«ضاد».. صناعة البهجة بـ«الخط العربى»
فاطمة مرزوق
«كان لدى شىء مفقود فى الفنّ، ولقد وجدته فى الخط العربى».. قالها الرسام الإسبانى «بابلو بيكاسو»، معبرًا عن إعجابه الشديد بعالم الخط العربى، الذى لمس فيه المعنى الحقيقى للإبداع، ولخص أهميته حينما قال: «إن أقصى ما وصلت إليه فى الرسم، وجدت الخط العربى قد سبقنى إليه منذ أمد بعيد».
أبدع الخطاطون قديمًا وحديثًا فى تطوير أنواع الخطوط العربية، وتطويع أشكالها؛ للتعبير عن مختلف الرسائل بطريقة تجمع بين الجاذبية وراحة العين، لكن الاهتمام أخذ فى الانحسار مؤخرًا.
وجد طلاب فى جامعة المنصورة ضالتهم فى تأسيس فريق «ضاد» لخلق عالم مستقل بالخط العربى، جَمع الطلاب المهتمين به معتمدين على ذواتهم فى التعلم واكتساب الخبرة، إلى أن صار لهم بصمة فى العديد من المعارض والفعاليات المرتبطة بهذا الفن.
أحمد.. «خطه الوحش» كان سببًا فى تأسيس الفريق
يؤمن أن الإبداع مقترن بالمرحلة الجامعية، لذا كان عضوًا فى عدة فرق تطوعية بالجامعة، منها ما يتعلق بدراسته ومنها ما اختص بالأعمال الخيرية، لكنه كان دائم البحث عن ميزة خاصة به، فاتجه إلى تدوين الخواطر والمواقف التى يمر بها فى حياته، خطه السيئ كان العقبة، لكنه أرشده فيما بعد إلى عالم الخط العربى الذى قرر دخوله بحضور ورش خاصة به.
تخرج «أحمد دهب» فى كلية الهندسة، قسم الكهرباء، أسس فريق «ضاد» أثناء دراسته فى الجامعة، وقرر أن يضم به جميع المهتمين بالخط العربى، يقول: «كنت أتمنى فعل شىء مختلف قبل تخرجى، وكنت أشجع زملائى، لأن الحياة العملية تأخذ كل الوقت، بدأت بورشة للخط الديوانى، تعلمت رسم حرف الألف ثم اعتمدت على ذاتى من خلال الفيديوهات ومتابعة الخطاطين، وجميع المهتمين بالخط العربى فوجدت أنه سهل، ثم جمعت المهتمين به فى جامعة المنصورة، حتى نسهل عملية التواصل بيننا».
يؤكد الشاب العشرينى أن هدفه الأول تبادل المعلومات والخبرات بين أعضاء الفريق، وكل من يتخطى مرحلة يٌعلمها للآخر: «اتجهنا إلى تقليد الخطوط فى البداية، لأننا لم نكن نعرف أنواع الخط العربى والأوزان لكن شغفنا هو الذى دفعنا لنتعلم، وهدفنا الثانى كان تنمويّا وهو كتابة حكم ومقولات أخلاقية تفيد الشباب، وتمنحهم حكمًا ومواعظ، وهذا نحرص على تطبيقه عندما نحضر أعمالًا تطوعية».
الهدف الثالث للفريق هو التطوع فى القوافل المختلفة وحضور الإيفنتات الخيرية: «نقوم بكتابة اللافتات واللوحات والديكورات التى يطلبونها، نذهب إلى المدارس ونعلم الأطفال والقرى الفقيرة نذهب إليها للنقش على البيوت وتلوينها».أربع ورش قام بها فريق «ضاد» منهما اثنتان للخط الديوانى، وواحدة للرقعة والأخيرة خاصة بالخط السنبلى: «اشتركنا مع اتحاد هندسة المنصورة وأجرينا الورش بسعر مدعم للطلبة، بدأنا نتعلم خط الثلث فى الفترة الحالية»، مشيرًا إلى سبب اختيارهم لاسم «ضاد» أنه مميز، واللقب المشهور للغة العربية كما أرادوا إحياء اللغة وتراثها من خلاله».
واجه الفريق صعوبة فى الحصول على أدوات الخط العربى فى البداية لكنهم تغلبوا عليها بمجرد حضور المعارض الخاصة بالخط العربى: «اشترينا الأدوات من خطاط، وأدوات أخرى بحثنا عنها فى أماكن كثيرة لنشترى بالسعر الأرخص، وهناك أدوات قمنا بصنعها».
لم يقتصر نشاط «ضاد» على الخط العربى فقط، بل قاموا بدمجه مع الرسم فيما يُعرف برسم «المندلا».
«يوسف».. طالب كلية الهندسة: تعلمت خط الرقعة والديوانى والسنبلى
جاءت البداية من انضمامه إلى فريق «خواطر» بالجامعة، تعلم القليل عن الخط العربى أون لاين، لكن شعوره بالملل جعله ينسحب، اتجه إلى متابعة مجموعة من الخطاطين ليتعلم من الفيديوهات التى يضعونها على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك»، مرن نفسه كثيرًا ولاحظ تحسن مستواه بشكل جيد، حتى التقى بفريق «ضاد» ليستكمل مسيرته فى الخط العربى.
