الخميس 18 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

باقى زكى بيسَلَّم عليِك!

باقى زكى بيسَلَّم عليِك!
باقى زكى بيسَلَّم عليِك!


كتب: خيري حسن
 
(الجيزة ـ 2019)
جلست منذ أسابيع على مقهى، فى حارة بشارع مراد. بجوارى رجل سبعينى يجلس متوترًا، وملامحه حادة، ويرتدى نظارة طبية سميكة، وفى يده صحيفة الأهرام. وصوته مرتفع وهو يشرح للنادل، خطورة خروج المظاهرات فى ظل تراجع إثيوبيا، ورفضها مواصلة المفاوضات حول سد النهضة. النادل يهز رأسه بملامح لا توضح رضاه أو عدم رضاه، عما يسمعه. والرجل منفعلاً يقول: هل تعلم يا «سالم» أن إسرائيل، وضعت بطاريات دفاعية، لحماية السد الإثيوبى، ضد أى عمل عسكرى يوجه له؟ رد النادل: «طيب والحل»؟ هز الرجل رأسه وأخرج من جيبه حافظة نقوده، ودفع حساب القهوة التى لم يكملها وتركها مكانها. ثم غادر المقهى مهرولاً. وهو يقول: نحن جميعًا مع التفاوض، ومع حفظ حقوق الجميع فى التنمية والاستقرار، لكن على الجميع ـ فى المجتمع الإقليمى والدولى ـ أن يعلموا  أن المياه بالنسبة لنا «حياة أو موت».. وساعة الجد.. هناك ألف حل ثم قال ساخرًا للنادل:«خليك فاكر خط بارليف يا سالم»! قالها، وهو يعبر الشارع حتى غاب وسط الزحام! فى الوقت الذى دار فى ذهنى، وسيطر على خيالى، قصة الضابط «باقى زكي يوسف» صاحب فكرة إزالة خط بارليف المنيع، الذى انهار وسقط - حسبما ذكر الرئيس السادات - فى ست ساعات. 

(مصر الجديدة ـ 2016)
وصلت إلى ذلك الحى الهادئ فى تلك الليلة الصاخبة من عام 2016. الساعة الآن الثامنة مساء. الشوارع - إلى حد ما- يغلب عليها طعم البهجة. الكل فى انتظار رؤية هلال رمضان. اقتربت من بواب يجلس أمام عمارة عتيقة، وفى يده راديو قديم، صغير الحجم. ويهز دماغه على أغنية «وحوى .. يا وحوي». بعد لحظات كنت بجواره أسأله عن منزل «المقدم باقى زكى». وقف ينظر لى، دون أن يغلق الراديو، ويقول: «تقصد المقدم البطل «باقى زكي يوسف» (1931 - 2018) الذى ضحك على الصهاينة، وهدم فوق دماغهم، خط بارليف؟ قالها الرجل بفخر، واعتزاز، وهو يضحك، ويعدل جلبابه فى زهو، ويسبقنى بخطوات فى طريقنا إليه، وهو يدندن «رحت يا شعبان/ جيت يا رمضان/ هل هلالك والبدر أهو بان/ شهر مبارك وبقاله زمان/ محلا نهارك بالخير مليان»، ثم التفت لى قائلاً: «عارف يا أستاذ.. نحن قضينا سنوات بعد النكسة والأرض محتلة؛ لا نشعر فيها بطعم الفرحة فى أى شيء.. كانت الليالى كلها عتمة، وطعمها مر. لكن بعد العبور، الدنيا اتغيرت. بعد دقائق وصلنا إلى مدخل العمارة. عندها ودعنى وهو يواصل سماع أغانى رمضان. ثم قال: «السلام أمانة للرجل العظيم عمنا باقى بيه».. ثم عاد من حيث جاء. صعدت على السلالم للدور الأول. باب الشقة مكتوب عليه اسمه فقط «باقى زكي يوسف» من دون ألقاب. بعد ثوانٍ فتح لى بنفسه. على وجهه ابتسامة صافية. وفى عينيه حالة رضا واضحة. بعد دقائق جاءت زوجته قائلة: «كل سنة وأنتم وإحنا طيبين، رمضان غدًا إن شاء الله». ثم جاءت بطبق به حلويات رمضانية، وقالت: هذه حلويات رمضان نستعد بها معكم- كإخوة أقباط - ونشارك بها فرحتكم بالشهر الكريم. ابتسمتُ وأنا أتجول بنظرى فى تلك الشقة الصغيرة، التى يعيش فيها هذا الرجل البطل، الذى قهر العدو بعقله، وإخلاصه ووطنيته، وحبه لبلده، حتى وقعت عيني- وتوقفت - على صورة قديمة له، معلقة على الحائط، بزيه العسكرى وهو على الجبهة. وتوقفت معها عقارب الزمن قليلاً.

