كيف تشعل المافيا الفوضى وتستفيد منها؟!
قيل عنه أنه أعظم مسلسل عُرض على الشاشة الصغيرة.. وقيل عنه أنه لولاه لما دخلت الدراما الأمريكية عصرها الذهبى، فهو الذى كسر جميع التقاليد الهوليوودية ومهد الطريق لظهور مدارس سينمائية وتليفزيونية جديدة، سواء من خلال الحبكات المعقدة والجُمل الحوارية الواقعية والبسيطة، وإظهار الشخصيات المركبة التى يُطلق عليها اصطلاحًا فى الدراما «نقيض البطل» Anti-hero، وهو الذى استطاع أن يدخل التاريخ كأحد أفضل أعمال المافيا الإيطالية على الإطلاق لينضم بذلك إلى تحفتى (العراب The Godfather) و(أصدقاء طيبون Goodfellas).
مسلسل (آل سوبرانو The Sopranos) ظهر للنور لأول مرة فى يناير 1999 على شبكة «إتش. بى. أو»، وانطلق خطه الدرامى الأساسى من فكرة بسيطة للغاية قدُمت بشكل هزلى فى السينما مع فيلم (حلل هذا Analyze this) للعملاق «روبرت دى نيرو»، الذى يؤدى شخصية «بول فيتى» زعيم إحدى عائلات المافيا الخمس التى تسيطر على ولاية نيويورك الأمريكية، لكن فى حالتنا تلك نرى رجلاً عاديًا بلكنة أهل نيوجيرسى يجلس مقابل طبيبة نفسية ويشتكى لها إحساسه بالحزن بعد رؤية مجموعة من البط تعيش فى مسبح منزله، ثم يعرض لها مجموعة من الصور النمطية والتقليدية من داخل حياته وأسرته فيلوح للمشاهد أنه بصدد رؤية مسلسل ميلودراما طويل أو ما يطلق عليه Soap opera.
لا يُدرك المشاهدون أنهم خُدعوا إلا بعد النصف الثانى من الحلقة الأولى، حينما يظهر لهم الجانب المظلم من بطلهم «طونى سوبرانو»، وهو ينهال بالضرب على أحد الأشخاص حتى كاد أن يقتله لأنه يدين له بحفنة أموال، وهو نفس الأسلوب الذى نراه فى أفلام «مارتن سكورسيزى»، لنعرف على الفور أن «طونى» ليس رجلاً عاديًا، بل أقوى رجل فى ولاية نيوجيرسى كلها وزعيم عصابة المافيا التى تسيطر عليها، وسرعان ما بدأ المسلسل يطرح تساؤلاً واحدًا قضى 6 مواسم فى الإجابة عنه: هل يُشفى «طونى سوبرانو»؟.
كانت الفكرة الأولى لدى «ديفيد تشيس» صانع المسلسل وكاتبه، هى أن يذهب «فيتو كورليونى» بطل (العراب) لطبيب نفسى، وظلت هذه الفكرة تراوده منذ السبعينيات وحينما قرر كتابتها كان ينوى تحويلها إلى فيلم عن زعيم عصابة يذهب لطبيب نفسى بسبب مشاكل مع أمه أسفرت عن إصابته بنوبات هلع، وفى 1995 قرر تحويلها إلى مسلسل تليفزيونى مستلهمًا أحداثه من حياته الخاصة التى قضاها طفلاً صغيرًا فى نيوجيرسى.
فكانت شخوص المسلسل الرئيسية والثانوية مقتبسة بشكل كبير عن عائلة «تشيس» ذات الأصول الإيطالية، فنراه يستغل علاقته المضطربة مع أمه ويضعها على الورق لتصبح حبكة رئيسية للمسلسل كله، هذا ناهيك عن أن عائلة «سوبرانو» تشبه إلى حدٍ كبير عائلة «دى كافيلكانتى»، التى لا تزال تسيطر على نيوجيرسى حتى الآن، والتى انزعجت كثيرًا حينما عرفت أن صنّاع المسلسل كانوا يصورون عشرات الحلقات فى الأماكن التى تسيطر عليها فى مدينة نيويورك، لدرجة أن مقطعًا صوتيًا انتشر قديمًا على شبكة الإنترنت لأحد أعضاء العائلة وهو ينهال بالسباب على المسلسل.
ورغم أن «تشيس» كان مهووسًا بأفلام عصابات المافيا الكلاسيكية على غرار (عدو الشعب، The Public Enemy والمحصنون، The Untouchables)، فإنه رفض أن يركز على الجانب التقليدى لعصابات المافيا من قتل وتعذيب ووحشية وقاعدة الصمت الشهيرة Omerta، وقرر السير على نهج «سكورسيزى» و«آرثر ميلر» و«تينيسى ويليامز» و«فيديريكو فيلينى»، وتسليط الضوء على جوانب أخرى، فكان أمام اختبار صعب وهو أنه كان مضطرًا أن يجعل المشاهد يتعاطف مع «طونى»، فاستغل رغبة الجميع فى البحث عما يشبع رغباته الداخلية من رؤية القتل والدماء والخروج عن القانون، وسار على غير المألوف لدى كتّاب السيناريو وكتب مشاعر وأفكار لا يشعر بها «طونى»، وهو ما جعل المشاهد لا يريد أن يصبح مثل «طونى» ولا يصدقه، وفى نفس الوقت لا يستطيع كبح جماحه والتوقف عن مشاهدته.