«يوسف قنديل»، طالب بالفرقة الثالثة بكلية الهندسة، جامعة المنصورة، بدأت معرفته بالخط العربى عن طريق اللافتات والإعلانات التى كان يصممها فريقه، إلى أن صار الخط حالة خاصة يعيشها لا تقل أهمية عن دراسته، يقول: «الخط العربى أجمل ما حدث لى فى الحياة، فرحت كثيرًا عندما علمت بإنشاء فريق مختص بالخط العربى، وسارعت بالانضمام إليه منذ عام، بدأنا الفريق بـ13 فردًا لم ينسحب منهم سوى واحد فقط».
بدأ الشاب العشرينى بتعلم الخط «الديوانى» ثم «الرقعة» والخط «السنبلى»، مؤكدًا أن الخط الديوانى الأصعب فى تعلمه، حيث استغرق وقتًا كبيرًا حتى أتقنه: «أحد أعضاء الفريق كان يتقن الخط الديوانى، تعلمنا منه، وكنا نكتب، ويرشدنا ويقول لنا الملحوظات حتى نتعلم بإتقان، كنا نجتمع سويًا، ونكتب وكل من لديه معلومة يضيفها للآخر، أما الخط السنبلى فهو مشتق من الديوانى يُستخدم كشكل جمالى لكن خط الرقعة أسهل الأنواع لا يستغرق وقتًا».
استقبل الفريق أعضاء جددًا، وبدأ فى تنظيم ورش خاصة بخط الرقعة، مشيرًا إلى اثنين من أعضاء الفريق التقيا بخطاط من دمياط، يذهبان إليه للتعلم، ثم يعودن للفريق مرة أخرى لينقلا إليه ما تعلماه هناك: «ليس لدينا خطاط محترف نكتسب منه الخبرة، وهذه إحدى المشكلات التى نواجهها لأن جميع الخطاطين يتركزون فى القاهرة، ونحن نواجه صعوبة فى السفر لظروف دراستنا».
لم يستسلم أعضاء الفريق إلى تلك المشكلة، بل قاموا بحضور معرض للخط العربى فى القاهرة، للاضطلاع على الجوانب المختلفة للخط العربى، ومعرفة الطريقة التى يعمل بها الخطاطون الكبار، وأوضح «يوسف» أنهم يجتمعون وفقًا لظروف دراستهم: «أحيانًا نجتمع داخل الجامعة وأحيانًا خارجها، كلنا من جميع المراحل الدراسية، ومن كليات مختلفة»، أما عن أعمالهم فى الإيفنتات، فيؤكد أنهم يتقاسمون المهام سويًّا: «شخص يرسم والآخر يكتب بالخط العربى، لكن النقش على الجدران أقوم به بمفردى ورسمت صورة لمحمد صلاح بحروف الخط العربى».
لم يقتصر رسم «يوسف» على الجدران وفى الفريق فقط بل اتجه إلى نقش حروف الخط العربى على جدران منزله كى يمنحه خلفية فريدة من نوعها: «أتمنى أن يكون لنا بصمة فى كل مكان، وأكثر عمل أفخر بمشاركتى فيه، حينما ذهبت مع طلاب إعلام عين شمس إلى إحدى مناطق مصر القديمة العشوائية، وقمنا بتلوين الجدران وسط بهجة وفرحة كبيرة من أهل المنطقة».
«المتاهة».. سبب انضمام «آية» إلى فريق «ضاد»
شغفها بالرسم والخط دفعها لحضور إيفنت خاص بفريق «ضاد» فى كلية الهندسة بعنوان «المتاهة»، وضعت قدميها على بداية الطريق، وقررت أن تبدأ، بعدما تجاهلت موهبتها سنواتٍ عديدة، سارعت بالانضمام للفريق، ومن هنا اكتشتف ذاتها.
تخرجت «آية ياسر» فى كلية الحقوق جامعة المنصورة، واتجهت إلى عمل دبلومة فى القانون، وعلى الجانب الآخر عملت على تطوير موهبتها فى الرسم وكتابة الخط العربى من خلال فريق «ضاد»، تقول: «جذبنى الحديث عن الخط العربى فى الإيفنت، كنت أخطط لأخذ كورسات فى الرسم والخط ثم أقوم بتأجيلها، لكن الفريق شجعنى، بدأت معهم بخط الرقعة وحضرت أكثر من ورشة وكان لدى خلفية عن أنواع الخطوط ساعدتنى».
مؤكدة أن مراحل تعلم الخط العربى تبدأ بكتابة الحرف ثم الكلمة ثم كتابة جملة كاملة: «نجتمع كل فترة للتدريب وحتى تتعود أصابعنا على الكتابة ونقش الحروف، وفى فترة الامتحانات نجتمع أون لاين ونبدأ التدريب من المنزل، نقوم بتصوير ما نكتبه ثم نرسله على الجروب الخاص بنا ونبدأ فى توجيه الملاحظات لبعضنا البعض».







