الجمعة 19 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

السينما المستقلة والتمرد على هوليوود

المتابع الجاد لما تنتجه السينما الهوليوودية على مدار العقدين الأخير بإمكانه أن يلاحظ ببساطة أن هناك صعودًا حادًا فى النزعة التعبيرية والتجريبية لدى زمرة من المخرجين والمؤلفين لم يجمعهم شىء سوى ميلهم نحو التحرر من سلطوية شركات الإنتاج والخط التجارى الاستهلاكى ورفض الانطباعية السائدة فى السينما الأمريكية منذ أن كان لها وجود وإدانتها بوصفها أسلوبًا سلبيًا ساكنًا.



وبالتالى نظّمت تلك النزعة نفسها فى آليات سينمائية قوامها هو الاستفزاز والتمرد واستحداث بنى سردية جديدة للقصص، فضلاً عن عدم الترفع عن هموم ومشكلات إنسان القرن الـ21، فبات هناك ذاتية مفرطة تحاول السيطرة على قلقها المحض ورفضها العالم عن طريق إعادة تفكيكه وإخضاعه لرؤيتها الخاصة. إن الصدمة التى شعر بها العالم كله فى خمسينيات القرن الماضى، بفضل الموجة السينمائية الجديدة ومجلة «كراسات السينما» الفرنسية ومؤلفيها الذين أضحوا أساطير إخراجية فيما بعد مثل «جان لوك جودار» و«فرانسوا تروفر» لم يكن هناك مناص بأن تنجو هوليوود منها؛ فها هو «مارتن سكورسيزى» يحكى فى مذكراته أن هذه الصدمة كانت سببًا فى تمهيد الطريق أمام جيل من المخرجين الشباب فى الولايات المتحدة بأن يصنع أفلامه بيديه، فظهرت أسماء مثل «وودى آلان» و«فرانسس فورد كوبولا» و«براين دى بالما» رغم أن بعضًا من مخرجى هذا الجيل من أمثال «ستيفين سبيلبرج» و«جورج لوكاس» نبذوا هذا التيار وأصبحوا جزءًا من سلطوية هوليوود وسينماها التقليدية. بدأت تلك الموجة الطليعية فى التبلور واستحداث أساليب خاصة بها وأصبح لها أصالة خالصة مع بزوغ نجم «كونتنين تارانتينو» مطلع التسعينيات ونجاح فيلمه الثانى «خيال رخيص»، الذى كان أول فيلم مستقل يتخطى حاجز الـ 200 مليون دولار، ويحصل على 7 ترشيحات أوسكار، ويفوز بواحدة -أفضل نص أصلى- ويحطم لأول مرة ذلك الحاجز الثخين بين السينما المستقلة والسائدة عندما أقحم الأولى فى الجانب التجارى -هو اختصاص الثانية- واستطاع ملء الفراغ الهائل الذى عانت منه السينما الأوروبية والبريطانية بالتحديد، وهو افتقارها إلى المخرج المؤلف وهى تلك النظرية التى يترقى فيها المخرجون ليصيروا فى مكانة المؤلفين والفنانين الذين يتمتعون بالرؤية الفنية. لقد تربع «تارانتينو» بلا منازع، خلال التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة على عرش مخرجى تلك الموجة التى سرعان ما أصبح لها اسم خاص بها وهو «السينما المستقلة»، وسرعان أيضًا ما استقطبت مخرجين آخرين أمثال «الأخوة وتشاوسكى» و«كيفن سميث» و«جيمس وان» و«ستيفن سودربرج» و«كريستوفر نولان»، إلا أن أحدهم وهو «بول توماس أندرسون» تمكن من لفت أنظار منتجى هوليوود بأن صدمهم صدمة شديدة عبر فيلمه «ماجنوليا» إنتاج 1999، فأثبت «أندرسون» أطروحة الفيلسوف «جيل دولوز» حول أن السينما