المفارقة بين الجانب الإنسانى لـ«طونى» وجانبه المظلم الوحشى، وعلى قدر واقعيتها وغموضها وتناقضاتها فى السيناريو، لم تكن لتنجح إلا على يد العظيم الراحل «جيمس جاندولفينى»، الذى لم يكن نجمًا قبل ظهوره فى المسلسل ولم يشتهر فقط سوى من خلال دوره القصير فى تحفة «طونى سكوت» و«كونتين تارنتينو»، (رومانسية حقيقية) من إنتاج 1993، لكنه استطاع من خلال «طونى» أن يجعل الملايين يحبونه منذ أول لقطة ويعشقون صوته وطريقة حديثه ونظراته وقدرته الغربية على تمثيل مشهد كامل بعينيه فقط، هذا ناهيك عن أنه كان الوحيد الذى سمح له «تشيس» بإعطاء آرائه وانطباعته عن القصة والشخصية الرئيسية وباقى الشخصيات الأخرى، وبقيت أسماء مثل «كريستوفر مولتسانتى» و«سيلفيو دانتى» و«بول جالتيرى» و«رالف سيفرتو» محفورة فى أذهان الجماهير حتى الوقت الراهن.
ورغم أن «تشيس» أظهر شجاعةً وقامر بنجاح المسلسل وتعلق الجمهور به، حينما ترك النهاية شديدة الغموض، لدرجة أن البعض كاد -وبدون مبالغة- أن يُصاب بسكتة قلبية، إلا أنه ظل رافضًا لصناعة عمل آخر مشتق عن المسلسل، وهو ما أكده «جاندولفينى» فى أحد حوارته، حيث قال مازحًا: «سيخرج تشيس فيلمًا مشتقًا عن المسلسل حينما يصبح مفلسًا»، وبالفعل وبعد رحيل «جاندولفينى» عام 2013، عكف «تشيس» سرًا على كتابة سيناريو مبدئى لفيلم مشتق عن المسلسل إلى أن صرح بذلك رسميًا فى 2017، مشيرًا فى الوقت نفسه إلى أنه لا يزال قلقًا من هذا المشروع.
وبعد ذلك بعام أكد أن شركة «نيو لاين سينما» اشترت حقوق إنتاج الفيلم بالاشتراك مع «إتش. بى. أو»، وهو الأمر الذى أشعل وسائل الإعلام العالمية وجعل الجميع متحمسًا لرؤية عالم عائلة «سوبرانو» مرة أخرى.
وفى يوليو 2018، أعلن «تشيس» أنه اختار «آلان تايلور»، والذى شارك فى إخراج حلقات شتى من المسلسل، لإخراج الفيلم الجديد، وفى نوفمبر من نفس العام اختير الممثل الأمريكى «أليساندرو نيفولا» ليؤدى دور «ديكى مولتسانتى» والد «كريس»، والنجم «جون بيرنثال» فى دور «جونى سوبرانو»، والد «طونى»، والعظيم «راى ليوتا» فى دور لم يعلن، «تشيس» الذى فاجأ الجميع عندما احتفل العالم بمرور 20 عامًا على بداية المسلسل، حيث صرح لمجلة «ديد لاين» الأمريكية فى مطلع العام الجارى أن شخصية «طونى» ستظهر فى الفيلم الجديد، الذى سيطرح بعنوان «قديسون نيوارك»The Many Saints of Newark.
وأعطى «تشيس» لمحة عن قصة الفيلم، الذى سيطرح فى دور العرض الأمريكية فى 25 سبتمبر عام 2020، حيث قال إنه سيركز على المظاهرات التى اندلعت فى نيويورك عام 1967 بين السود والبيض، ودور مافيا نيوجيرسى فى إشعال الفوضى والاستفادة منها، مشيرًا إلى أن «طونى» -الفتى- سيكون له دور رئيسى فى الفيلم، وأن «مايكل» نجل «جيمس جاندولفينيى سيؤدى دور «طونى»، نظرًا للشبه الكبير بينهما، فضلاً عن أن «مايكل»، الذى يبلغ من العمر 19 عامًا، ظهر فى عدة أعمال سينمائية وتليفزيونية، أشهرها مسلسل «الشيطان» The Deuce من بطولة «جيمس فرانكو» وإنتاج «إتش. بى. أو».







