من النادر الذهاب إلى الوثائق البريطانية التى كان يتحدث فيها لورانس العرب بخطاب إسلامى واضح عن كيفية استخدام القومية العربية لضرب الشرق الأوسط والدولة العثمانية.

فى كتابه «الإرهاب باسم الإله.. العبادة الوهّابية والجذور الخفية للجهاد الحديث» ينقل المؤرخ تشارلز آلان Charles Allen من الوثائق البريطانية نصّا أن لورانس العرب قال فى يناير 1916 إن الغرض من القومية العربية وصناعة القوميين العرب والثورة العربية الكبرى وقتذاك هو «صناعة صدع وانقسام فى الإسلام، ينتج عنه دول متشرذمة غير مستقرة وغير قادرة على العمل المشترك من أجل أن تظل وتصر على طلب رعايتنا الدائمة».

God's Terrorists: The Wahhabi Cult and the Hidden Roots of Modern Jihad

ثورة عربية برعاية بريطانية

أعلن الشريف «الحسين بن على» حاكم مكة ووالى مكة العثمانى، قيام الثورة العربية الكبرى فى 10 يونيو 1916، وإعلان قيام المملكة العربية الهاشمية، بترتيبات بريطانية من أجل صناعة ثورة القومية العربية ضد الدولة العثمانية فى زمن الحرب العالمية الأولى، وفى ثنايا تلك الثورة كان الرعيل الثانى من رجالات القومية العربية، الفريق «عزيز المصرى» أول رئيس مصرى لأركان حرب الجيش المصرى فى زمن الملكية المصرية، والأب الروحى لتنظيم الضباط الأحرار.. عزيز المصرى عُيّن وزيرًا للجهادية (وزارة الدفاع) فى المملكة العربية الهاشمية وكان رئيس أركانه هو العراقى نورى السعيد، الحارس البريطانى الأمين على قيام المملكة العراقية الهاشمية وحاكم العراق الفعلى فى مناصب رئيس الوزراء ووزير الدفاع والخارجية ورئيس مجلس النواب ولاحقًا الشيوخ، لم يغب نورى السعيد عن العراق الملكى الهاشمى البريطانى قَط وكان إعدامه وسحله فى شوارع بغداد فى ثورة يوليو 1958 العراقية إعلانًا بسقوط الملكية العراقية وسقوط النفوذ البريطانى فى بغداد.

ومع عزيز المصرى ونورى السعيد كان هنالك جوَقة من الضباط والساسة والأمراء والوجهان والمشايخ السوريين واللبنانيين والعراقيين والفلسطينيين والحجاز الذين سوف يكرّسون لاحقًا فكر القومية العربية فى سوريا ولبنان والعراق والأردن وفلسطين والحجاز حينما تنتهى الحرب العالمية الأولى ويقوم الغرب باسم القومية العربية بتنصيب فيصل بن الشريف الحسين ملكًا على العراق وعبدالله أخيه ملكًا على شرق الأردن والأخ الثالث على ملكًا على الحجاز، ومن أجل التنصل من وعود بريطانيا للأسرة الهاشمية بقيام مملكة عربية موحدة للقومية العربية بين الحجاز والعراق والشام يتم ترك الدولة السعودية الثالثة تسقط حكم الهاشميين فى الحجاز وينتهى الرعيل الثانى للقومية العربية الموالى لبريطانيا.

وللمفارقة؛ فإن السجلات البريطانية تنقل لنا بشكل دائم احتقار بريطانيا لفكرة القومية العربية التى ابتكرتها، حتى إن أحد رجالات الحرب العالمية الأولى والمشرفين على إدارة وابتكار القومية العربية والإسلام السياسى وقتذاك السير الجنرال والتر نورس كونجريف Walter Norris Congreveكتب يقول إن «العرب سواء مسلمين أو مسيحيين ويهود كلهم بهائم ومصيرهم لا يعادل حياة إنجليزى واحد».

ورغم أن الجيل الثالث من القومية العربية قد شكّل حركات التحرّر العربى من الاستعمار الغربى عمومًا والبريطانى على وجه التحديد؛ فإن بريطانيا وبعد ذلك الولايات المتحدة وجدت أن لعبة «فرّق تَسُد» بين القوميين العرب والحركات الوطنية فى مصر والعراق وسوريا، وبعد ذلك الصراع بين القوميين العرب والشيوعيين العرب، ولاحقًا بين القوميين العرب والإسلاميين العرب، سوف ينهك ويستنزف الشرق الأوسط وهو ما حدث حتى اليوم.

 القومية المصرية هى الحل والأصل

وبعيدًا عن الرومانسية الثورية واليسارية فإن فكرة القومية العربية قد انتهت عمليّا عقب حرب يونيو 1967، رغم العمل العروبى الموحد فى حرب أكتوبر 1973 فإنه بدا واضحًا فى أكتوبر 1973 أن فكرة السوق الأوروبيّة المشتركة والوحدة بين الدول على الطريقة الأوروبية الحديثة وليس الخلافة الإسلامية العتيقة هى الحل، وأن إحياء الحركات الوطنية للشعوب بدلًا من طمس الهوية والخصوصية الثقافية مقابل إعلاء قيم قومية صنعها الاستعمار البريطانى هو الحل الأمثل.

ويلاحظ؛ أنه عبر تاريخ مصر لم تنتصر الدولة المصرية إلا بالانحياز للقومية المصرية والدولة الوطنية المصرية والخصوصية الثقافية المصرية، وأنه حينما كانت مصر تتحرر من فكرة الجامعة الإسلامية والدول متعددة القوميات كانت تدير الشرق الأوسط حتى لو كان حاكمها ليس مصريّا، كما الحال فى سنوات الأسرة الأيوبية وأسر المماليك والرعيل الأول من أسرة محمد على باشا.