الثلاثاء 16 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

ابن المقفع المفترى عليه!

ابن المقفع المفترى عليه!
ابن المقفع المفترى عليه!


مخطئ من يظن أن التاريخ يكتبه المنتصرون وحدهم، التاريخ مليء بالروايات المتباينة، والمتناقضة أحيانًا، بعض هذه الروايات تصبح أكثر شهرة عندما يلتف حولها الناس، وبعضها الآخر يسقطها الجمهور من حساباته، لكنها لا تموت بموت راويها، حتى وإن انزوت وتراجعت وكادت تتلاشى فإنها تبقى فى خلفية المشهد مكونة النصف الآخر من الصورة.

هل الروايات الأكثر شيوعًا هى الأكثر دقة بالضرورة؟ الإجابة بالنفى قطعًا، فكثير من الأبطال التاريخيين بل والدينيين أيضًا انطوت حكاياتهم على مشاهد مزيفة أحيانًا، ومصنوعة أحيانًا أخرى، وموضوعة أحيانا ثالثة، ربما تم ذلك تقربًا إليهم وطمعًا فى عطاياهم، أو خوفًا من قوتهم وتنكيلهم.
وإذا كانت هذه هى الصورة بالنسبة للأبطال، فإن الحال لا يختلف كثيرًا إذا ما تعلقت الرواية بأحد المهزومين، فدائمًا ما ترد سيرهم فى خانة الأشرار، تصب عليهم اللعنات وتطالهم أيدى التحريف والتشويه، وتسند إليهم كل الأعمال السيئة وإن لم يأتوها.
فى القرن الثالث الهجرى ضاقت نفوس الحكام بما كتبه ابن المقفع فى كتابه «كليلة ودمنة»، لما فيه من إسقاط حاد وذكى على الواقع، لكن فى ذلك الوقت لم يكن هناك وجود للتهم السياسية، وكان مقياس التدين فى يد الحاكم، الذى اتهم ابن المقفع بالزندقة، بعض الحاشية كانت لهم نفس وجهة النظر فى كتاباته.
ويُرجع مروجو تهمة الزندقة بابن المقفع لأنه هو الذى ترجم كتاب كليلة ودمنة، ويقال «هو الذى عربها من المجوسية» كما أورد ابن كثير.
وقال ابن كثير: «قال المهدى : ما وجدت كتاب زندقة إلا واصله من ابن المقفع ومطيع بن اياس ويحيى بن زياد، قالوا: ونسى الجاحظ وهو رابعهم» فى اتهام واضح وصريح لأدباء ومؤرخى ذلك العصر بالزندقة.
وبالتالى فإن إلصاق تهمة الزندقة بابن المقفع يرجع لنقله كتب المجوس (الفُرس) إلى العربية، كما يرى أصحاب تلك التهمة أن نقله وتعريبه لتلك الكتب لا يخل من اعتقاد بما فيها إلا لما نقلها!
أما فيما يخص الخلاف السياسى فبحسب تأريخ ابن كثير أن الخليفة المنصور غضب على ابن المقفع فكتب إلى نائبه سفيان بن معاوية «أن أقتل هذا»، فأخذه وأحمى له نارًا وجعل يقطعه إربًا إربًا ويلقيه فيها حتى حرقه كله وهو ينظر إلى أطرافه كيف تقطع ثم تحرق.
قُتل ابن المقفع وهو فى مقتبل العمر، لم يتجاوز السادسة والثلاثين عند موته، إلا أنه ترك لنا من الآثار الكثيرة ما يشهد على سعة عقله وعبقريته إذ كان من أصحاب المدرسة الرائدة فى النثر.
بالنظر فى الكتب التى نقلها وألفها نراه يصيغ ما يُمليه عليه عقلُه بذكاء وبلاغة شديدة، يهدف إلى تغيير الواقع بأدبه ويساهم فى تطويره، لكن يبقى أصحاب الفهم القاصر للأدب وللفنون عمومًا، عند رؤيتهم أنه (ابن المقفع) ارتكب جريمة دينية لأنه لم يعتمد فى مؤلفاته على المعتقَد الدينيِّ، وقرر أن يخاطب عقل قارئه.
دافع عنه الكثير من المؤرخين، ودحضوا عنه تهمة الزندقة منهم وائل حافظ فى تصديره لكتاب الأدب الصغير وفى كتابه «خواطر حول كتاب كليلة ودمنة»، إذ قال «كان عبدالله بن المقفع مجوسيًا من أهل فارس، وكان يسمى روزبه بن داذويه، وأسلم على يد عيسى بن على عم السفاح والمنصور».