(أسوان ـ 1965 )
 عاد بنا الزمن، وبدأ الرجل يتذكر تلك الأيام العصيبة قائلاً: درست فى كلية الهندسة جامعة عين شمس قسم ميكانيكا سنة 1954. والتحقت بالقوات المسلحة فى العام نفسه. وعملت فى جميع الرتب والمواقع المختلفة حتى رتبة اللواء، وأثناء خدمتى جاء بناء السد العالى وبدأ العمل فيه، وطلب وقتها من القوات المسلحة، ضباط مهندسون فى تخصصات مختلفة، خصوصًا المحركات والمعدات. كانت شغلتى فى الأول فى قسم محركات، حيث كنت كبير مهندسى ورش رئيسية لها. وكان حظى أننى دخلت فى الطقم الذى وقع عليه الاختيار للسفر إلى السد العالى. وأول وظيفة لى كانت ورش محركات السد، وبدأت مدير «جراج» الشرق الذى كان يعمل به ما يقرب من ألفى عامل ومهندس بالإضافة إلى 80 خبيرًا روسيًا وكان يعمل هذا الجراج على مدار 24 ساعة يوميًا، بصورة متصلة، مهمتنا كانت نقل الأحجار، والصخور، والرمال، وتجريف المواقع المحددة، والمتفق عليها فى الخطة. وظل ذلك حتى أوائل يونيو 1967 ثم جاءت النكسة فى 5 يونيو. وبدأ الغرب والقوى الدولية توفر لإسرائيل المناخ العسكرى الجيد للحرب. حتى إن البعض منهم قال عن 67 إنها نصر فاق كل أحلامهم. أو هكذا تصوروا هذا! وبعدما أصبحت سيناء كلها مع العدو، فكر فى إقامة ساتر ترابى (خط بارليف) حتى يحتمى فيه، وبدأ يستفيد من الكثبان الرملية بالإضافة إلى ناتج حفر قناة السويس، وناتج التطهير.

(الضفة الغربية للقناة ـ 1968)
عاد باقى زكى من أسوان واتجه إلى الورش التى كان فيها قبل انضمامه لفريق العمل فى السد العالى، ثم وجد نفسه رئيس فرع مركبات الفرقة (19) ومهمته هو القيام بصيانة، وإصلاح العربات، والمعدات الموجودة فى الفرقة. عن هذه المرحلة يقول: «عندما كنت أمُر كل يوم لعمل الصيانة الدورية، كانت عينى تذهب إلى الضفة الشرقية، حيث الساتر الترابى يلفت انتباهى بشدة، كلما مررت عليه ذهابًا وإيابًا، وأنا أرى استمرار العمل على ارتفاعه من جانب العدو. ويزيد من ارتفاعه، بعدما جاءت شركات متخصصة عالمية، وتم تحصينه ببناء مصاطب دبابات، وحقول ألغام، وأسلاك شائكة، ومعدات عسكرية متنوعة، ومتقدمة، وبذلك تحول الساتر الترابى بمعداته ونقاطه الحصينة إلى نقطة قوة فى استراتيجية الحرب بالنسبة للعدو، وحجم المعدات التى زرعت به، حولته إلى قلعة من القلاع المحصنة من بورسعيد للسويس. وكنت أراهم يقربونه من المياه، ويقومون بعمل ميل فيه. ونحن فى الغرب قواتنا، على وضعها الدفاعى، وكلما رأيتهم سألت نفسى قائلاً: لو هذا الساتر فى أسوان؟ بمعنى أننى كنت أقول ـ بينى وبين نفسى ـ إن هذا الساتر لو فى أسوان كنا (شيلناه شيل) فنحن فى أسوان رفعنا جبالاً من الرمل، لأننى عندما قمنا ببناء السد، قمنا برفع جبال كاملة من الرمل المحيط بالسد، بتجريف جسمه. وظل هذا السؤال يدور فى ذهنى عدة شهور حتى جاءت اللحظة والوقت المناسب.