ليست وسيطًا لقص حكايات بل لتوليد أفكار عبر القصص. على عكس «تارانتينو»، لم يستحضر «أندرسون» خبراته الوجودية لكى يتشكل منها اللاوعى الجمعى تمامًا كما حدث مع منهج البنيوية، بل نراه قد ابتدع لغة إشارة خاصة به للتعبير عن رؤيته الخاصة، إنها ظاهرة تحاول فهم نمط حضور الإنسان فى العالم ولكن من خلال واقع السينما، فإذا كانت الإشارة عادة ما تتفوق على اللغة وتتجاوزها، فإن صور «أندرسون» السينمائية كانت أبلغ وسيلة لتوليد الأفكار وممارسة عملية التفكير بعيدًا عن مسرح الواقع، رغم أنها مغرقة فى ذاتيها وهى أحد المفاهيم الأولية التى ساهم «سكورسيزى» و«آلان» ولاحقًا «تارانتينو» فى صياغتها. إن السينما، بحسب عالم النفس الأمريكى «هوجو مونتسربيرج»، تتحرك بعيدًا عن الواقع وتقترب من العقل الذى يخلق هذا التحول فى الشكل ليعيد خلق عالم بطريقته الخاصة، لذلك يجب مشاهدة السينما المستقلة باعتبار أنها إبداعها التخيلى الخاص حتى عندما تبدو للوهلة الأولى واقعية، فهى عالم آخر، عالم جديد له بناء، عالم تم التفكير فيه مليًا ونحن كمتفرجين نغرق فيه، لذا نرى «أندرسون» يسحبنا إلى عالمه/عقله هذا بأن يركن إلى تفسير وضعنا فى العالم من خلال أفلامه وعوالمها التى غيرت شكل العالم الحقيقى. من أهم خصائص السينما المستقلة أنها تجعل لمخرجيها حرية مطلقة فى تفكيك مفهوم الممثل وإعادة بناء مشروعه وفقًا لما تقتضيه رؤية المخرج، فمثلاً نرى أن «روبرت دى نيرو» مع «سكورسيزى» يختلف شكلاً وموضوعًا عن «روبرت دى نيرو» مع مخرج آخر، وجميع الممثلين الذى يظهرون فى أفلام «تارانتينو» لا ترى لهم نفس «البريق» الذى تراه فى أفلامه، فى الأفلام الأخرى التى يظهرون بها، حتى لو استثنينا «ليوناردو دى كابريو» و«براد بيت»، اللذان أعادا اكتشاف نفسيهما فى «حدث ذات مرة فى هوليوود» إنتاج 2019. فى 2002، طرح «أندرسون» أحد أكثر غرابة وصدمة للجمهور ولتقاليد هوليوود، وهو «ضربة الحب السكير»، فهو وإن كان يعد ذروة الشاعرية والرقة عند «أندرسون»، وهو ما كان غريبًا عنه لإنه مخرج فيلسوف أصلاً وليس مخرجًا شاعرًا، إلا أنه وصل فيه إلى مستوى غير مسبوق من «الفصاحة» فى البلاغة السينمائية ظهرت بعد ذلك بشكل أوضح فى رائعته «ستسيل الدماء»، لكن تلك الشاعرية لم تطغى على «عقله السينمائى». لقد وصف «سكورسيزى» هذا الأسلوب فى أحد لقاءاته، بأن قال إن «الفصاحة» السينمائية عليها أن تركن إلى قواعد دقيقة لنقل أفكار ومشاعر المخرج عبر الصورة السينمائية والتقنيات الإخراجية، إنها تمامًا كالنحو فى اللغة، إننا ندرك تمامًا على الفور أن «بارى إيجان» -بطل الفيلم- شاب يعانى من وحدة مفرطة وذلك فى أول ثوانٍ من بداية الفيلم، حيث إن «أندرسون» جعله جالسًا على مكتبه فى أقصى يسار الغرفة، وفى أقصى يسار إطار الشاشة.. إنه معزول تمامًا! وبعيدًا عن ذلك، تمكن «أندرسون» من اكتشاف موهبة دفينة لدى الممثل «آدم ساندلر»، وهو الذى بمجرد سماعك اسمه سيصيبك الكدر