انقسمت الآراء حول تسمية أبيه بالمقفع؛ فأرجعه البعض لأن الحجاج بن يوسف الثقفى كان قد عيّنه على الخراج، فخانه، وعاقبه حتى تقفعت يديه، ليكون المقفَّع (بفتح الفاء)، وقيل بل هو المقفِع (بكسر الفاء)، نسبة إلى بيع «القِفاع» وهى من الجريد كالمقاطف بلا آذان.
فى «كليلة ودمنة» أشهر كتبه نجد كثيرًا من الحكايات القصيرة ذات طابع إرشادى، صيغت على ألسن الإنسان والطيور والحيوانات بمغزى سياسى، نقلها ابن المقفع وتصرف فيها، حتى تلائم العقلية الإسلامية، فنجد الروح الإسلامية واضحةً بشدةٍ من خلال ذكر البعث والثواب والعقاب، ووحدانية الله تعالى، والنصائح الأخلاقية.
لكن كون الكتاب من الأدب الرمزى لا يمكن فهم مقاصده إلا إذا تم تحليل رموزه، ويذكر فى مقدمته، أن ملك الهند «دبشليم» أمر الفيلسوف «بيدبا» أن يعكف على كتاب يكون ظاهره سياسة العامة مع الملوك، وباطنه أخلاق الملوك وسياستها مع الرعية».
ونجد تشابهًا كبيرًا بين أفكاره السياسية والأدبية وبين أفكار فلاسفة التنوير وزعماء الفكر المحدثين فكان سابقًا لعصره، وتمتع بعزيمة فى وضع أسس التغيير، بحثه عن الحرية لا حدود له، يتعمد نقد الواقع ويقدم بدائل لتغييره وتحقيق الانفتاح الحضارى.
عُرف ابن المقفع بالعلم الواسع، واطلاعه على الثقافة العربية والفارسية واليونانية والهندية، وربما يكون سبب الأزمة التى أحدثها «كليلة ودمنة» هى أنها أظهرت عيوب النُّظُم الإدارية وعددت الجوانب الإيجابية للنظم الإدارية ورق الحكم فى بلاد فارس، إذ كان العرب وقتها بعيدين كل البعد عن الإدارة الحكيمة وأساليب الحكم الرشيد، معتبرين أن أى نقل عن الفرس والروم خروج على قواعد الدين، رغم أنه بعد قيام الدولة الإسلامية فى عهد الرسول، أخذ الفاروق عمر بن الخطاب الكثير من النظم الإدارية عن الفرس، واستطاع بهذا بناء دولة قوية، وكان لهذا أثره الكبير فى تطوّر الدولة الإسلامية.
لذلك لا نبالغ عندما نقول إن ابن المقفع كان أول مفكر فى تاريخ الإسلام يقدم رؤى سياسية واجتماعية واقتصادية لإصلاح المجتمع، فيقترح أن تحصى الأراضى وتكتب أسماء مالكيها فى سجلات رسمية، ليعرف كل مالك ما له، ويرى أنه لا صلاح للشعب، إلا بصلاح الحاكم، حتى ولو رأى البعض أنه لم يتعرض لمناقشة قضية الحكم خوفًا من الاستبداد، لكنه طرق أبواب جميع القضايا بطريقة مباشرة أو متسلحًا بالرمز والبلاغة.
وكان من أئمة الكتاب فى الإسلام المهتمين بترجمة كتب المنطق، وتولى الكتابة فى الديوان للمنصور العباسى، كما ترجم له «كتب أرسطوطاليس» الثلاثة، فى المنطق، وكتاب «المدخل إلى علم المنطق».
كما نرى تجلّى النزعات الإنسانيّة فى أفكار ابن المقفّع بمناداته بضرورة احترام الإنسان وتحقيق حريته، ووجود المساواة الاجتماعية بين البشر، إضافة لمناداته بإرساء قيم العدالة داخل المجتمع مهما تعددت معتقداته وأجناسه، وتفاوتت فئاته الاجتماعية، وكان له السبق فى الدعوى باستقلاليّة القضاء وتوحيد القوانين، وسن قانون واحد يسير عليه كل القضاة.
واقترح إبعاد القادة والجند عن لين العيش، وعن ولاية الخراج والأمصار، لأن ولايتهما مفسدة للمقاتلين، حتى لا يفسدوا وتصيبهم أمراض النفوس، كما كان من أوائل الداعين لفصل السّلطات تحقيقًا للحرية ومقاومة الاستبداد.
وتعتبر مأساة ابن المقفع تجسيدًا للعلاقة بين المثقف والسلطة سواء كانت سلطة حاكم أو سلطة المجتمع، فالأفكار تكون مطاردة طوال الوقت لا يسلم صاحبها من الاتهام.