(مسرح العمليات ـ  1969)
الساعة الآن الواحدة بعد منتصف ليلة من ليالى شهر مايو 1969. الفرقة 19 المكلفة دفاعيًا غرب القناة، تستعد -طبقًا لتعليمات القيادة العامة للقوات المسلحة وقتهاـ لاتخاذ مواقعها الهجومية، وفتح ثغرات فى جسم خط بارليف المنيع والعبور للضفة الشرقية من القناة. حالة من الصمت انتابت الجميع، الضوء فى الخندق ضعيف جدًا. والعدو فى المواجهة يترقب. الاجتماع سرى للغاية. والتعليمات واضحة وصريحة. وبعض فناجين القهوة والشاى ما زالت أمامهم، وما إن يفرغوا منها حتى توضع غيرها ممتلئة. ودخان السجائر يصعد حول الضوء الخافت، ليبتلع معه أمل العبور، فى ظل تحصينات العدو. فى الاجتماع تحدث قائد الفرقة وشرح طبيعة المهمة، ثم تحدث القادة. كل قائد فى تخصصه. الاستطلاع، والعمليات، وسلاح المهندسين. ثم رفع الضابط «باقى زكي» يده ليتكلم -بعد الاستئذان- بصفته قائد سلاح المركبات فى الفرقة، وهو المنوط به أن يوفر المركبات التى ستنقل المعدات لتنفيذ المهمة. لكن أى مهمة؟ والخسائر ستكون نسبتها ـ طبقًا للدراسات الإستراتيجية والعسكريةـ على الأقل خسائر بشرية تقدر بـ20 ٪ من القوات. وكل ثغرة طبقاً لما تحدث به قادة أفرع الفرقة ستكون فى حاجة لـ12 ساعة على الأقل. ثم كيف سيتم ذلك وقائد الاستطلاع يؤكد فى الاجتماع أن للعدو قوات متمركزة فى أكثر من موقع، وستواجه أى محاولة للعبور مدعومة بالدبابات والطائرات، فى ظل المدة الزمنية التى سيستغرقها فتح الثغرات بالطرق العادية وهى القنابل والصواريخ. أعقاب السجائر وفناجين القهوة الفارغة، والوجوه يعلوها الحزن. الجو فى الاجتماع بشكل عام أصبح مصحوباً بالضباب.. أنا ما زلت فى منزل اللواء باقى زكى بجواره، أنظر للصورة وهو أمامي. وهو ينظر لى بترقب ودهشة، ثم مد يده للطبق الذى أمامى وقال: اتفضل بكرة صيام.. قالها وهو يضحك. ثم قال: رمضان كريم علينا كلنا. قلت: هل تذكر تلك الليلة فى الجبهة التى مر عليها اليوم ما يقرب من 50 عامًا. رد: طبعًا.. يومها بعدما تحدث أغلب القادة قلت للقائد: هل تسمح لى يا أفندم بالكلام؟ نظر لى بضجر وهو يشعل سيجارته الخامسة قائلاً: لم يأتِ دورك بعد.. انتظر؟ بعد دقائق.. قلت: يا أفندم أريد أن أتحدث، فأنا عندى ما أقوله؟ رد: حاضر يا باقي.. ولكن عليك أن تنتظر. وبالفعل نفذت الأوامر حتى قال: اتفضل. ثم أطفأ سيجارته وقال بصوت قوي: «يا باقى إنت نمت ولّا إيه»؟ رديت: يا أفندم.. أنا لم أنم ملء جفونى منذ احتل العدو سيناء. ثم قلت: بعد إذن سيادتك أنا لدىّ ما أقوله. رد قائد الفرقة: عندك إيه باقي؟ اتفضل. قلت: يا أفندم أنا استمعت لشرح ومهام العملية من السادة قادة الاستطلاع والعمليات والمهندسين، وأنا أتحدث بصفتى قائد المركبات فى الفرقة التى سيكون دورها فى العملية نقل المعدات ورفع المخلفات التى ستحدثها عمليات الفتحات فى جسم خط بارليف. وأعدت فى جمل مختصرة رؤية كل قائد سلاح فى الفرقة، من حيث الوقت الزمنى والخسائر المتوقعة وكل التفاصيل المشابهة.. وأثناء ذلك الشرح وجدت نفسى دون ترتيب، ولا تفكير، ولا إنذار مسبق، أقول: لكن يا أفندم لدينا حل آخر؟ نظر القائد والقادة لى! ثم أكملت: «أيوه يا أفندم.. فيه حل تانى.. الميه تحتنا» نظر الجميع فى دهشة وهز القائد رأسه وقال ما هو: قلت: طلمبات سحب، كابسة، تثُبت على زوارق خفيفة، قوية، تسحب المياه من القناة، وتضخها بقوة اندفاع شديدة عن طريق «بشابير»على الساتر الترابى فينهار. والمياه تجرف الرمل أمامها، بمساعدة درجة الميل فى الساتر، فتسقط الرمال بقوة إلى قاع القناة. وهنا سكت وسكت الجميع.. الصمت خيّم على المكان ثواني. القائد مذهول من الفكرة. والقادة ذهبت عقولهم إلى «سكة» أخرى. الساعة اقتربت من الثالثة صباحًا، فى المخبأ الذى يستقبل هذا الاجتماع التاريخى. والضابط «باقي» ما زال صامتًا.
قائد الفرقة يبتسم -ربماـ للمرة الأولى منذ عام 67 والأمل بدأ يُحول ملامح وجهه من الكآبة إلى الفرح. ثم قال: «واحدة.. واحدة.. علينا كده.. وياريت تعيد من الأول». بالفعل أعدتُ مرة أخرى فكرتى، وانتهى الاجتماع، وعلى الفور تم الاتصال بالقيادة الأعلى للفرقة - رغم أن الوقت كان متأخرًا - والقيادة اتصلت بالقيادة بالقاهرة، ثم جاء الصباح.