متذكرًا أفلامًا رديئة مثل «كليك» وجيك آند جيل»، فهو المعروف عنه حتى الآن، أنه أحد أسوأ الممثلين فى تاريخ الكوميديا، رغم أنه كان نجمًا فى التسعينيات وكان محبوبًا للغاية، لكنه ظل حبيسًا لاختياراته المذرية التى جعلت أغلب المخرجين الجادين يبتعدون عنه. إن هذا «اليأس» لم يتمكن من «أندرسون» بيد أنه جعل من «ساندلر» -ولا مبالغة هنا-عبقرى تمثيل تمكن ببراعة شديدة من ترجمة أفكار «أندرسون» عن بطله «بارى» إلى الجمهور، لكن سرعان ما انحدر «ساندلر» إلى الهاوية مرة أخرى وظل طيلة 15 عامًا يترنح بين الابتذال وثقل الظل، حتى أنقذه «نواه باومباخ» عام 2017. «باومباخ»، الذى ينافس بقوة على جائزة الأوسكار 2020 عن فيلمه الجديد «قصة زواج»، يرى فى نفسه ابنًا روحيًا لـ«براين دى بالما»، ذلك أنه أخرج فى 2015 فيلمًا وثائقيًا عنه، وهو أيضًا أحد أبناء الجيل الطليعى لمدرسة السينما المستقلة؛ إذ أنه أبهر النقاد حقًا فيما اعتبروه بعضهم أحد أفضل الدراما الكوميديا فى العقد الأخير، وهو فيلم «قصص مايرويتز»، الذى كان ثانى تعاون له مع الكوميديان «بين ستيلر» الذى اكتشف نفسه هو الآخر مع «باومباخ». الفيلم يتحدث عن عجوز عبثى يدعى «هارولد» يجسده العبقرى «داستن هوفمان» الذى يعيش مع زوجته الجديدة «مورين»/«إيما تومبسون» فى منزله القديم بالمدينة، يزوره ابنه الأكبر «دانى»/ «آدم ساندلر» المنفصل عن زوجته حديثًا ولا يوجد لديه مكان ليقيم فيه، فيدعوه والده ليقيم معه عدة أيام خلال غياب الزوجة فى رحلة مع أصدقائِها، ويحلق بـ«دانى» الابنة «جين»/ «إليزابيث مارفل» بينما نرى ظهورًا خاصًا للأخ الثالث «ماثيون»/ «بن سيتللر». رغم إن قصة الفيلم تبدو بسيطة للغاية، إلا أن ذاتيتها تظهر من خلال الحوار المتداخل -العبثى أحيانًا- الذى استخدم فيه «باومباخ» أسلوبه الفريد فى تداخل حوارات الشخصية التى ينبثق عنها صراعات درامية، والتى لو فككناها أيضًا سنرى أفكارًا فلسفية مجردة تصارع بعضها بعضًا، إنها شبيهة للغاية بنصوص «صامويل بيكيت» المسرحية. ومع ذلك، فإن أداء «ساندلر» فى الفيلم يرقى لأن يكون ظاهرة قد نجادل بأنها لن تتكرر، فقد كان مفاجأة الفيلم بلا منازع ووصل فيه إلى ذروة تألق موهبته، فجعلنا نشاهد «ساندلر» الذى رآه «أندرسون» وليس هوليوود وحتى نفسه، فبكل براعة جعل الجمهور يتوحد معه ومع شعوره بالتوتر والضياع والتيه. طيلة الشهر الماضى،أصبح «ساندلر» حديث جميع النقاد بعد الإشادات الواسعة التى حصل عليها فى آخر أفلامه «جواهر غير مصقولة» من إنتاج «مارتن سكورسيزى»، وهو الفيلم الذى يعد ثانى تجربة روائية مكتملة للأخوين «جوش سافدى» و«بينى سافدى»، وهما اللذان يمكن اعتبراهما الموجة الحداثية للتيار الاستقلالى فى هوليوود. أحد النقاد وصف سينما «سافدى» بأنها علاج بالصدمة الكهربائية وتحفير لمخاوفنا الدفينة بالظهور أمامنا، وهذا بالضبط ما انطبق على جميع الآراء التى وجهت لأداء «ساندلر» فى «جواهر غير مصقولة». >