 ( القاهرة ـ 1969 )
فى الصباح كان «باقى زكى» فى طريقه للقاهرة لقيادة الأركان فى العمليات، وبعد دقائق كان فى قيادة سلاح المهندسين وبعدها ذهب إلى قيادة العمليات، وتم الاستماع لما طرحه فى اجتماع الفرقة، ثم عاد للجبهة مرة ثانية. بعد أيام تلقى اتصالاً من قائد الفرقة، وطلب منه فيه كتابة الفكرة باختصار، على أن تكون جاهزة بعد ساعة؛ لأن قيادة الجيش ستجتمع مع الرئيس عبدالناصر لعرضها عليه وبالفعل قام بذلك. الأيام والأسابيع والشهور مرت، تحولت فيها الفكرة إلى واقع، وبدأ سلاح المهندسين، يعمل على تحقيق الهدف منها. وجاء يوم السادس من أكتوبر لتتحقق الفكرة التى جاءت له - كما يقول باقى زكى - من عند الله، بلا تفكير، وبلا تدبير، وبلا تخطيط، وكأنها هدية من الله، ليتحقق بها الحلم، وننتصر، ونهزم العدو هزيمة، لن ينساها عبر السنين.

(مصر الجديدة ـ 2016)
 وعند الهزيمة والنصر ودعته، وهو يحتضننى بقوة، وسعادة شديدة. ومن باب المطبخ خرجت السيدة زوجته تقول بود شديد:«على فين؟ أنا الآن أعد لك وجبة سحور طازجة». شكرتها بشدة، ثم ودعتهما، وترجلت على سلالم العمارة التى بلا أسانسير، حتى خرجت إلى أول الشارع. من بعيد سمعت صوتًا من خلفى ينادينى. التفت فوجدته بواب العمارة عم محمد أبو عيسى الذى اصطحبنى إليه قبل قليل وهو يقول: «بلغته سلامى يا أستاذ». قلت وأنا ابتسم:«بيَسلَّم عليِك».